أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: نهاية “حزب الله” المدوية

يوليو 16, 2015

أنور مالك يكتب لـ

لا يختلف اثنان أن تدخل “حزب الله” في سوريا هي مغامرة حقيقية ستكون نتائجها وخيمة على مستقبل هذا الحزب سواء في لبنان أو المنطقة وحتى العالم الإسلامي برمّته، وهذا ما أحسّ به بعض القادة من الحزب والطائفة الشيعية، لذلك هبّوا لانتقاد خيارات نصر الله التي ستدخل لبنان فيما لا يقدر عليه، دفعت هذا الأخير إلى تصفية بعضهم وتهديد آخرين وإبعاد بعضهم من صناعة القرار في تنظيم يتحكم في مصيره في الأول والأخير مرشد الثورة الخمينية بطهران.

اقرأ بقية الموضوع »

أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: أنقذوا شباب المسلمين من المستنقعات الجهادية!

نوفمبر 14, 2014

أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: أنقذوا شباب المسلمين من المستنقعات الجهادية!

بعد أفغانستان التي كانت بداية تنفيذية لما سمي بالحرب على الإرهاب، جاء دور مستنقع جديد في الصومال، حيث هرب إليه بعض الأفغان العرب وشكلوا هناك تنظيمات صارت مطلوبة أمريكياً ودولياً، وتحول إلى مستنقع ما يزال يدفع ثمنه الشعب الصومالي إلى الآن. وهذا لا يعني مطلقاً أن هؤلاء الأفغان العرب مجرد ضحايا أو أنهم أبرياء، بل بينهم من تورط في أعمال إرهابية وآخرون كانوا مستعملين، وبينهم بلا شك من راحوا ضحية حسابات استخباراتية كانت أكبر من عقولهم.

اقرأ بقية الموضوع »

أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: مستنقعات استخباراتية لحرق شباب المسلمين!

أكتوبر 20, 2014

أنور مالك يكتب لـ

في كل فترة لا تتجاوز العشر سنوات –غالباً- تظهر بؤرة نزاع جديدة في العالم الإسلامي تكمّل دور البؤر التي سبقتها، وتؤدي دائماً إلى مقتل الآلاف من المسلمين وتدمّر وطناً من الأوطان. كما أنها تتحوّل إلى محرقة حقيقية للشباب الملتزم والمتدين خاصة الذي تحمله عواطفه الدينية والإنسانية الجياشة لنصرة مضطهدين تجاهلهم العالم متعمّداً، وتركهم بين مخالب وحشية لا تعرف من الحياة إلا مضغ لحوم البشر الأحياء عموماً والمسلمين بصفة أخص.

اقرأ بقية الموضوع »

أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: درس من اسكتلندا إلى المملكة المغربية

أكتوبر 20, 2014

أنور مالك يكتب لـ

مما لا شكّ فيه أن الهزيمة التي مني بها دعاة الانفصال باسكتلندا في استفتاء 18 سبتمبر/ أيلول الماضي، سيبقى درساً ديمقراطياً مهماً للغاية نجحت فيه بريطانيا إلى أبعد حدود. ولا شك أن أول من سيتلقّى هذا الدرس الديمقراطي والحقوقي والحضاري في العالم العربي هو النظام المغربي الذي ما يزال يهرب إلى الأمام في معالجة القضية الصحراوية التي يتواجد بسببها أكثر من 100 ألف مواطن بمخيمات لجوء في تندوف الجزائرية منذ أكثر من ثلاثين عاماً، في ظروف إنسانية صعبة للغاية لا يمكن وصفها.

اقرأ بقية الموضوع »

أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: الحروب النجسة في العالم العربي (2)

أكتوبر 11, 2014

أنور مالك يكتب لـ

لقد لعبت أمريكا دوراً رئيسياً في العراق، وهي من سلّمته على طبق من ذهب إلى إيران التي كانت تعاني من غصة عراقية في حلق تصدير ثورتها؛ وذلك بتنصيب الحكام من الشيعة الذين يقال إنهم أغلبية من حيث عددهم، وهو ما أوصلهم للسلطة كما تقتضي الديمقراطية التي لم يصل منها للعراقيين سوى الوهم. الأستاذ عوض العبدان، وهو رئيس حركة تحرير الجنوب العراقية، نشر مؤخراً إحصائية وافقه عليها الكثيرون، تتحدّث عن أن الشيعة يشكّلون نسبة 40 بالمئة من الشعب العراقي، في حين أن السنّة نسبتهم 56 بالمئة، وبقية الأقليات يشكلون نسبة 4 بالمئة. وإن كان الأستاذ العبدان لم يقدّم المعايير المعتمدة في هذه الإحصائية، إلا أن الكثير من الشواهد الأخرى توحي بأن السنّة نسبتهم أكبر من الشيعة في العراق، وما وصل هؤلاء إلى الحكم إلا في ظل النقمة على نظام صدام حسين المحسوب على السنّة، كما أن أمريكا قامت بتسليم الحكم للأشخاص الذين ساعدوها في غزو العراق وأغلبيتهم الساحقة من ملالي إيران. فضلاً عن أن طهران قدمت خدمات كبيرة للأمريكان في غزو العراق وأفغانستان، ولا يمكن أن تخرج صفر اليدين من هذه الحروب النجسة التي أشعلتها.

اقرأ بقية الموضوع »

أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: الحروب النجسة في العالم العربي (1)

أكتوبر 11, 2014

أنور مالك يكتب لـ

يعيش العالم العربي والإسلامي منذ فترة لا يستهان بها على وقع حروب نجسة بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ وما تحمله من حقائق، وهذه الحروب أدّت إلى تدمير الأوطان والإنسان، وسقط ملايين الضحايا، سواء كانوا قتلى أو جرحى أو مهجّرين أو منفيين أو لاجئين أو معتقلين أو مفقودين، ولحدّ اللحظة لم ينالوا حقهم من العدالة الدولية التي ترافع لها دول العالم تحت شعارات مختلفة ومسمّيات متنوعة.

اقرأ بقية الموضوع »

أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: حتى لا ننسى الأحواز المحتلّة

أكتوبر 6, 2014

أنور مالك يكتب لـ

شاركت منتصف شهر يونيو/ حزيران الماضي في مؤتمر أقامته حركة النضال العربي لتحرير الأحواز في لاهاي الهولندية، وكانت الفرصة الأولى بالنسبة لي كي أحتكّ مباشرة بالأحوازيين الذين اقتصرت علاقاتي بهم عن بعد، ومن خلال شبكات التواصل الاجتماعي خصوصاً، وأذكر أنه بعد عودتي من سوريا تلقّيت الكثير من الرسائل عبر الإنترنت من الأحوازيين في الداخل والخارج، تشيد بموقفي وتدعمني وتدعوني إلى مناصرة قضيتهم العادلة والمنسيّة التي يتجاهلها الكثيرون من دعاة حقوق الإنسان في العالم عموماً، وفي الوطن العربي والإسلامي بصفة أخص.

اقرأ بقية الموضوع »

أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: حدود اللعاب الإيراني!

أكتوبر 6, 2014

أنور مالك يكتب لـ

كتب الجنرال المتقاعد من المخابرات الأمريكية، رالف بيترز مقالاً في المجلة العسكرية المتخصّصة “آرمد فورسز جورنال” في عدد يونيو/حزيران 2006 جاء تحت عنوان “حدود الدم”، أظهر فيه تأثره البالغ بتصورات المستشرق برنارد لويس حول تقسيم العالم العربي والإسلامي مجدّداً.

اقرأ بقية الموضوع »

أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: أمريكا تكافح الإرهاب أم تصنعه!

سبتمبر 24, 2014

أنور مالك يكتب لـ

المتابع للحروب الأمريكية والتحالفات الدولية التي صنعتها واشنطن تحت شعار مكافحة الإرهاب، يدرك بما لا يدع مجالاً للشكّ أنها فشلت تماماً في اجتثاثه ولم تفلح في القضاء عليه كما زعمت، بل بإرهابها صنعت الإرهاب وبوحشية تزداد تدريجياً مع مرور الأيام حسب المكان والزمان، ولم يدفع الثمن الباهظ سوى الأبرياء من المدنيين فقط.

حتى لا نذهب بعيداً ونغوص في التاريخ، ومن دون التفكير بعقلية المؤامرة التي صارت شمّاعة للكثيرين، علينا أن نقرأ حاضرنا فقط من خلال معطيات واقعية كثيرة، وسنجد أن أمريكا شنّت حملة عسكرية في أفغانستان كي تقضي على القاعدة التي هي أصلاً تكوّنت من الأفغان العرب الذين صنعتهم بنفسها لطرد السوفيات وتفتيت اتحادهم وهو ما نجحت فيه.

غير أن الحرب الأمريكية على أفغانستان لم تقضِ على القاعدة ولا طالبان، فالقاعدة أفرخت عدة قواعد أخرى، وساعدتها أمريكا لما فتحت جبهة جديدة في العراق، ونجحت في تحويلها إلى مستنقع دموي ساعد هذا التنظيم على فتح فرع آخر له عن طريق الزرقاوي، الذي يعدّ من المقاتلين العرب الذين تخرّجوا من مدرسة أمريكا “الجهادية” في أفغانستان.

لقد غزت أمريكا أفغانستان ولا أحد يستطيع أن يوقفها بعدما ظهرت كوحش كاسر وجريح بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، رغم أنها خططت لهذه الحرب بستة أشهر قبل الحادثة حسب ما صرّح به مصدر استخباراتي أمريكي لصحيفة “جاينز” البريطانية في مارس (آذار) 2001.

ولكنها بعدما نفذت ما أرادت، وبتكلفة باهظة بشرياً ومادياً، ومن دون أن تقضي على زعماء القاعدة وطالبان ولا أعادت الاستقرار للبلد، أمّمت وجهها شطر العراق، وحاولت أن تبرّر ذلك بأسلحة دمار شامل ظهرت بعد الحرب أنها مجرد كذبة كبرى أطلقتها المخابرات الأمريكية، وتسبّبت في مقتل وتشريد وجرح الملايين من الأبرياء العراقيين.

أمريكا التي دخلت العراق لتبشّر بالديمقراطية المثالية لم تصنع شيئاً للعراقيين، بل مكّنت عدوّهم الإيراني من السيطرة على مقدرات البلاد وثرواتها، عبر حكومات ملالية مارست أبشع أنواع القتل والتهجير والجرائم ضد الإنسانية بحق السنّة العراقيين.

ولا يزال الشعب العراقي يدفع ثمن الوهم الأمريكي من سيارات مفخخة وميليشيات إيرانية وشيعية إرهابية ومجازر جماعية وقصف للمدن والقرى، حتى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين تحول إلى الدولة الإسلامية في العراق، ولم تنجح أمريكا في القضاء على ما تسميه بالإرهاب، ولا أثبتت شيئاً عن دعواها بوجود أسلحة دمار شامل عند نظام صدام حسين الذي أعدمه الإيرانيون فجر عيد الأضحى المبارك من عام 2006.

سنوات قضتها أمريكا في العراق مارست فيه أبشع جرائم الحرب وقد تجلّى ذلك على سبيل المثال لا الحصر في فضائح سجن أبو غريب في 2004، وقنص المدنيين عبر الطائرات، واستعمال الفوسفور الأبيض في الفلوجة وغيره.

ولم يقتصر الأمر على العراق بل أن أمريكا قبل ذلك مارست شتى أنواع التعذيب في معتقلاتها السرية أو المعلنة في أفغانستان وكوبا وحتى بعض الدول العربية، وقد نشرت في هذا السياق صحيفة واشنطن بوست في عددها الصادر بتاريخ 26/12/2002 تقريراً مستنداً على أحد عناصر وكالة المخابرات الأمريكية، مفاده أنه هناك وسائل تعذيب تستعمل في التحقيق مع المشتبهين بهم في معتقل باغرام وغوانتانامو.

وصل أوباما للحكم بحملة انتخابية مناهضة لحروب سلفه جورج بوش الابن بأفغانستان والعراق، بل تخلّى في مايو/أيار 2010 عن مصطلح “الحرب على الإرهاب”، وقام بسحب تدريجي لقواته، غير أن ذلك لم يلبث طويلاً وتفّجرت الثورة في سوريا، وبدلاً من أن تمارس الأمم المتحدة دورها في حماية السوريين، ترك المجتمع الدولي نظام بشار الأسد يوغل في الدماء بسادية منقطعة النظير إلى درجة استعمال الكيماوي ضد الأطفال والمدنيين.

بل ذهب أبعد من ذلك حيث استجار بمنظمات إرهابية طائفية مثل “حزب الله” وغيره، التي دخلت سوريا ومارست أبشع الجرائم بحق السوريين وخصوصاً أهل السنّة منهم.

المستنقع السوري صار ملاذاً للقاعدة التي تجد ضالّتها في مناطق النزاع والحروب، وسكتت أمريكا عن تنظيمات جهادية هبّت نحو سوريا من كل حدب وصوب، ووجد النظام السوري فرصته كي يحوّل ما يجري من ثورة شعبية ضد نظامه المستبدّ إلى إرهاب يحاربه العالم، وذلك بتسهيل مرور المتشدّدين من تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق” نحو سوريا وبدعم من حكومة المالكي ومخابراته وبالاتفاق مع مخابرات إيران و”حزب الله”.

لم يفتحوا المجال فقط لهذا التنظيم كي يمرّ نحو الداخل السوري ويتحوّل إلى تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” المعروف اختصاراً بـ “داعش”، بل سهلوا له السيطرة على الموصل وتحصّل على أسلحة كبيرة وأموال بالمليارات وسيطر على مواقع النفط، وهكذا فجأة تحوّل من جماعة إلى أخطر تنظيم يهدّد العالم بل حتى الكواكب الأخرى في ظل المبالغات القائمة، وهذا طبعاً بفضل المالكي الذي صنعته أمريكا وبشار الذي صمتت عنه ودعمته روسيا.

إن أمريكا هي العدو الفعلي في المخيال العربي والإسلامي بسبب ممارسات كثيرة عبر تاريخها إضافة إلى أنها ظلت تدعم الصهاينة العدو الرئيسي، بل صارت تعمل من أجل تغيير حتى وجه الإسلام ذاته تحت شعار “الحرب على الإرهاب” حسب التقرير الذي نشره المحلل السياسي الأمريكي ديفيد كابلان ونشرته مجلة “يوإس نيوز آند ورلد ريبورت” ونقلته التايم والنيوزويك في 17/04/2005.

ولذلك لا يمكن أن تكون عدوّة للعرب والمسلمين في فلسطين وصديقة لهم في المغرب العربي أو تدافع عنهم في سوريا أو العراق، وبدل أن تدعم أمريكا ثوار سوريا وثوار العراق بحكم نفوذها في مجلس الأمن وبحكم أنها القوة الأولى في العالم، راحت تحشد التحالف لأجل التدخل العسكري للقضاء على دولة “داعش”، وتعيد التجربة الفاشلة التي خاضتها من قبل في أفغانستان والعراق والصومال وحتى اليمن أيضاً.

لقد أنشأت من قبل تحالفاً في أفغانستان غير أن الأمر انتهى بها إلى التفاوض مع طالبان بعد سنوات من الحرب الشاملة، وتتحدث مصادر مختلفة عن أن الملا عمر هو من يتماطل في التفاوض مع أمريكا وليس العكس كما هو معتاد.

أما القاعدة التي زعمت أنها قضت عليها وانتهت بمقتل أسامة بن لادن في باكستان، فقد خرج من رحمها تنظيم “داعش” الذي تحوّل إلى دولة لها خليفة يسيطر على منطقة تعادل ثلاثة أضعاف لبنان.

أما شأن القاعدة فقد تمدّدت في سوريا والظواهري أعلن مطلع سبتمبر/ أيلول الجاري حتى عن ميلاد فرع له في شبه الجزيرة الهندية.

أما في شمال أفريقيا فقد دعمت أمريكا النظام الجزائري في انقلابه عام 1992 الذي أدى إلى ظهور جماعات متشدّدة، وتحوّلت لاحقاً إلى تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” عام 2006، ثم أحيت هذا التنظيم الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة بفتح مستنقع جديد في ليبيا التي تعتبر معقلاً للمتشدّدين منذ سنوات طويلة، ووصل بها الحال للتحالف مع تنظيم “الجماعة الليبية المقاتلة” التي يتزعمها عبد الحكيم بلحاج المعروف من قبل بـ “عبد الله الصادق”، وهو أحد المتخرجين من سجون أمريكا، ومع آخرين كانوا مطلوبين أمريكياً بتهمة الإرهاب الدولي.

بل فتحت المجال لفرنسا بصفتها اللاعب الرئيس في شمال أفريقيا التي خاضت حرباً في شمال مالي بعد سيطرة تنظيم القاعدة عليه، وقبلها خاضت حرباً ضد القذافي التي صنعت ما هو أخطر من تنظيم القاعدة أصلاً، والآن تحضّر نفسها لحرب ثانية في ليبيا ضد تنظيمات متشدّدة صنعتها باريس بحربها تحت قبّة الناتو ضد الديكتاتور القذافي.

لا أحد طبعاً يمكنه أن يحاسب أمريكا على حروبها الفاشلة التي شنّتها في المنطقة لأجل اجتثاث الإرهاب، التي مكّنت له أكثر من ذي قبل، ليس لغباء كما قد يخيّل للبعض بل بسبق الإصرار والترصّد، وهذا لا يهمّها أصلاً مادامت جغرافيتها تبقى عذراء، وحتى حادثة 11 سبتمبر/ أيلول 2001 وما سبقها ولحقها من حوادث تحوم حولها شبهات كبيرة عن تسهيل استخباراتي من أجل أن تغزو أمريكا أفغانستان حتى تسيطر على نفط قزوين، وأيضاً كي تغزو العراق وتسيطر على خيراته.

وتصنع هذه الفوضى الطويلة الأمد في العالم الإسلامي المؤدية حتماً إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وفق ما خطّط له المحافظون الجدد.

الآن تستعدّ أمريكا لخوض حرب جديدة عبر تحالف دولي ضد “داعش” وطبعاً على حساب الدول العربية من حيث التكلفة المادية والبشرية التي ستكون باهظة، وبدل أن تساعد من قبلُ ثوار سوريا حاصرتهم ومنعت عنهم السلاح بأوامر للدول التي تسمي نفسها أصدقاء الشعب السوري، بل تدعم أنظمة مستبدة في العالم العربي والإسلامي التي تمارس شتى صنوف الظلم الذي لا ينتج غير التطرف والغلو ويساهم في صناعة الإرهاب، وعلى رأسهم نظام المالكي الذي صنعته ودعمته ووضعته فوق رؤوس العراقيين لخدمة طهران.

“داعش” لديها أنصارها بلا أدنى شك ويوجد من يكرهها في العالم الإسلامي بسبب منهجها التكفيري وتشدّدها وجرائمها أيضاً بحق المسلمين السنّة قبل غيرهم، ولكن بمجرد أن تحشد أمريكا قواتها ضدها سيتعاطف معها الكثيرون وبدل أن تنتهي ستتمدّد أفكارها، ولن نتأخر كثيراً ونرى “داعش” في ثوب جديد وبوحشية أكبر على رقعة جغرافية أوسع.

لقد كانت الجماعة الإسلامية الجهادية في مصر متشدّدة ويراها الناس في ذلك الوقت قد بلغت قمة الإجرام، ثم طوت صفحتها الجماعة الإسلامية المسلحة “الجيا” في الجزائر بوحشية أكبر، ولما ظهر تنظيم القاعدة صارت وحشية من سبقوه قليلة ورحيمة -إن صح التعبير -مقارنة مع ما تمارسه القاعدة.

ثم جاءت “داعش” حتى صار الكثيرون يتحدّثون عن اعتدال القاعدة والتي لم تصل وحشيتها إلى هذا الحدّ، وهكذا نرى أن الوحشية لدى الجماعات المتشدّدة تزداد ولا تنقص، كما أن عددهم يكبر ولا يتناقص رغم حروب أمريكا عليهم.

فإن كانت القاعدة لم تملك رقعة جغرافية سوى تلك التي كانت لها في ظل طالبان، فإن “داعش” صارت لديها بلاد تمتد من الموصل إلى الرقة ومساحة جغرافية كبيرة وقوات عسكرية ضخمة، وحتى عدد هائل من المقاتلين الذين قدموا من أوروبا والقارة الأمريكية من حيث تنطلق الحرب الاستخباراتية على “الإرهاب” وتتواجد مراكز القيادة العملياتية.

أين يا ترى حروب أمريكا وانتصاراتها المزعومة على الإرهاب؟

لقد نجحت الحركات الإسلامية المتتالية في جعل العداء الأمريكي للإسلام والمسلمين هو خبز الناس اليومي، وكلما تدخّلت أمريكا ضد جماعة ما ولو كانت ظالمة إلا وجعلت هذه النظرية تزداد شعبية وتتجذّر في العقول والقلوب، فبدل أن ينتهي المتشدّدون يزدادون تفريخاً وانتشاراً وقوة من خلال تغلغل فكرهم الذي لم يواجه بفكر مضاد.

وأكاد أجزم أن الولايات المتحدة لو تتدخّل ضد الشيطان لناصر المسلمون الشياطين عليها ليس حبّاً في الشيطان ولكن كرهاً لأمريكا، وهذا يتجلّى مع إيران التي رفعت شعارات وهمية معادية لها ولإسرائيل وبها اخترقت العالم الإسلامي ومكّنت لمشروعها الصفوي؛ لأنها أدركت طبيعة العداء القائم للأمريكان في المنطقة العربية.

وحتى جورج بوش نفسه عقب أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 طرح السؤال التالي: لماذا يكرهنا العالم؟ وجوابه أن الذين يكرهون أمريكا “يكرهون الحرية” وخاض لأجل هذه الحرية المزعومة حربين لا نهاية لهما لحد الآن.

إن المعالجة لقضية التشدّد في العالم الإسلامي يجب أن تكون فكرية وهو دور منوط بعلماء المسلمين والمفكرين والنخب الإسلامية والعربية وصنّاع القرار من خلال تجديد المنظومات التربوية خصوصاً.

ومحاربة هذه التنظيمات شأن داخلي فقط ويجب أن يبقى كذلك، وأي تدخل أجنبي سيخدم الغلاة والبغاة كثيراً.

والدول العظمى إن أرادت القضاء على الإرهاب بالفعل كما تدّعي فلتساعد شعوب المنطقة العربية في ذلك، من خلال تمكينها من تقرير مصيرها وفق ديمقراطية حقيقية تتماشى والقيم الإسلامية وليست تلك التي تأتي على ظهور الدبابات أو بغزو فكري للعقول، كما يجب ألا تتدخل في شؤونهم ولا تنهب ثرواتهم وتستبيح أرضهم وعرضهم لأجل مصالحها فقط، ولا تحوّل أنظمتهم إلى مجرّد بيادق تعبث بها كما تريد، مما يزيد في حجم الكراهية التي هي سبب هذه الحروب النجسة.

واهم من يعتقد أن أمريكا ستقضي على “داعش”، بل ستصنع بحربها الجديدة “دواعش” من طراز أبشع وبوحشية أكبر بكثير لن يتضرّر منها سوى العالم الإسلامي، مادام هناك هروب متعمّد وبسبق الإصرار والترصّد عن أصل القضية والمتمثّلة في الاستبداد والفساد الذي تمارسه الكثير من أنظمة الحكم العربية، فضلاً من دعم المجتمع الدولي للظالمين سواء في طهران أو تل أبيب على حساب مسلمين مستضعفين يقتلون ويبادون إن كانوا أقليات في بورما وأفريقيا الوسطى أو أغلبية في العراق وسوريا وفلسطين وغيرهم.

الخليج أونلاين – سبتمبر 2014

المصدر

أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: هل العدالة الدولية ليست من حقّ المسلمين؟

سبتمبر 19, 2014

أنور مالك يكتب لـ

نواصل الحديث عن النفاق الدولي القائم في مجال حقوق الإنسان، وعن هذه الازدواجية المقيتة التي يمارسها المجتمع الدولي مع الإنسان العربي والمسلم بخلفية استعمارية بغيضة، وإن ذكرنا من قبل سوريا والعراق، فتوجد دول أخرى أيضاً جرى السكوت عنها، مثل الجزائر التي قتل فيها ربع مليون مواطن، وليومنا هذا لم يحاسب – محلياً أو دولياً- ولو شرطي مرور على مخالفة أودت بحياة شخص واحد. والأمر نفسه بالنسبة لممارسات المغرب في الصحراء الغربية منذ مسيرته التي سمّاها الخضراء عام 1975، وتوجد مقابر جماعية اكتشفت عن صحراويين قتلوا بطرق بشعة، وطبعاً المجتمع الدولي يتعامل مع هذه القضية بطريقة تجارية تخضع للابتزاز المصلحي فقط. كما لا يمكن أيضاً أن ننسى أو نتجاهل الجرائم التي اقترفها الجنرال السيسي في مصر من خلال مجازر رابعة العدوية وميدان النهضة وغيرهما.

حتى لا نتوه كثيراً في الماضي البعيد وبين أيدينا أمثلة قريبة وكثيرة لا تحصى ولا تعد، تفضح هذا النفاق الدولي البائس. فقد كثر الحديث في هذه الفترة عن انتهاكات حقوق الإنسان التي يقترفها تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، المعروف اختصاراً “داعش”، والعالم كلّه ما صار له حديث إلا عن هذا الأمر، وبين عشيّة وضحاها كأنهم تناسوا جرائم بشار الأسد ومجازره الجماعية التي يقترفها بأسلحة مختلفة؛ بدأت بالهاون ووصلت للكيماوي، وقد نسمع مستقبلاً عن استعمال الجرثومي، وهذه الجرائم هي الأصل، أما “داعش” فهي مجرد فرع أو رد فعل ووحشية مضادة.

مقاربات بين “داعش” و”حزب الله”

لسنا هنا بصدد تبرير جرائم “داعش”، فنحن أول من ناهضها، ولا نزال كذلك؛ لأننا لا نقبل الازدواجية في المعايير الأخلاقية والإنسانية، لكننا نحتاج إلى إرساء العدالة الدولية التي لا تستثني أحداً، ولا تكيل بمكيالين بين الضحايا ولا الجلادين. فما أرادوا تطبيقه على “داعش” ينطبق تماماً، وببشاعة أكبر في بعض المناطق، على تنظيم “حزب الله”؛ حيث هناك قواسم مشتركة تجمع بين البغدادي وحسن نصرالله، وإن كان الأول ظلمه جاء نتيجة الظلم المسلّط على السنّة، والثاني مجرّد جناح صنعته إيران لكي تمارس ظلماً يخدم مشروعها الصفوي في المنطقة العربية، يستغلّ مظلومية عمرها أكثر من عشرة قرون ووفق روايات موضوعة.

لقد استنفر العالم كل قواه للقضاء على تنظيم “داعش”، ولكنه لم يحرّك ساكناً ضد تنظيم “حزب الله” الذي بدوره قام بغزو سوريا وسيطر على مناطق، واقترف ما يندى له الجبين من جرائم ضد الإنسانية، بل أقدم على إبادة قرى يسكنها أهل السنّة ولأسباب طائفية بحتة.

إن كان تنظيم “داعش” قتل في الرقة ودير الزور فإن مليشيات “حزب الله” أيضاً ذبحت في القصير والقلمون ومناطق أخرى كثيرة. إن كان “داعش” أعدم أسرى فإن “حزب الله” بدوره فعل ذلك، والفرق بينهما أن الأول يتباهى بما يفعل علانية، والآخر يمارس تقيته حتى في الجريمة. وإن كان “داعش” أعلن عن دولة له تمتدّ من الموصل إلى الرقة، فإن “حزب الله” بدوره لديه دولة غير معلنة فقط تمتدّ من بيروت إلى حمص.

وإن كان “داعش” أدرج أممياً كتنظيم إرهابي، فإن “حزب الله” هناك من لم يدرجه كاملاً في قائمة الإرهاب مثل أمريكا، فقد أدرج جزء منه كالاتحاد الأوروبي وهو جناحه العسكري الذي يصول ويجول الآن في سوريا ويرتكب أفظع الجرائم بحق الإنسان والإنسانية. لا يقتصر ما ذكرنا على “حزب الله”، بل ينطبق على مليشيات إيرانية أخرى في العراق وسوريا ولبنان واليمن؛ مثل الحوثيين والحرس الثوري و”أبو الفضل العباس” وفيلق بدر وجيش المهدي وعصائب أهل الحق وغيرهم، وللأسف لم يتحرّك تجاهها المجتمع الدولي كما نراه يفعل مع تنظيم الدولة.

إن كانت منظمة “داعش” تمرّدت على دول العالم، وتريد تدمير كيانات الدولة في سوريا والعراق كما يقولون، فإن الحوثيين مثلاً تمرّدوا على الدولة اليمينة، ويختطفون المدنيين، ويقتلون الجيش الحكومي، ويريدون السيطرة على مقدرات البلاد، وهم مجرد مليشيات مسلحة تتحرك بمنظور طائفي وبدعم إيراني، ولحدّ الآن لم تلجأ الأمم المتحدة أو غيرها، باستثناء السعودية، إلى إدراج الحوثية كمنظمة إرهابية، ولا وضع قادتها في قوائم الإرهاب، رغم كل جرائمهم، بل إن أمريكا ترفض إدراج الحوثية في قائمة الإرهاب وطيرانها يقصف مواقع “القاعدة” في اليمن ويتجنّب الحوثيين، كأنهم ينشرون العدالة في كل ربوع العالم.

المليشيات المسلّحة الشيعية لا تتعرّض لأي حساب، حتى إن أجرمت بحق الإنسانية، في حين كل تنظيم مسلّح يخرج من أهل السنّة يجد نفسه في مواجهة الإرهاب، ولو كان يواجه الطغاة فقط ولم يهدّد السلم العالمي أصلاً، وهذا هو المنظار الذي ترى به أمريكا كل الكتائب الإسلامية في سوريا، رغم أن الكثير منها تشكّل للدفاع عن الشعب السوري أمام آلة إبادة جهنمية.

“أهل السنّة” خارج تغطية القوانين الدولية

يبدو أن ذنب الإنسان المسلم الوحيد أنه من أهل السنّة، وإن كان هذا الأمر لم تجرّمه القوانين، إلا أن أفعال القوى الكبرى خصوصاً جرّمته بأفعالها وبما يتنافى مع القوانين الدولية، حتى صار كل من يصير سنّياً كأنه سقطت عنه إنسانيته بصفة آلية، وهذا للأسف الشديد من الكوارث اللاإنسانية المعاصرة التي صارت صريحة وواضحة للعيان، فضحتها سوريا والعراق ولبنان وفلسطين وغيرهم.

المجتمع الدولي عندما يكون السنّة هم الأغلبية في بلد يركّز عبر وسائله الإعلامية والدبلوماسية على الأقليات، وتهديد وجودها، وحقّها في المواطنة والمشاركة في الحكم، وحين يكون السنّة أقلية في مكان ما تجد التركيز على الديمقراطية وأن الحكم للأغلبية. وهذا ما نراه مفضوحاً مثلاً في سوريا؛ إذ يشكّل السنّة الأغلبية الساحقة من المواطنين، ولا نسمع إلا الحديث عن الدروز والعلويين والمسيحيين وغيرهم، في حين أن العراق رغم التشكيك في الأرقام إلا أنه لا حديث عن سنّة يتعرضون للإبادة، ويجري الحديث فقط عن ديمقراطية جورج بوش التي أوصلت الشيعة للحكم، وحصدت أكثر من مليون عراقي دفعوا حياتهم ثمن هذا الوهم الأمريكي الذي وصل الأمر بالبيت الأبيض إلى حدّ تحصين جنوده من المتابعة القضائية، رغم أن جرائمهم تجعل مكانهم الطبيعي في السجون أكثر من غوانتانامو. والأمر نفسه بالنسبة للسنّة في إيران؛ حيث يشكلون أقلية مقارنة بعدد الشيعة، وكذلك بالنسبة للمسلمين في بورما وأفريقيا الوسطى، ولا تحركات رسمية دولية لإنقاذ الأقليات هناك كما يفعلون مع غيرهم مثل الإيزيديين والنصارى والدروز.

لقد ثبت النفاق على المجتمع الدولي في تطبيق القوانين والمواثيق، التي صارت تخضع لمصالح القوى الكبرى فقط، وهذا الذي سيبقى يصنع في العالم الإسلامي التطرف المضاد والغلو الذي بدوره صار يتّخذ ذريعة في قمع المظلومين من دون أي موقف يذكر تجاه ظالمين اقترفوا كل الجرائم التي خطرت على أذهان المشرّعين الدوليين وما لم يخطر أيضاً، ويحتاج لتشريعات قانونية جديدة.

حقوق الإنسان لا تقبل الكيل بمكيالين أبداً، ومن يميز بين الضحايا لأسباب عرقية أو دينية أو إثنية، فهو يجرم بحق القوانين، ويحتاج للحساب أمام المحاكم الدولية، سواء كانت أمريكا أو غيرها. كما أن تهمة “الإرهاب” التي توزّع حسب المصالح وبازدواجية ولا يوجد أي تعريف أو تكييف قانوني لها لحدّ الآن، لا يجب أن تكون مبرّراً، وبها تنتهك الحقوق والحريات العامة.

للأسف الشديد، غدت العدالة الدولية ليست من حق المسلمين، وأهل السنّة تحديداً، حسب ما نراه من سلوك القوى العظمى التي تتغنّى بشعارات ديمقراطية وحقوقية، والنفاق الدولي معالمه واضحة، وصار لا يهمّ إن كان الضحية مسلماً، وإن ثار هذه المسلم للدفاع عن نفسه فستلاحقه تهمة الإرهاب. أما إن كان الضحايا من غير المسلمين فإن العالم يكشّر عن أنيابه وتصير القوانين الدولية تلك الخطوط الحمراء التي لا يقبل تجاوزها أبداً، وحتماً سيزداد وحشية إن كان هذا الجلاّد مسلماً.

الخليج أونلاين – سبتمبر 2014

المصدر

أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين” – النفاق الدولي: ازدواجية حقوق الإنسان مع المسلمين

سبتمبر 14, 2014

أنور مالك يكتب لـ

ثبت بأدلة دامغة أن المجتمع الدولي يكيل بمكيالين في التعامل مع قضايا المسلمين وبالضبط أهل السنّة، ويهضم كل حقوقهم التي شرّعتها القوانين الدولية ومواثيق حقوق الإنسان، وهذا الأمر يجري حالياً بطرق مفضوحة خصوصاً في سوريا والعراق وفلسطين.

جرّم القانون الدولي قتل المدنيين أثناء الحروب وغيرها، كما جرّم التهجير والتعذيب والتنكيل بالإنسان والحطّ من كرامته الآدمية، ولا يستثني هذا عن ذاك سواء بسبب دينه أو عرقه أو لونه أو جنسيته أو جنسه. ولكن يجري عكس ذلك تماماً في سوريا، حيث قتل أكثر من 190 ألف مواطن أغلبيتهم من المدنيين، هذا أقل تقدير، والذي صدر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وتوجد أرقام أخرى تتحدّث عن أعداد فاقت الربع مليون سوري قتلوا خلال هذه الحرب النجسة. وجرى تهجير المدنيين في داخل سوريا وخارجها وبلغ عددهم حوالي نصف الشعب السوري حسب ما أوردته الأمم المتحدة نهاية أغسطس/ آب الماضي. رغم كل ذلك، المجتمع الدولي بقي يتفرج متظاهراً بالعجز أحياناً كأنه يتلذّذ بهذه المأساة الإنسانية التي أجمع العالم على أنها مأساة القرن.

لقد حدثت جرائم ضد الإنسانية في سوريا وتمّ توثيق ذلك من قبل المراقبين الدوليين الذين أرسلتهم الجامعة العربية ثم الأمم المتحدة من خلال أفعال القتل العمديّ والإبادة والاغتصاب، والإبعاد أو النقل القسري للسكان والتفرقة العنصرية، وهي جرائم يعاقب عليها القانون سواء حدثت في وقت السلم أو الحرب.

كما حدثت جرائم حرب بشتّى أنواعها منها تعذيب الأسرى وإساءة معاملتهم وإعدامهم، وجرائم مختلفة موجهة ضد المدنيين السوريين في كثير من المدن كاغتصاب النساء والتعدّي على الممتلكات الشخصية، والتشغيل والتهجير والتعذيب والقتل الجماعي. كل هذه الجرائم المصنفة في القانون الدولي كجرائم حرب حدثت في سوريا وثبت بالتوثيق المستقل اقترافها من قبل نظام بشار الأسد.

لم يقتصر الأمر على جرائم ضد الإنسانية والحرب، بل ثبت على نظام الأسد ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية من خلال القتل الجماعي المنظّم ضد جماعة محدّدة تتمثل في أهل السنّة بصفتهم الأغلبية الساحقة من السكان. والاتفاقية التي وافقت عليها الأمم المتحدة عام 1948 ووضعت موضع التنفيذ عام 1951 وصادقت عليها أكثر من 130 دولة بينها سوريا، صنّفت كإبادة جماعية بموجب المادة الثانية عدة أفعال ترتكب على قصد التدمير الكلّي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، وتتمثل في قتل أعضاء من الجماعة، إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضائها، أو إخضاعها عمداً لظروف معيشية يراد تدميرها المادي كلياً أو جزئياً، وفرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل هذه الجماعة ونقل أطفال منها عنوة إلى جماعة أخرى. لقد حدث هذا في سوريا وتكرّر كثيراً، وتجلّى أكثر من خلال مجزرة الكيمياوي في الغوطة الذي استهدف جماعة سنّية بقصد إبادتها، وأدّت إلى مقتل الكثيرين من بينهم الأطفال. كما ثبت ذلك في الحصار الذي يضربه جيش الأسد على قرى وأحياء وصل الحال ببعضها إلى أكل الحشيش والقطط وشرب مياه المجاري، ومات الكثيرون من الأطفال والنساء والرجال بسبب الجوع وانعدام التغذية والأدوية.

رغم أن القانون صنّف ما حدث في سوريا كجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وجرائم إبادة جماعية، إلا أن المجتمع الدولي لم يتحرّك بل ساعدت بعض الدول عبر الأمم المتحدة نظام الأسد الذي يقترف هذه الجرائم وقدمت له الحماية الدولية ومنعت ملاحقته بموجب مواثيق الأمم المتحدة. والأكثر من ذلك أنه يجري استغلال الظروف من طرف أباطرة ومافيا صناعة السلاح من أجل المنفعة الاقتصادية عبر التجارة بأسلحة فتاكة تقدم للنظام كي يواصل حروب الإبادة ضد الشعب السوري، ويجري ذلك تحت رعاية القوى العظمى في العالم.

لقد دمّرت المساجد والكنائس والمدارس والمستشفيات وروضات الأطفال ودور العجزة وملاجئ الأيتام ومخيمات اللجوء والمدن والقرى على رؤوس المدنيين، ولم يتحرّك المجتمع الدولي وظل يكتفي بالتنديد عبر تصريحات تأتي في إطار الاستهلاك الإعلامي، أو لتفادي حرج بعض حكام الشرق والغرب أمام شعوبهم المصدومة من هذه المحرقة التي لم يسبق لها مثيل.

هذه الانتقائية التي تتنافى مع قيم القانون الدولي، لم تقتصر على سوريا بل نجد ذلك في العراق أيضاً، فمنذ غزو أمريكا له عام 2003 والمواطنون العراقيون وبالتحديد أهل السنّة يتعرّضون لشتى أنواع الجرائم، بينها التي مارسها الأمريكان مباشرة من خلال مجازر جماعية واستعمال الفوسفور الأبيض والأسلحة المحرّمة دولياً، أو من خلال التعذيب في السجون وخير شاهد ما رآه العالم من صور فاضحة لسجن أبو غريب. كما واصلت الحكومة الطائفية المدعومة من أمريكا جرائمها ضد السنّة العراقيين، حيث مارست عليهم شتّى الجرائم ضد الإنسانية من اغتيالات وتفجيرات ضد المدنيين والقتل على الهوية من قبل مليشيات طائفية، والتهجير والاختطاف واغتصاب النساء في المعتقلات. رغم كل ذلك لم يهتم المجتمع الدولي بدوره ولا تحمّلت أمريكا مسؤوليتها الأخلاقية بصفتها المتسبّب في كل ما يحدث، وذلك لإنقاذ هؤلاء من الانتهاكات الجسيمة التي تمارس من طرف الحكومات الطائفية المتعاقبة على قيادة العراق.

صمت المجتمع الدولي على مدار 11 عاماً والمسلمون السنّة يتعرّضون للإبادة الطائفية الكاملة الأركان، ولكنه بمجرد أن تناولت وسائل الإعلام بطريقة مشبوهة ما يحدث مع الإيزيديين والمسيحيين في العراق، تحرّك هذا العالم بازدواجية مقيتة تسيء كثيراً للقانون والشرعية الدولية والمواثيق الأممية التي صادقت عليها أغلب دول العالم. نقول ذلك ونحن دافعنا عن حقوق من ذكرنا وطالبنا بحمايتهم وتمكينهم من كل حقوقهم في المواطنة والعيش والكرامة الآدمية.

العالم الذي انتفض لأجل الإيزيديين والنصارى في العراق، هو نفسه الذي غضّ الطرف عن جرائم أخطر منها مورست على السنّة في العراق وسوريا. وهو العالم نفسه أيضاً الذي يلتزم الصمت تجاه المجازر الصهيونية القذرة في غزة، بل ذهب إلى حدّ دعم حكومة الكيان العبري وهي تبيد المدنيين في مجازر لا يوجد قانوني واحد على وجه الأرض لن يصنّفها كجرائم حرب إن لم تبلغ درجة الإبادة الجماعية. كما أنه العالم نفسه الذي يصمت عن جرائم يتعرّض لها المسلمون في بورما من طرف البوذيين ولأسباب دينية القصد منها إبادة المسلمين فقط. كما أن العالم الذي غضب من سيطرة تنظيم القاعدة على شمالي مالي هو نفسه الذي يسكت عن جرائم إبادة تقترف بحق المسلمين في إفريقيا الوسطى ضمن حملة عرقية ممنهجة.

للأسف الشديد، توجد ازدواجية ونفاق دولي ينتهج في العراق وسوريا وفلسطين وبورما وأفريقيا الوسطى وغيرهم من بلدان العالم، التي يتعرض فيها المسلمون لكل ما جرّمه القانون الدولي وصنّفه ضمن جرائم حرب أو ضد الإنسانية أو إبادة جماعية.

لقد سكت العالم عن جرائم طائفية ترتكبها إيران في سوريا والعراق ويدعّمونها في ذلك، بل تغاضى عن جرائمها في حق أهل السنّة الإيرانيين وأيضاً الشعب الأحوازي المحتل والبلوش وغيرهم، حيث تمارس شتّى الجرائم من تعذيب وقتل وحصار للمدنيين وانتهاكات للأرض والعرض وإعدامات على الهوية، ولكن بمجرد أن ظهر تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” المعروف اختصاراً بـ “داعش”، ومارس وحشية هي أصلاً جاءت كنتيجة حتمية لوحشية أخرى ظلت تقترف بحق أهل السنّة لسنوات طويلة، تحرّك العالم كلّه من أجل القضاء على هذا التنظيم الذي ينتهك حقوق الإنسان ويقترف جرائم الحرب، رغم أن هذا التنظيم صنّف كمنظمة إرهابية، وجرائمه لم تصل بعد إلى جرائم دولة ترتكبها إيران ونظام بشار وملالي العراق… وللحديث بقية.

الخليج أونلاين – سبتمبر 2014

المصدر

أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: الأسد يصنع الإرهاب ويريد مكافحته (1)

سبتمبر 6, 2014

أنور مالك يكتب لـ

منذ بداية الثورة السورية ونظام بشار الأسد يتحدّث عن إرهاب عابر للحدود ويهدّد أمن العالم. ولقد حذّر – بصيغة التهديد – مراراً وتكراراً أن ما يجري في بلاده سيفجّر المنطقة كلّها. بل إنه في أوّل خطاب ألقاه في البرلمان بتاريخ 30 مارس/آذار 2011 وصف الاحتجاجات التي اندلعت بأنها مجرّد مؤامرة من “أعداء” سوريا، وأشار ضمنياً إلى الثورات العربية التي سمّاها “التحولات الكبرى” وستكون تداعياتها على كل المنطقة بلا استثناء “الدول العربية وربما أبعد من ذلك” على حدّ تعبيره.

بين معمر القذافي وبشار الأسد

منطق بشار الأسد لا يختلف عن منطق معمر القذافي في عقلية المؤامرة، والفرق بينهما أن القذافي وجد في حلف الناتو ما يبرّر به اتهاماته بوجود مؤامرة استعمارية على بلاده. في حين أن الأسد لا يملك معطيات لتبرير المؤامرة على مقاومته وممانعته المزعومة سوى العمل على صناعتها بنفسه ولو أدّى ذلك لحرق الجميع.

لقد كان الديكتاتور الليبي يهدّد الليبيين وكل العالم بأن سقوط نظامه معناه انتصار تنظيم “القاعدة” وبناء أول دولة لبن لادن والزرقاوي في ليبيا. في حين أن طاغية سوريا لم يذكر هذه المسمّيات بصفة صريحة كما فعل القذافي، في حين تعامل معها واقعاً وبمنطق طائفي لتصفية الثورة الشعبية السلمية، حيث عامل المحتجّين منذ البداية على أنهم إرهابيون وشرع في دفعهم عبر منطق الإرهاب القذر الذي يصنع الإرهاب الأقذر.

القذافي لم يتمكّن من ممارسة الإرهاب على الثورة كما كان يريد فقد تصدّى له المجتمع الدولي بسرعة لأسباب استراتيجية متعدّدة وذلك بالحظر الجوي، وتدخّل الحلف الأطلسي حال دون نسف بنغازي من الوجود. في حين أن بشار الأسد لم يردعه أيّ رادع، فقد كان يصول ويجول بجيشه وأجهزة مخابراته وعصاباته ويمارس كل ما لا يمكن تخيّله من بطش ضد المتظاهرين والمطالبين في بداية الأمر بإصلاحات سياسية ومحاسبة المعتدين على أهل درعا، وتطوّر الأمر بسبب وحشية النظام إلى المطالبة بإسقاطه ورحيل بشار الأسد وحينها ازدادت وحشية الأجهزة الأمنية ضد المتظاهرين في درعا وحمص وإدلب وريف دمشق وصار شعارهم: “الأسد أو نحرق البلد”.

ما تعانيه ليبيا الآن من ممارسات وصلت تداعياتها إلى منطقة الساحل والصحراء يعود أساساً إلى علاقة مخابرات القذافي السابقة مع بعض التنظيمات بأساليب مختلفة. وحتى قبل سقوطه جعل من مخازن السلاح التي يملكها مصدراً لصناعة مليشيات أراد أن يعاقب بها المجتمع الدولي، وقد راهن القذافي على التحذير من مخاطر “الجماعة الليبية المقاتلة” المحسوبة على “القاعدة” والتي صار زعيمها عبد الحكيم بلحاج من قادة الثورة.

أما بشار الأسد فعكس ذلك تماماً فقد تمكّن من “لَبْيَنَة” سوريا قبل سقوط نظامه. كما أن نظام الأسد أيضاً كانت له علاقات مع تنظيمات متشدّدة، وقد اتّهم رسمياً من قبل رئيس وزراء العراق، نوري المالكي، بصناعة الإرهاب في العراق وأن تنظيمات بعثية وجهادية تتمركز على التراب السوري، وبعدها تحالف المالكي مع الأسد ضد الشعب السوري بمهماز إيراني وتمّ حتماً استثمار ذلك الماضي الاستخباراتي المتبادل مع هذه الجماعات ضد الثورة السورية.

إرهاب الأسد موثق في تقارير البعثات الدولية

كان أول تدخّل أجنبي في سوريا جاء عبر الجامعة العربية، من خلال بعثة “مراقبي جامعة الدول العربية” ورصد التزامات نظام بشار الأسد بالبروتوكول الذي أقرّته الجامعة في 12/ 11/ 2011 وكانت مهمة المراقبين تتمثل في:

– التأكّد والرصد لمدى التنفيذ الكامل لوقف جميع أعمال العنف ومن أيّ مصدر كان في المدن والأحياء السكنية السورية.

– التأكّد من عدم تعرّض أجهزة الأمن السورية فضلاً عما يسمّى “عصابات الشبّيحة” للمظاهرات السلمية.

– التأكّد من الإفراج عن المعتقلين بسبب الأحداث الراهنة.

– التأكّد من سحب وإخلاء جميع المظاهر المسلّحة من المدن والأحياء السكنية التي شهدت أو تشهد المظاهرات وحركات الاحتجاجات.

– التحقّق من منح الحكومة السورية رخص الاعتماد لوسائل الإعلام العربية والدولية، والتحقّق من فتح المجال أمامها للتنقل بحرية في جميع أنحاء سوريا، وعدم التعرّض لها.

بعد شدّ ومدّ بين الأمانة العامة لجامعة الدول العربية والحكومة السورية تمّ توقيع البروتوكول في 19 ديسمبر/كانون الأول 2011، ودخلت بعثة المراقبين في 25 ديسمبر/كانون الأول 2011.

قبول وجود مراقبين دوليين من الحقوقيين والخبراء العسكريين والدبلوماسيين بالنسبة لنظام بشار الأسد، كان الهدف منه ليس ما ورد في البروتوكول أو في القرار الدولي أو ما يصرّح به رسمياً، بل لاتخاذهم كشهود عيان أجانب على وجود مسلّحين و”إرهابيين” في المشهد السوري فقط، وهذا ما يبرّر العنف الذي يمارسه النظام ضدهم. أذكر أن أول سؤال طرحته وسائل الإعلام السورية علينا بعد نهاية أول زيارة للبعثة لحيّ باباعمرو في حمص بتاريخ 27/ 12/ 2011، حول وجود مسلّحين يسيطرون عليه. وقد تحدّث لبعثة الجامعة العربية محافظ حمص اللواء غسان عبد العال ووزير الداخلية محمد الشعار والعماد آصف شوكت واللواء هشام بختيار وغيرهم من الجنرالات والمسؤولين عن وجود مقاتلين أجانب ينتمون لتنظيم “القاعدة” تسلّلوا من العراق ودول أخرى بدعم تركي وسعودي وقطري.

لقد تعامل بشار الأسد مع الثورة منذ بدايتها على أنها مؤامرة أجنبية تستعمل الإرهاب والجماعات الإرهابية، بل وصل الحال إلى نفي وجود مظاهرات أصلاً، وأن الصور التي تنقلها الفضائيات ليست من داخل سوريا بل مسجّلة في استديوهات خاصة في الدوحة وغيرها!

لقد مارس الجيش السوري وشبّيحة النظام كل الإرهاب ضد المدنيين، حيث كانوا يهجمون على البيوت ويختطفون النساء ويغتصبون ويقتلون حتى الأطفال الرضّع، بل يجبرون الأب على اغتصاب ابنته والأخ لأخته والابن لأمه ومن يرفض يذبح من الوريد إلى الوريد.

أما في السجون فيحدث فيها ما يندى له الجبين، وشخصياً كنت شاهداً على حالات موثّقة، حيث تسلّمنا جثث مختطفين من مصالح الأمن في حمص، وعليها آثار التعذيب من كسر للضلوع وتهشيم للجمجمة وسلخ للجلد وبقر للبطن وتحطيم للفكّ وكيّ وحرق أماكن حساسة بوسائل مختلفة والصعق الكهربائي وقطع بعض أجزاء الجسم، وأذكر بهذا الخصوص جثة عبد الكريم الدرويش وفواز محيميد. كما وثّقت هيئات دولية من خلال صور مسرّبة عبر ضابط مسؤول عن تصوير جثث ضحايا التعذيب ونشر عدد منها في 20/ 01/ 2014 وكانت الصور صادمة للمجتمع الدولي.

كما زرنا المشفى العسكري في مدينة حمص التي كانت حينها عاصمة الثورة السورية ووجدنا جثثاً مقطّعة الأوصال كأنها مرّت على مسلخ، وقد كانت محدّدة بأسماء أصحابها، وحينها وجدت أكثر من عشرة أسماء مطلوبة في ملف عندنا من قبل أهاليهم، حيث اختطفتهم أجهزة أمنية وهم على قيد الحياة وفي كامل صحّتهم.

لقد مارس بشار الأسد كل أنواع الإرهاب عبر الجيش أو المخابرات أو عصابات الشبّيحة تتكوّن من مجرمين أخرجهم من السجون وصاروا يعملون لصالح النظام مقابل أموال يتلقّونها. كما كان يجنّد فتيات يستدرجن سوريات من الأسواق والمحلات لخطفهن واغتصابهن، وبينهن من لم يظهر عليهن أي خبر، والغريب أن هذا المخطّط يجري بطريقة طائفية حيث أن اللواتي يشتغلن مع النظام هن من الطائفة العلوية ويستهدفن فتيات من أهل السنّة فقط. وقد وثّقت بعثة الجامعة العربية في حمص حالة فتاة تدعى ألفت آصف فنتور كانت تشتغل في الاختطاف لصالح أحد المسؤولين في الأمن وقصّتها موجودة كاملة في كتابي “ثورة أمة” الصفحة 377.

كان بشار الأسد يستهدف المتظاهرين بالقناصة، ولم يسلم حتى الأطفال، وقد كنّا شهوداً كمراقبين برفقة الفريق أول الركن محمد مصطفى الدابي، رئيس بعثة مراقبي جامعة الدول العربية، على عملية قنص طفل يدعى أحمد محمد الراعي في حيّ بابا عمرو صباح يوم الأربعاء 28/ 12/ 2011، والقنّاص كان متمركزاً في بناية بها حاجز عسكري. وتطوّر الأمر إلى قذائف الهاون وسلاح الدبابات وقد حدث قصف الحيّ نفسه أثناء أول زيارة لبعثة المراقبين، وكان ذلك يوم الثلاثاء 27/ 12/ 2011. وتواصل على مدار وجود بعثة المراقبين في حمص وخاصة في الليل، وقد كنت شاهداً على ذلك مع مجموعة من المراقبين تتكون من عشرين مراقباً.

لم يقتصر الأمر على الاعتقالات والقصف، بل تطوّر إلى البراميل المتفجّرة ثم الطيران الحربي وصواريخ سكود ومجازر دموية بحقّ الأطفال تمّ قتلهم ذبحاً، مثلما حدث في مجزرة الحولة التي وقعت في 25 مايو/أيار 2012، ووثقتها بعثة مراقبي الأمم المتحدة.

وصل الحال بنظام بشار الأسد إلى استعمال السلاح الكيماوي والمواد السامّة ضد المدنيين عدة مرات، نذكر منها مجزرة الغوطة التي وقعت في 21 أغسطس/ آب 2013 أدى إلى إبادة أكثر من 1400 ضحية، بينهم أطفال ونساء، وحول المجزرة أصدرت لجنة التفتيش التابعة للأمم المتحدة تقريرها في 16 سبتمبر/ أيلول 2013 أكدت فيه استعمال غاز السارين.

كما تمّت سرقة أعضاء المعتقلين، ويجري تعذيب الجرحى بطرق بشعة تؤدي في غالبها إلى الموت، وقد وثقت بعثة مراقبي الجامعة العربية بعض الحالات من بينها حالة السجين رامز بكور من حمص الذي بترت رجله وسرق منه شريان مطلوب طبّياً وكان شاهداً على حالات عديدة من إعدام الجرحى في المشافي العسكرية.

يتبع..

الخليج أونلاين – سبتمبر 2014

المصدر

أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: “داعش” والاختراق الاستخباراتي!

سبتمبر 1, 2014

أنور مالك يكتب لـ

في هذه الفترة الحسّاسة للغاية التي تمرّ بها المنطقة العربية كثر الحديث عن تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، المُسمّى اختصاراً “داعش”، الذي تحوّل فجأة من تنظيم إلى دولة ثم خلافة تناطحت المواقف السياسية والإيديولوجية حولها، بل جعلت وسائل الإعلام الدولية الثقيلة من شأن التنظيم مادة دسمة ومثيرة للرأي العام في الشرق والغرب.

بلا شكّ أنه لا شيء مصيري يحدث في العالم العربي يبتعد عن عيون المخابرات الغربية المتغلغلة في كل الزوايا الرسمية وغير الرسمية، فإن لم تكن قد صنعت هذا الشيء فهي ساهمت بطرق مختلفة في التسهيل لوجوده وصناعة شهرته لاستغلاله فيما يخدم مصالحها طبعاً.

هل “داعش” مخترقة استخباراتياً؟

المناهضون لتنظيم “داعش” يتّهمونه كثيراً بأنه صناعة إيرانية أو صهيونية أو أمريكية، وهو يردّ على خصومه بالتوسّع والسيطرة على كثير من المناطق في العراق وسوريا مستغلاً كل الظروف لصالحه. أما أنصاره عبر شبكات التواصل الاجتماعي فيتّهمون خصومهم بالردّة والعمالة للصليبيين والصهاينة والمرتدّين! وتوسّع الاختلاف الإيديولوجي والسياسي القائم إلى التخندق ضد هذا أو مع ذاك بمنتهى الكراهية وإلغاء الآخر من دون أدنى قابلية للتعايش، وطبعاً كل طرف يصنع مبرّرات تخندقه سواء كانت حقيقية أو مجرّد ظنون أو حتى من وحي الخيال؛ لأجل توجيه الرأي العام وفق أجندته.

لقد تحوّلت “داعش” إلى كرة ثلج تتقاذفها التّهم والتّهم المضادة، وهي تكبر وتتوسّع وتصنع كيانها في الشرق الأوسط. ودارت أسئلة كثيرة حول ظهور “الدولة الإسلامية في العراق والشام” والجهات التي تقف خلفها وتدعّمها حتى بلغت هذه الدرجة من القوة والنفوذ، ولكن الذي نحن بصدد مناقشته في هذه الزاوية العابرة يتعلّق باختراق “داعش” من طرف أجهزة المخابرات كما يروّج كثيرون جداً.

لا يوجد جهاز استخباراتي عربي أو غربي لا يخطّط ولا يعمل على اختراق التنظيمات الجهادية في العالم الإسلامي، فأهم ما تعمل عليه هذه الأجهزة الآن هو اختراق “القاعدة” و”داعش” وغيرهما سواء عبر تجنيد عملاء بينهم أو بوسائل تقنية وتقليدية مختلفة. كما لا يوجد جهاز مخابرات يمكنه أن يقدّم بمحض إرادته أدلّة مادية عن عملياته السرّية، إلا في حالات التسريب أو الانشقاق أو تصريحات المتقاعدين التي تأتي متأخّرة بسنوات وفي الوقت غير المناسب. والتسريب الاستخباراتي معقّد جداً وله حسابات عميقة في الغرب، ولكنه يحدث في الشرق خصوصاً أثناء النزاعات والصراعات كما يجري في سوريا حالياً.

تُتّهم إيران والغرب بصناعة “داعش”، ويوجد من يوجه أصابع الاتهام إلى قطر وكذلك السعودية رغم مواقفها السياسية والدينية المعروفة من “القاعدة”. بل الخلاف المرجعي الديني لعب دوره أيضاً، فهذا يتّهم الفكر السلفي بصناعة “داعش”، وذاك يزعم أن جماعة الإخوان تقف خلف فكر تكفيري أدّى لظهور التنظيم، ولا يوجد لهذه اللحظة ما يثبت أن إيران أو أمريكا أو غيرهما من الأجهزة الاستخباراتية الغربية والعربية هي من صنعت هذا التنظيم المثير للجدل، والذي تحوّل من مجرّد جماعة مسلّحة في العراق إلى “دولة” ثم “خلافة” تسيطر على ما يعادل ثلاثة أضعاف لبنان.

بحثت كثيراً في نشأة هذا التنظيم المثير للجدل وماضي من أعرف من قادته ولم أعثر على ما يكشف عن بعض ملامح الجهة التي صنعته وتقف خلفه، وإن كانت المرجعية الفكرية الجهادية ثابتة وموجودة من قبل أن يظهر التنظيم على مسرح الأحداث. لذلك لا يمكن أن نثبت تهمة من دون أدلّة قوية، وكل ما قيل عن تأسيسه وصناعته من قبل إيران أو روسيا أو نظام بشار الأسد في سوريا أو إسرائيل أو أمريكا وغيرهم هي مجرّد تخمينات وتكهّنات أو اتهامات لا توجد عليها أدلّة يقينية ثابتة يعتدّ بها في البحث الأكاديمي الموضوعي والحيادي، وغالباً ما ترتبط هذه الاتهامات بالنتائج المترتّبة على وجود التنظيم.

حسن نصر الله و”داعش” في وثيقة استخباراتية مسرّبة

الحالة الوحيدة التي عثرت عليها في رحلة بحثي المضنية والمستمرّة هي وثيقة استخباراتية مسرّبة من حاسوب للفرع الخارجي (279) التابع للمخابرات العامة السورية. هذه الوثيقة الخطيرة حصلت عليها من مصادر موثوقة وحرّرت في 2012 قبل ظهور “داعش” على المسرح السوري أصلاً، وكان حينها مجرّد تنظيم يسمى “الدولة الإسلامية في العراق” خرج من رحم تنظيم “القاعدة” الذي أسسه الزرقاوي إبان الوجود العسكري الأمريكي في بلاد الرافدين.

الوثيقة هي عبارة عن تقرير فيه معلومات نقلها ضابط ارتباط في “حزب الله” اللبناني عام 2012، وتحدّث فيها عن لقاء هام عقد بين جهاز مخابرات الحزب ومسؤولين أمنيين من السفارة الإيرانية وضباط من المخابرات العراقية. وتكشف الوثيقة أنه “تمّت مناقشة الوضع في القطر (سوريا)، ومن أهم البنود أن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله اقترح ضرورة وجود جماعات تكفيرية في الساحة السورية حتى يسهّل حشد الرأي العام الإسلامي والعربي والغربي لصالح الحكومة في سورية”.

وأشارت الوثيقة إلى أن المجتمعين ناقشوا “كل السبل لتوصيل التكفيريين لداخل القطر (سوريا)، وتمّ الاتفاق على تسهيل مرورهم عبر العراق من خلال تنظيم الدولة الإسلامية في العراق الذين يتواجد أكثر من 2000 عنصر منهم في السجون العراقية”. وحسب المصدر الذي تحدث لمحطة المخابرات السورية في لبنان: “أن الجانب العراقي تعهّد بتسهيل خروجهم من السجون بأيّ وسيلة كانت، وأيضاً رفع الحراسة المشدّدة على الحدود. وأكّد ضباط المخابرات العراقية أنهم لديهم عناصرهم داخل التنظيم. أما الجانب الإيراني فتقدّم بحلول عملية أخرى في هذا الجانب”، وهذه الحلول كانت مرفقة في قرص مضغوط لم يتسرّب إلينا محتواه.

هذه الوثيقة أكّدت على بعض النقاط الخطيرة:

أولاً: وجود “داعش” في سوريا كانت فكرة مقترحة من حسن نصر الله، وحدث بتسهيل من حكومة نوري المالكي ومخابرات إيران.

ثانياً: المخابرات العراقية كانت تخترق قيادات تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق” قبل وصولها إلى سوريا.

ثالثاً: رفع الحراسة من الحدود والفرار من السجون العراقية من أبرز ما قدّمته حكومة المالكي لتنظيم “داعش”.

رابعاً: أن وجود “داعش” في المشهد السوري يسهّل حشد الرأي العام الإسلامي والعربي والغربي لصالح نظام بشار الأسد، وطبعاً يساعد “حزب الله” في المرافعة على خيار التدخّل في سوريا لمحاربة من يسمّيهم “التكفيريين”.

بلا شكّ أن هذه المعلومات التي جاءت بها الوثيقة يمكن الاستدلال بها لحدّ بعيد على مسألة وجود الاختراق الإيراني لتنظيم “الدولة الإسلامية” قبل دخوله سوريا، ولكن استمرار الاختراق بعد ذلك أو نهايته لا نملك ما يثبته أو ينفيه سوى بعض الأحداث التي يمكن أن نذكرها على سبيل الاستدلال، من بينها مثلاً ما ورد من معلومات عن إعدام التنظيم لأحد عناصره بتهمة العمالة لأحد أجهزة المخابرات، وذكرت وسائل إعلام أن الشخص يدعى “أبو عبيدة المغربي” والجهة التي كان يتعاون معها هي مخابرات بريطانيا، ولم نتمكن من التأكد من صحة هذه التفاصيل الإعلامية من مصادر مستقلة.

أمر آخر أن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وجّه أصابع الاتهام إلى نظام بشار الأسد بالوقوف خلف تفجيرات 2009/08/19 الدموية التي هزّت بغداد، واتّهم المالكي حينها حزب البعث و”القاعدة”، وقال إن تسعين بالمئة من “الإرهابيين” يتسلّلون من سوريا وإن “التكفيريين” يتّخذون من الأراضي السورية مقرّاً ومنطلقاً للعمليات الإرهابية. وردّ بشار الأسد حينها في ندوة صحفية جمعته بالرئيس القبرصي ديمترس خريستوفياس أن التّهمة بدعم الإرهاب غير أخلاقية وأن بلاده تكافحه ولا تدعّمه. وأوحى ما حدث حينها من أزمة بين دمشق وبغداد أن المالكي يتّهم مخابرات نظام بشار الأسد أن لها علاقة استخباراتية مع البعثيين و”القاعدة”.

مخططات اغتيال الثورة السورية باسم “الإرهاب”

اختراق التنظيمات الجهادية كان قائماً قبل ظهور “داعش” وقد ظهر جلياً في الجزائر خلال مرحلة التسعينات الدموية، وقد ثبت بأدلة اختراق عدة أجهزة استخباراتية من بينها المخابرات الجزائرية والفرنسية والإيرانية لتنظيم الجماعة الإسلامية المسلحة “الجيا”، وقد بدأ اختراق إيران عام 1995 عبر وصول الشيعي محفوظ طاجين لإمارة التنظيم، وأدى إلى تحوّل “الجيا” نحو المجازر الجماعية وتكفير عموم الشعب، وهذا ما سنتعرّض له في مقالاتنا اللاحقة.

المشكلة القائمة بخصوص “داعش” تتعلّق بعملية الاستخدام من قبل جهات وجدت مصلحتها في تحويل ما يجري في سوريا من ثورة ضد نظام مستبدّ إلى الحرب على “الإرهاب” التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية. صار الكلّ يعرف أن نظام بشار الأسد عمل الكثير من أجل أن يثبت للعالم أنه يواجه “الإرهاب” وجماعات متطرّفة تابعة للقاعدة، وحتى قبوله بدخول بعثة مراقبي الجامعة العربية كان من أجل التسويق لأطروحته حول مواجهة شبكات الإرهاب المنظّم والعابر للحدود، وقد فعل كل ما في وسعه من سيارات مفخّخة ومعلومات مضلّلة واغتيالات وأشياء أخرى كثيرة كي يدرج ذلك في تقارير البعثة الدولية. وهذا ما يؤكّد أن وجود شبهات الإرهاب فقط في مشهد الثورة سيكون في صالح النظام، فكيف سيكون الحال حينما يتعلّق الأمر بتنظيم يبايع أيمن الظواهري، أو آخر يعلن نفسه دولة ثم خلافة ويتمدّد ويسيطر على رقعة جغرافية واسعة النطاق؟

بحوزتي أكثر من 100 وثيقة من بين ما يقارب 15 ألف وثيقة استخباراتية مسرّبة كلّها تشير إلى جهات نصحت نظام بشار الأسد بضرورة وجود جماعات إرهابية في المشهد السوري، ومن بين الذين نصحوا الأسد بذلك نذكر مثلاً الكاتب المصري محمد حسنين هيكل واللواء أحمد سليمان مدير مكتب اللواء مراد موافي مدير جهاز المخابرات العامة المصرية، وأيضاً جاءت هذه النصائح من منتدب المخابرات السورية في العراق وهو “الكاتب” العراقي سمير عبيد وغيرهم.

ما قيل عن وجود ضبّاط من حزب البعث مع “داعش”، لا نملك عليه أدلّة ملموسة يمكن الاعتماد عليها كما لا نستبعد ذلك فيوجد الكثير من البعثيين في مختلف كتائب المعارضة، ولكن ما ثبت لدينا من خلال المعلومات التي سقناها أن “داعش” قبل وصولها إلى سوريا كانت مخترقة من مخابرات العراق وهذا يعني إيران بلا شك، وأن زحف التنظيم على سوريا كان بتسهيل من حكومة المالكي وباتفاق مع مخابرات إيران وقيادة ميليشيات “حزب الله”.

لقد كانت شعارات ومظاهرات الثورة في سوريا تزعزع أركان نظام بشار ومن خلفه إيران وروسيا، ولكن بمجرّد أن أعلنت جبهة النصرة مبايعتها للظواهري ووجود “داعش” في المشهد السوري، تنفّس أعداء ثورة السوريين الصعداء فقد تحقّق لهم ما يريدون أن يقدّموه للعالم، بل وصل حال نظام يدّعي التعرّض لـ”مؤامرة كونية” لاستجداء التحالف مع هذه القوى العظمى التي تآمرت عليه، على حدّ زعمه، لمحاربة “الإرهاب”. وهذا لا يعني أبداً أن ما جرى جاء بالاتفاق بين البغدادي وبشار وخامنئي والمالكي ولا يعدّ ذلك شرطاً في المعادلة كلها، فيكفي أن تنظيم “داعش” خرج من رحم “القاعدة” ويحلم ببناء دولته فجاءت الفرصة سواء بتسهيل أو تدبير كي يحقّق ما يريد. المشكلة الآن ليست في وجود “داعش” فقد وجد وانتهى الأمر لكن في مسار هذا الكيان المسمى “الخلافة” الذي سيتمدّد إلى شمال إفريقيا، والصعوبة قائمة في طريقة مجابهته دولياً، والذي سيأتي بلا شك على حساب ثورة سوريا والعراق وأقطار عربية أخرى، وسيؤدي لحرب استنزاف طويلة ربما على طريقة أوسع من حالة طالبان في أفغانستان.

ويبقى القول أخيراً وليس آخراً:

ليس شرطاً أن تكون عميلاً كي تخدم خصومك، لكن يكفي أن تتواجد في الزمن الخطأ والمكان الغلط سواء كان الأمر لغباء في التخطيط أو لغياب أفق استراتيجي للصراع القائم في العالم الإسلامي، وهذا ما يجري مع “داعش” والأيام القادمة ستكشف الكثير من الخفايا والتطورات.. وللحديث بقية.

الخليج أونلاين – أوت 2014

المصدر

أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: المنافقون الجدد بين سوريا وغزة!

أغسطس 27, 2014

أنور مالك يكتب لـ

عندما بدأ العدوان على غزة هبّت جهات متعدّدة تتباكى وترثي الضحايا بدموع من مختلف الألوان، والغريب العجيب أن بعض هذه الجهات نفسها تدعّم بشار الأسد في حربه على السوريين، ولا تزال في موقفها لم تتزحزح، رغم الدمار الذي ألحقه بالعباد والبلاد، بل يبرّرون له كل جرائمه في حق الإنسان والإنسانية؛ مرة بمقاومة مزعومة وأخرى بمؤامرة وهمية، ومرات لأسباب طائفية غير معلنة.

المتتبّع لهؤلاء الذين يكيلون بمكيالين في التعامل مع حروب الإبادة التي تشنّ على البشر، يجدهم من الصفويين في إيران، أو من “المتصفونين” في البلاد العربية والإسلامية أو ممن يتّبعون مواقف حكامهم فقط، أو هم من المخدوعين الذين نظرهم لا يتجاوز حوافرهم. وقد بالغ هؤلاء في رثاء ضحايا غزة إلى منتهى الإنسانية، في المقابل يقابلون جرائم بشار الأسد في سوريا إلى منتهى الوحشية، رغم أن ما حدث في كثير من المدن السورية تجاوزت وحشيته بكثير ما يحدث في غزة المحاصرة من حيث عدد الضحايا ونوع الجريمة وأداتها.

إيران والتجارة بقضية فلسطين

إيران التي تراهن على قضية فلسطين لاختراق العالم الإسلامي وتمزيقه بتصدير ثورتها الخمينية، استغلت الفراغ السيئ الذي تركته الأنظمة الحاكمة يتمدّد بين الشعوب العربية التي تحتل فلسطين مكانة عميقة في مخيالها العام، ونجحت بلا شك في إيجاد موطئ قدم لها وتمكّنت بذلك من زرع أذرع عسكرية في المنطقة تفرض أجندتها القومية الفارسية، وكان أبرز ما أنجزته “حزب الله”، وأيضاً حركة “الجهاد الإسلامي”، التي من لم يتشيّع فيها دينياً، فقد والاها سياسياً، أو في الحالتين معاً مثل مؤسسها فتحي الشقاقي الذي لعب دوراً سرّياً في اختراق إيران للتنظيمات المسلحة في الجزائر خلال الحرب الأهلية. النظام السوري الذي سمّته المقاوم والممانع راهنت عليه إيران في حماية هلالها الشيعي الممتدّ من طهران إلى لبنان. كما نجحت في التسويق لنفسها بأنها تدافع عن القضية الفلسطينية وانخدع الكثيرون بها وبيوم القدس وسرايا القدس ثم شعاراتها الطنانة خصوصاً مع حرب تموز 2006، وما تبعها من أحداث، بل تمكّنت حتى من مخادعة تنظيمات فلسطينية، وبينها حركة “حماس” نفسها، التي مرّت في مرحلةٍ ما بعلاقات وطيدة مع خامنئي عبر بوابة دمشق خصوصاً.

المحور الصفوي الذي مثّلته وتزعّمته إيران تحت مسمّيات مختلفة، منها محور الممانعة والمقاومة، لا يزال يستغلّ الملف الفلسطيني أبشع استغلال، مثلما فعل مع شأن التشيّع، وآل البيت رضي الله عنهم، ومع العدوان على غزة سمعنا هذا المحور يندّد ويتوعد الكيان الإسرائيلي، وكثيرون في العالم العربي يصدّقون هذا الوهم، بل يتباهون أن سلاح المقاومة الذي يدكّ تل أبيب من بيت علي خامنئي. وفي المقابل، بل في الوقت نفسه، هذا المحور الصفوي يشنّ حرب إبادة على الشعب السوري، ويقترف أبشع ما يمكن تخيله في سوريا.

لقد وجدت جرائم الصفويين في سوريا ترحيباً من “المتصفونين” العرب ممن تشيّعوا دينياً أو سياسياً أو مادياً، والذين بدورهم يبكون بدموع التماسيح على أطفال غزة ونسائها وعمرانها، وهذا ما يخالف المنطق الإنساني الذي يقتضي التصدّي للظالم مهما كانت ملّته أو سياسته أو جغرافيته، أو الجهة التي يتخندق معها ويكون فيها. فمن يأتي ويسأل المظلوم عن دينه أو عرقه أو هويته حتى ينتصر له فقد خدم الظالمين، لأن نصرة المظلومين لا تمييز فيها بينهم دينياً وعرقياً وطائفياً وعشائرياً.

دموع “حزب الله” لا تشرّف غزة

لا يعقل أبداً أن يجري البكاء على أطفال غزة من طرف “حزب الله”، وهو نفسه يبيد أطفال سوريا في مجازر طائفية لا يمكن تخيّل وحشيتها. لا يعقل أبداً أن يظهر حسن نصر الله وهو يتبجّح بشعارات مندّدة بجرائم الصهاينة في حقّ المدنيين والنساء، وهو يدعم عسكرياً وسياسياً وإعلامياً نظام بشار الأسد الذي بدوره يبيد المدنيين ويقتل الأطفال ويغتصب النساء في سوريا. ولكن ليس غريباً على إيران أن “تناهض” جرائم إسرائيل في فلسطين وهي تقترف أبشعها في سوريا واليمن والبحرين ولبنان، وسبق أن غرقت في مستنقع الدم بالجزائر أيضاً، فهي تصف أمريكا بالشيطان الأكبر ودعّمتها في غزو أفغانستان وتتحالف معها في العراق وحتى سوريا، ولهذه اللحظة لم أجد ما يؤكّد العداء القائم بين طهران وواشنطن وتل أبيب، في حين وجدت الكثير من الأدلّة التي تثبت مدى التحالف غير المعلن بينهم ضد مصالح العالم الإسلامي وكل المسلمين السنّة.

وجهان لجريمة واحدة

ما يحدث في غزة هو جريمة ضد الإنسانية يجب ملاحقة الجناة في كل المحاكم وجعلهم يدفعون الثمن وفقاً للمواثيق والقوانين الدولية. وما يجري في سوريا أيضاً لا يختلف عن ذلك، ويستحقّ الجناة متابعتهم ومعاقبتهم مثل الصهاينة وبمواد قانونية واحدة. لذلك ليس من اللائق إنسانياً وأخلاقياً أن القاتل في سوريا يبكي القتيل في فلسطين. والعجب أن نظام بشار الأسد نفسه ارتكب المجازر بالسلاح الكيماوي في حقّ الأطفال، وذبح الآلاف في مجازر هي الأبشع في القرن الحديث، وقتل في مجزرة الغوطة مثلاً ما قتل بغزة في شهر تقريباً، بدوره ومن دون أدنى خجل -طبعاً الطغاة لا يخجلون- يندّد بجرائم إسرائيل في غزة، وطالب من قبل تركيا بضبط النفس في التعامل مع المتظاهرين، بل ذهب بعيداً في تقاريره الاستخباراتية المسرّبة عن السعودية، حيث خصّص دائرة تتابع ما يسمّيها مظاهرات في المناطق الشيعية، وجهاز المخابرات يحفّز العملاء في المملكة بضرورة التحريض في هذه المناطق، ويندّد في برقياته السرّية بما يسمّيها سوء معاملة السلطات الأمنية السعودية للمتظاهرين، والأمر نفسه بالنسبة للبحرين وحتى قطر!

إن القضية في سوريا وفلسطين أخلاقية بامتياز، وتتعلّق بقاتل وقتيل، ضحية وجلاد، ظالم ومظلوم، معتدٍ ومُعتدى عليه… ولا يمكن الكيل بمكيالين معهما، لذلك يبلغ النفاق قمّته لما نسمع المجرمين في سوريا يدافعون عن ضحايا في غزة، ولا أعتقد أن ضحايا غزة سيشرفهم دفاع هؤلاء؛ لأن الدم واحد من حيث القيمة الدينية والقومية والوطنية والإنسانية.

عندما أستمع لحسن نصر الله وهو يزبد ويتوعّد الصهاينة لأنهم يقتلون الشعب الفلسطيني، وفي الوقت نفسه مليشياته الطائفية والعنصرية ترتكب أبشع الجرائم في سوريا، أزداد قرفاً من هؤلاء المنافقين الذين خطرهم على الشعوب العربية والإسلامية أكثر من خطر الصهاينة أنفسهم.

شياطين ببلادهم وملائكة في غزة !

لم يقتصر الأمر على المحور الصفوي وجرائمه في سوريا وغيرها، بل أيضاً الأنظمة العربية التي بينها مَن اقترفت أبشع الحروب القذرة بحق شعوبها، وها هي تبكي بدموع التماسيح على أهل غزة. فالنظام الجزائري كان سبب حرب قذرة أدت إلى مقتل ربع مليون جزائري. ونظام السيسي بدوره اقترف مجازر جماعية هزّت وجدان العالم، ولا يزال يقمع المصريين بكل وحشيّة. والنظام المغربي يحتلّ الشعب الصحراوي الآمن والفقير وينهب ثروات أرضه، وينتهك حقوقه الإنسانية والوطنية والقومية والاقتصادية في وضح النهار. ويوجد غيرهم أيضاً ممن تختلف انتهاكاتهم بحق شعوبهم لا يسعنا المقام لحصرهم؛ فهؤلاء جميعاً لا يمكن أن يكونوا شياطين ببلادهم وملائكة في غزة أو غيرها. فمن قتل أبناء شعبه وشرّدهم لا يصدّقه أحد حتى وإن بكى على غزة بدل الدموع دماء، أو رأيناه في الصفوف الأولى يقاتل لتحرير بيت المقدس.

لا يشرّف غزة أن يدافع عنها القتلة في سوريا ولبنان واليمن ومصر وغيرهم، ولا يشرّف المقاومة أبداً، ويسيء لها كثيراً، إن وضعت يدها في أياد ملطّخة بدماء الأبرياء في سوريا، لأن المقاومة شرف رفيع يمتاز به الشرفاء، ودون ذلك فهو ذهاب من المجهول مظلم إلى مجهول أظلم.

قمّة النفاق المتجدّد

غزة وسوريا لا تحتاجان لمنافقين يدافعون عنهما، ولا هم سينجحون في دفاعهم هذا، بل سيزيدون المجاهدين والمقاومين خبالاً، ويزرعون بينهم الفتنة، فطبعهم الإجرام ولا يعقل أن المجرم سيدفع مجرماً آخر إلى الإقلاع عن جرائمه أو سيفلح في معاقبته؛ لأن العقاب سيطال الجميع حتماً إن نجحت العدالة في فرض نفسها على المجتمع الدولي.

للأسف الشديد طالعت كتابات صحفيين وإعلاميين وناشطين في دول عربية يدافعون عن بشار وجرائمه، ويبرّرون ذلك بوهم المؤامرة التي عشعشت في عقولهم، وعندما اندلع العدوان على غزة راحوا يبكونها في مقالاتهم وتصريحاتهم، وبينهم من يبرّر ذلك بحجة أن قضية العرب والمسلمين الأولى والوحيدة هي فلسطين، والأولوية في الدفاع عنها، وكأنه يجب أن تموت الشعوب الأخرى وتحرق حتى تتحرّر فلسطين.

صدق الفلسطينيون لما صرخوا يوماً في وجه بشار بأن تحرير بلادهم إن كان سيمرّ على جثث السوريين فهم لا يريدون هذه الحرية، ولا يتطلّعون إليها مهما كان الأمر. فلا يقبل عقلاً ولا نقلاً ولا منطقاً أن الذي يبيد المواطنين في بلده يقف مع غيرهم في بلدان أخرى لوجه الله ولأسباب إنسانية خالصة.

المنافقون الجدد يميّزون بين الضحايا لأسباب مختلفة، فهم مع الطاغية في الشام، ومع الضحية في غزة، أو مع نتنياهو وضد بشار، وفي الحقيقة أن هؤلاء دفعتهم مصالح أخرى غير الانتصار للضحايا، ولو تنقلب الحسابات مستقبلاً، سيبدّلون مواقفهم بلا أدنى خجل. وهذا ديدن المنافقين عبر كل العصور والأزمنة، فأمزجتهم متقلّبة حسب المنفعة الذاتية فقط.

من يقف مع قاتل في سوريا، ويزعم وقوفه مع ضحية في غزة، عليه أن يتحسّس في ذاته خصلات النفاق، لأنه يكذب على نفسه وعلى الآخرين، وقد يؤدي به الأمر إلى انفصام في الشخصية؛ لأنه جمع في قلبه بين نقيضين لا يمكن أن يجمع بينها إنسان شريف أو عاقل أو من له مبادئ وقيم أخلاقية وإنسانية.

في الأخير، الضحية في سوريا وغزة هو واحد، والجلاد واحد أيضاً مهما اختلفت المسمّيات، حتى وإن ادعى جلاد سوريا أنه يقاوم غزاة فلسطين، أو زعموا هم أنهم يكرهونه، فحتى وإن لم تجمع بينهما معاهدات معلنة فقد حولهم واقع الجريمة ضد الإنسانية إلى توءم يلتصق بعضهما ببعض، وكل من يريد أن يفصل بينهما لأي سبب فقد بلغ قمّة النفاق وصار من المنافقين الجدد لهذا القرن الموبوء بجرائم الإنسان ضد الإنسانية.

 

الخليج أونلاين – أوت 2014

المصدر

أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: سقوط “حزب الله” من برجه الوهمي!

أغسطس 25, 2014

أنور مالك يكتب لـ

بلا شك أن “حزب الله” وزعيمه حسن نصر الله نجح لحدّ بعيد في مخادعة العوام من العرب والمسلمين خصوصاً مع هزيمة حرب تموز 2006 التي حوّلها إلى نصر. حيث وعبر وسائل إعلام ثقيلة بينها الخليجية للأسف، تمكّن من التسويق لنفسه على أنه زعيم استثنائي يتحدّى الصهاينة ويدكّ قلاعهم، وبات اسم حسن نصر الله يطلق على المواليد الجدد في العالم العربي والإسلامي. بل يوجد من أهل السنّة بلغت بهم الخدعة لدرجة أن صاروا يترقبون خبر ظهور الشيعي حسن نصر الله وهو يصلي في محراب بيت المقدس!

كنت في 2006 من بين المثقفين والأكاديميين الذين ساندوا لبنان ضد العدوان الصهيوني، وفي الوقت نفسه رفضت رفضاً قاطعاً تقليد نصر الله أي زعامة بل حذّرت من خطورة مشروعه الصفوي الذي هو الوجه الثاني للعنة معادية وجهها الأول الصهيونية، فقد كانت حرب تموز وبالاً على لبنان والمنطقة وهي أكبر خدمة قدمها “حزب الله” للصهاينة الذين يتفنّنون كثيراً في تصفية الأبطال الحقيقيين وصناعة البطولات المزيفة والأبطال الكرتونيين لدى خصومهم، لتخديرهم وجرّهم بكل سهولة نحو حتفهم.

لقد كانت الحدود بين “إسرائيل” ولبنان مصدر إزعاج كبير، حيث منها يتسلّل المقاتلون الفلسطينيون واللبنانيون من غير الطائفة الشيعية ويهرّبون الأسلحة وكل ما تحتاجه المقاومة، وحراسة الحدود معقّدة وتكلّف الخزينة العامة الصهيونية ملايين الدولارات سنوياً. بحرب تموز نجحت “إسرائيل” في إعطاء مهام أخرى لقوات حفظ السلام “اليونيفيل” الدولية عبر القرار الأممي رقم 1701، وصنعت لها منطقة عازلة منزوعة السلاح بين لبنان والكيان العبري تمتد من الخط الأزرق إلى نهر الليطاني، وصارت هذه القوات الدولية تسهر على أمن الصهاينة وعلى حساب الأمم المتحدة من خلال مراقبة ما تسميها “الأعمال العدائية”. وهذا تطور كبير لم تخسر فيه إسرائيل سوى بعض الدبابات وبعض الجنود وبعض الذخيرة مقابل آلاف الضحايا وتدمير البنى التحتية اللبنانية، وكسبت أمنها لسنوات طويلة من دون أن تدفع شيكل واحد.

لم يقتصر الأمر على قوات اليونيفيل، بل إن “حزب الله” بدوره يسهر على أمن هذه القوات الدولية حيث يمنع تسلل أي مقاوم ويتصدى لتهريب أي قطعة سلاح، ومن يلقى عليه القبض سيتهم بالجوسسة أو الخيانة ويجري إعدامه ثم تقام له جنازة رسمية كشهيد من شهداء المقاومة، وهذا ديدن “حزب الله” مع كل من يخالف توجهات الأمين العام حسن نصر الله، أو يتحرك خارج أطر هذا الحزب الإيراني في لبنان.

“حزب الله” تمكّن أثناء حرب تموز 2006 من كسب جماهيرية عريضة في الشارع العربي الذي تسيطر على مخياله قضية فلسطين، على غرار ما حققه الخميني لما نجحت ثورته ضد الشاه عام 1979، حتى صار هذا الخميني أبرز رمز إسلامي لدى العوام وانخدع به عدد لا يستهان به من المثقفين وبعض الحركات الإسلامية مثل جماعة الإخوان المسلمين التي وصل الأمر ببعضهم إلى جعل الجعفرية خامس مذاهب الإسلام.

الخميني سمّى ثورته بـ “الإسلامية” وحول إيران لجمهورية أطلق عليها “إسلامية” أيضاً، وهذا الذي رآه الناس وخدعهم بظاهرها، وقد عرف المد الشيعي في ذلك الوقت مرحلته الذهبية حيث تشيّع الكثيرون في الدول العربية والإسلامية وغيرها من دول العالم. لكن مع مرور الوقت ونشوب الحرب العراقية الإيرانية بدأت أسهم الخميني تتراجع وتتهاوى، ونجح حينها صدام حسين بتعطيل مؤقت لمشروع الخميني القاضي بتصدير الثورة وتحقيق حلمها في رفع الراية الصفوية في أبرز عواصم الدول العربية كالرياض والجزائر والكويت وعمان وحتى دول إسلامية مثل تركيا وغيرها.

“حزب الله” هو حزب إيران بلا منازع في لبنان وذراعها العسكري المتخفي تحت قناع المقاومة في منطقة الشرق الأوسط، والذي يخدم هلالها الشيعي الممتد من طهران ثم بغداد مروراً بدمشق ووصولاً إلى الضاحية الجنوبية، وعينه أن يكتمل ويصير قمراً لما يشمل وهران الجزائرية ومناطق أخرى. حدث للحزب ما جرى للخميني بداية من حربه مع العراق، حيث إنه بمجرد ثورة الشعب السوري ضد نظام بشار الأسد الذي هو مجرد حاكم بالوكالة نيابة عن مرشد الثورة الخمينية في طهران، رغم تكفير الشيعة الإمامية للنصيرية والتي تراجعت عنها لأسباب استراتيجية، حتى اصطف الحزب بكل طائفية ضد الشعب السوري، وتحوّل الثوار الذين كانوا من كل أطياف الشعب إلى مجرد تكفيريين وإرهابيين ونواصب يريدون تفجير ما تسمّيه إيران المراقد المقدسة ويتآمرون لصالح العدو!

لم يطل كثيراً وهم البطولة التي تقلدها حسن نصر الله، حتى أظهر مدى طائفيته المقززة، حيث راح يذبح أطفال سوريا ويتلذذ بدمائهم إلى منتهى الحقد الصفوي، الذي لم يكن غريباً عنه ولكن للأسف انطلى ذلك على الكثير من العرب عموماً والسوريين خصوصاً، ولم يستفيقوا إلا ومليشيات “حزب الله” تبيد القرى وتقترف ما لا يمكن تصوره من الجرائم في حق الإنسان والإنسانية.

بلا أدنى شك أن تدخل “حزب الله” في سوريا جاء بأمر من علي خامنئي بصفته الولي الفقيه الذي تخضع له كل مؤسسات الحزب، وبدوره مرشد ثورة إيران لو لم يتلق الضوء الأخضر من أمريكا ما تجرأ على اتخاذ قرار التدخل العسكري في سوريا، وواشنطن بدورها لو لم يسمح لها من تل أبيب واللوبي اليهودي في أمريكا ما أوعزت لخامنئي أن يرسل مليشياته من لبنان والعراق وطهران واليمن وحتى أفغانستان كي تدافع عن نظام بشار الأسد، الذي كان يتهاوى بسرعة عجيبة أثناء تمدّد الثورة في المدن السورية.

الثورة السورية كانت فاضحة بامتياز، حيث فضحت الكثير من الليبراليين العرب الذي كانوا يتغنّون بحق الشعوب في الديمقراطية وتقرير المصير، وبمجرد أن ثار السوريون حتى اصطفوا ضده مع نظام مستبد يبيد الحرث والنسل. كما عرّت أيضاً الكثير من العلمانيين العرب أو “العلمانجيين” كما يسمّيهم فيصل القاسم، والذين كانوا ينادون بالدولة المدنية لا الدينية ولا العسكرية، ولكن بمجرد أن ثار السوريون سلمياً حتى صاروا يطبّلون لنظام الملالي العسكري في سوريا والذي يتحكّم فيه رجال الدين الشيعي، بل إن بعض العلمانيين صاروا أكثر طائفية من أصحاب العمائم السوداء في حوزات قم والنجف والضاحية الجنوبية.

طبعاً في إطار مسلسل الفضائح فإن أكبر ما قدمته ثورة سوريا للشعوب العربية والإسلامية أنها أسقطت كل أقنعة محور “المقاومة والممانعة” الذي ظهر مجرد محور “مقاولة ومماتعة” مع الصهاينة. حيث إنه لو كان نظام الأسد يمثل جبهة الصمود والتصدي كما يزعمون ما سمح له بامتلاك أسلحة كيماوية، التي لم تستعمل إلا لإبادة أطفال سوريا في الغوطة وغيرها. وأيضاً لو كان مقاوماً ويريد محو “إسرائيل” من الوجود لاستغل اللوبي الصهيوني النافذ في دول الغرب هذه الثورة عليه، وأسقطوه في ظرف قياسي كما فعلوا مع نظام الديكتاتور معمر القذافي. بل لأخرجته أمريكا من دمشق كما فعلت من قبل بجيشه في لبنان لما غادره منكسراً، بل لفعلت معه مثلما فعلت مع نوري المالكي الذي أسقطته من الحكومة بأمر لا يقبل النقاش وظهرت عنترياته السابقة مجرد زوبعة في فنجان فقط.

ثورة سوريا نجحت بامتياز في كشف عورات “حزب الله” وزعيمه الطائفي حسن نصر الله، الذي ضرب عرض الحائط كل شعاراته عن نبذ الطائفية ومقاومة الصهاينة، وراح يقترف ما يندى له الجبين بحق السوريين الذين سبق واستقبلوا اللاجئين اللبنانيين إبان حرب تموز 2006، وفتحوا لهم بيوتهم ولم يسكنوهم حتى في مخيمات. في حين لما ثار الشعب السوري ولجأ إلى لبنان وجد الشوارع ومخيمات العار في انتظاره. بل إنه من بين اللاجئين اللبنانيين من صاروا شبّيحة وذبحوا العوائل التي آوتهم في بيوتها. هكذا كافأ حسن نصر الله الشعب السوري، وهكذا رد الجميل لهم حيث وصل حالهم لدرجة توزيع الحلويات في الضاحية الجنوبية لما بلغهم خبر سقوط القصير وسيطرة قوات “حزب الله” عليها بعد مجازر بشعة في حق المواطنين العزّل.

لقد أثبتت وثائق مسرّبة من دهاليز المخابرات السورية أنه توجد ملفات سوداء لدى هذا الجهاز ضد “حزب الله” وزعيمه حسن نصر الله، منها ما يتعلق بتصفية القياديين المناوئين لتوجهات أمينه العام، وأخرى فيها خفايا مقتل هادي نجل حسن نصر الله في ملهى ليلي ببيروت وتم تحويله لـ “شهيد” عبر سيناريو تجهل تفاصيله لحد الآن، وأشياء أخرى كثيرة وما خفي أعظم بلا أدنى شك. وهذا كله يزيد في تعرية “حزب الله” أمام الرأي العام وخصوصاً أولئك الذين خدعهم بشعاراته الزائفة.

لقد سقط “حزب الله” وزعيمه حسن نصر الله من برج وهمي كان يراه عاجياً، حتى خيّل لمريديه أنه صار أكبر من كل العالم الإسلامي، بل من الإسلام نفسه، ولكن مع ثورة سوريا صار لا يساوي حفاظة أطفال قتلوا في القصير والحولة والغوطة أكرمكم الله.

 

الخليج أونلاين – أوت 2014

المصدر

أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: مصر تكشف “الليبرالجيين” العرب!

أغسطس 25, 2014

أنور مالك يكتب لـ

غزة فضحت “المتصهينين” العرب، وسوريا عرّت “المتصفونين” العرب، وتوجد حالة أخرى يجب أن نقف عندها وهو أحداث الثورة المضادة في مصر التي أسقطت الرئيس المدني محمد مرسي عبر انقلاب عسكري كامل الأركان أدى إلى وصول الجنرال عبد الفتاح السيسي لسدة الحكم وتحقيق حلمه القديم.

بغض النظر عن الاختلافات والاختلالات القائمة حول أحداث مصر وطبيعة الحكم الذي كان ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين، وبغض النظر عن الذين اصطفوا مع الانقلاب لأسباب أيديولوجية ومذهبية كالسلفيين أيضاً، إلا أن الذي حدث والدماء التي سالت بطريقة قذرة جداً أكدت أن الشرعية في العالم العربي تأتي على مقاس المؤسسات العسكرية، فتدعمها لما توافق هواها ثم تنهيها في الوقت الذي تريد إن حدثت توجهات تتنافى مع مصالح جنرالات الجيش.

بلا شك أن نظام محمد مرسي ارتكب أخطاء بينها التي اعترف بها وأخرى لم يرها أو تجاهلها أو أنكرها، كما يوجد الكثير أيضاً نسب له من طرف خصومه بلا أدنى بيّنة. ولكن هذه طبيعة الحكم في كل العالم، فلا يوجد رئيس لا يخطئ ولا يوجد نظام حتى في الدول المتطورة لا يرتكب أخطاء في سياسة البلد، بل إن هذه الأخطاء ضرورية تتمنّاها المعارضات وتحلم بها، حتى تستثمرها في المواعيد الانتخابية للفوز بالسلطة. لكن الشيء المختلف أنهم في الغرب لا يفتعلون ويفبركون الأخطاء ولا يعملون ضد النظام بما يهدد مستقبل الأوطان، بل يختلفون لمصلحتها وعلى الغد الأفضل. في حين أن العالم العربي لما تصل جهة ما للسلطة تجد المعارضة خصوصاً المدعومة من المؤسسات العسكرية تعبث حتى بأمن المواطنين ودمائهم، لأجل توريط السلطة الجديدة والتخلص منها، كما حدث في مصر سواء من خلال بعض العمليات الإرهابية الغامضة في سيناء وغيرها، أو المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المفتعلة في أغلبها مثل غلاء الأسعار وأزمات الخبز والغاز وغيرهما، التي كان لها تأثيرها البالغ على نفسية المصريين بفضل الدولة العميقة التي ظهرت أعمق مما تخيّله مرسي وأركان حكمه.

خلال الفترة التي حكم فيها مرسي عبر أول انتخابات ديمقراطية بتاريخ هذه الأرض منذ آلاف السنين، اصطف علمانيون وليبراليون ضده، ولكنهم لم يعملوا بالطريقة التي يتغنّون بها في شعاراتهم من أجل أن يهزم مرسي في انتخابات رئاسية قادمة بطريقة ديمقراطية طالما صدّعوا رؤوس العالم بالحديث عنها ورفعوا شعاراتها بكل محافلهم ومعابدهم، بل لعبوا أدواراً قذرة خصوصاً عبر وسائل إعلام خاصة يملكها رجال أعمال كان لهم نفوذهم اللامحدود في دواليب السلطة إبان حكم حسني مبارك، وبدأ يتهاوى نفوذهم بعد ثورة يناير 2011 مباشرة. ولكن بقي لهم امتداد كبير لم يتعرض لأيّ هزّة في المؤسسة العسكرية من خلال جنرالات تربطهم معهم علاقات مصاهرة أو شراكة غير معلنة في مؤسسات اقتصادية عملاقة، تتحكم في لقمة عيش المصريين ومستقبل بلدهم.

ظل الليبراليون في العالم العربي ينادون بالديمقراطية، ولكنهم انقلبوا على أعقابهم بمجرد أن أفرزت صناديق الاقتراع رئيساً إسلامياً ينتمي لجماعة الإخوان في انتخابات نالت إشادة واسعة في كل أرجاء العالم، وحتى لدى أعرق الديمقراطيات الغربية من حيث نزاهتها والشفافية التي تمتعت بها. وهذا ديدنهم لما تفرز الديمقراطية إسلامياً لا يحمل أيديولجيتهم فإنهم يستبدّون لمنتهى الطغيان بين عشية وضحاها ويعملوا على تحويل صناديق الانتخاب إلى صناديق موت، بل يطعنون حتى في الشعب ويتطاولون على خياراته كما حدث في الجزائر بعد الانتخابات البلدية في يونيو/ حزيران 1990 والبرلمانية في ديسمبر/ كانون الأول 1991 وفاز فيها الإسلاميون، حيث هب ماركسيون وعلمانيون وليبراليون في وصف الشعب الجزائري بالغبي والجاهل وغير المثقف لأنه لم يحسن الاختيار!

أما الحريات العامة التي تتعلق بحق الشعب في تقرير مصيره واختيار حاكمه، فإنه بمجرد أن فاز الإسلامي مرسي تناساها الليبراليون وضربوا بها عرض الحائط، وراحوا يحرّضون على نتائج اختيار الشعب الحر وذلك بالتنسيق مع فلول نظام ديكتاتوري وفاسد كما كان يصفه بعض الليبراليين المصريين. بل وصل الحال بعد عزل مرسي إلى التحريض ضد التظاهر السلمي الذي كانوا يرونه من أبرز الصور التي تتجسّد فيها الديمقراطية والمواطنة.

أما الدولة المدنية التي شغلوا بها الوطن العربي، ويريدونها أن تتحقق وتتمدّد عبر إبعاد العسكر وعودتهم لثكناتهم لأداء واجباتهم في حماية الوطن وحدوده، وإقصاء الدين من الحياة السياسية من خلال علمانية الدولة على الطريقة الغربية. غير أن هذا كله كان مجرد شعارات طنانة ورنانة يستعملها الليبراليون العرب فقط لتحقيق أطماعهم في السلطة والجاه والنفوذ، حيث تحركوا في الشارع وطالبوا المؤسسة العسكرية بالتدخل لعزل الرئيس المنتخب، ورفع الكثيرون منهم شعارات عشق للأحذية العسكرية وبينهم من راح يقبّل “البيادة” -كما يسمونها- وحوّلوها إلى مزهريات للورود في المظاهرات أو شبكات التواصل الاجتماعي. أما الدين الإسلامي فقد جعلوه مجرد بعبع فقط رغم أن مرسي لم يطالب بالدولة الإسلامية في مصر ولا أظهر ما يوحي بذلك، سوى جعل مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع في المادة 2، وعرّف بهذه المبادئ في المادة 219، بل خلال فترة حكمه حاول أن يظهر أكثر انفتاحاً على العلمانية والليبرالية من الليبراليين والعلمانيين أنفسهم ولم يشفع له ذلك أبداً.

بالنسبة لملفات حقوق الإنسان التي ينشط فيها الليبراليون كثيراً، فبدورها كانت ضحيتهم، حيث إنهم دعموا قتل المتظاهرين السلميين، وساندوا وزارة الداخلية في فضّ الاعتصامات بقوة السلاح في رابعة العدوية والنهضة وغيرهما، بل شهدوا الزور عن حرق الجثث وعمليات القنص والقتل التي مارستها قوات الأمن. وسكتت منظماتهم وهيئاتهم عن التصفيات الجسدية والإهانة للكرامة الآدمية والتعذيب الذي يجري ضد أنصار محمد مرسي في أقبية مراكز الشرطة والمخابرات. حتى منظمة كبيرة مثل “هيومن رايتس ووتش” التي كانت قبلة الكثيرين منهم، أصدرت تقريراً ضخماً عن مجزرة رابعة وهو يدين نظام السيسي، في حين قابله الليبراليون العرب باجترار ما يناقض الحقيقة وللأسف على حساب أبرياء، كل القيم الأخلاقية والإنسانية تفرض الدفاع عن حقهم في العدالة بعد مصادرة حقهم في الحياة.

الليبراليون العرب طالما نادوا بأن الحكم يكون للأغلبية، إلا أنهم في مصر اصطفوا مع أقلية من المناهضين لحكم مرسي الذي فاز في الانتخابات بحوالي 52 بالمئة. حتى الذين خرجوا للشارع يتظاهرون ضد نظام الإخوان كانوا مجرد أقلية نفخت في عددهم وسائل إعلام بما يتنافى مع المنطق.

الليبراليون العرب ينادون بدولة القانون ولكنهم في مصر وقفوا ضد القانون وركبوا عليه، حيث أهانوا القضاء المصري وحوّلوه إلى أسوأ قضاء في العالم من خلال تسييسه وانحيازه المفضوح للمؤسسة العسكرية بقيادة عبد الفتاح السيسي على حساب قيم العدل وقوانين الجمهورية والمواثيق الدولية. الجرائم ضد الإنسانية التي حدثت منذ انقلاب 3 يوليو لم تنل حقها أبداً في العدالة، ووصل الأمر إلى التلاعب بالتحقيقات وحرق الجثث في المستشفيات لإخفاء أدلة الجريمة، وصار المجرم ضحية والقتيل قاتلاً بين عشية وضحاها وبدعم من يدّعون أنهم دعاة حقوق الإنسان. بل حالة وحيدة نظر فيها القضاء وتتعلق بحادثة مقتل أكثر من 35 سجيناً من أنصار مرسي عند ترحيلهم إلى سجن “أبو زعبل” ولكن في النهاية كانت الأمور في صالح الجناة الذين أطلق صراحهم.

الليبراليون العرب يركزون كثيراً على المرأة وحقوقها حتى صارت كأنها شغلهم الشاغل، حيث لم تسلم منهم المرأة في كل الدول العربية وعلى رأسها السعودية ودول الخليج، وطالما طالبوا بحق المرأة في العري والخروج والاختلاط وغيره، ووصل الحال ببعضهم إلى الدعوة لحقها في العشيق والعلاقات المحرمة دينياً والمجرّمة في التقاليد العربية، ولكن لما تلتزم المرأة وتلبس الحجاب والنقاب فيهاجمونها ويتهمونها بالتخلف والرجعية، وكأن العري فضيلة والحشمة جريمة. وهذا ما يؤكد أن هؤلاء لا يريدون تشريف المرأة بالحرية كما يزعمون، بل غايتهم هو حرية النيل من شرفها في الساحات العمومية وعلى مرأى ذويها فقط. وتجلّى كثيراً في مصر فقد هاجموا المظاهرات المعارضة التي شاركت فيها النساء بحكم أن ذلك يقلل من رجولة أنصار مرسي، وتطاولوا على النساء اللواتي شاركن مع أزواجهن وآبائهن وإخوانهن في الاعتصامات المناهضة للانقلاب العسكري. بل وصل الحال بهم إلى الطعن في شرفهن واتهام المتظاهرين ضد السيسي بالتحرّش والعلاقات المحرّمة. في حين ممثلات وراقصات خرجن للشوارع وتظاهرن لصالح السيسي وهن في قمة زينتهن وكأنهن في غرف نومهن وليس بميدان التحرير، تفنّنوا في الإشادة بهن كمصريات شريفات لم يتأخرن عن نداء واجب الدفاع عن الدولة المصرية!

طبعا لا يمكن أن ننسى تصفيق الليبراليين العرب لحصار غزة والعدوان الصهيوني عليها، بل وعبر قنوات فضائية كانت منبرهم في التحريض على قتل المصريين، طالب بعضهم بإبادة حماس واحتلال غزة ومحو أهلها من الوجود. كما وصل أمرهم إلى تركيا حيث ظلوا يشجعون العسكر للانقلاب على أردوغان ورفس الديمقراطية تحت أقدام الجيش العلماني الذي يتماشى مع توجهاتهم الأيديولوجية.

بلا شك أن مشكلة الليبراليين العرب هي السلطة وما الشعارات التي يتغنّون بها من ديمقراطية وحريات وقانون ودولة مدنية، هي لمجرد الاستهلاك من أجل تحقيق الغايات فقط. وطبعاً حقهم في السلطة مشروع وهذا يقتضي العمل من أجل الوصول إليه وفق معايير أخلاقية، لكن المشكلة أن هؤلاء الليبراليين تخندقوا مع الفساد والفاسدين والقتلة والمجرمين من العسكر والساسة وأرباب المال والأعمال والبلطجية ولأجل أطماع فاسدة.

تستحق مصر أن تنال التقدير بدورها مثل سوريا وغزة لأنها فضحت هؤلاء الليبراليين العرب الذين لم تتجاوز الليبرالية حدود شهواتهم، ولو تنطق ليبرالية الغرب للعنت أغلب الليبراليين في الشرق العربي عموماً وفي مصر بصفة أخص، وبذلك يستحقّون تسميتهم بـ “الليبرالجيين” لا غير، والحديث في شأنهم يطول.

 

الخليج أونلاين – أوت 2014

المصدر

أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: سوريا تعرّي المتصفونين العرب!

أغسطس 20, 2014

أنور مالك يكتب لـ

إن كانت غزة قد فضحت المتصهينين العرب كما تحدثنا في مقالنا السابق، فإن سوريا قد عرّت المتصفونين العرب الذين صاروا بكل حمق استراتيجي أكثر صفوية من الإيرانيين الفرس في مخططاتهم القومية للتوسع في المنطقة العربية والهيمنة على العالم الإسلامي.

تجنيد عملاء لصالح استخبارات أجنبية في الوطن العربي يحتاج إلى أموال طائلة وعمل مخابراتي معقّد جداً، ولكن إيران تفادت كل هذه العقبات وصارت تجنّد العملاء، بل يتهافتون بمحض إرادتهم لخدمتها بمجرد أن يتشيّعوا. فقد صارت طهران عاصمة التشيّع في العالم وهذا ما نجحت في التسويق له عبر وسائل دينية وإعلامية ودبلوماسية واقتصادية ضخمة للغاية.

وجد الغرب بعد انهيار الشيوعية ضالته في التشيّع لإشعال العالم الإسلامي بصراعات دينية ومذهبية وطائفية وقبلية وعرقية عميقة تسيل فيها الدماء كثيراً، وهذه الحروب بلا شك تخدم الاقتصاد الغربي والأمن الإسرائيلي على مستويات كثيرة سنتحدث عنها في مقالات قادمة.

كان المتشيعون العرب دينياً يمارسون التقية لتفادي الملاحقات الأمنية في بعض الدول، وأيضاً لممارسة تدينهم الذي يوجب عليهم أن “التقية دين من لا إيمان له”. أما المتشيعون سياسياً فقد كان يعلو شأنهم في أزمات ومنعطفات سياسية بارزة يعرفها العالم الإسلامي والمنطقة العربية، فقد ظهروا علانية في بعض الدول لما انتصر الخميني في ثورته، وتصاعد أمرهم أيضاً في حرب تموز 2006 في لبنان.

غير أن ظهورهم في هذه المحطات لم يكن يتناقض مع الرأي العام في الشارع العربي، فقد نالت ثورة الخميني مباركة شعبية عربية واسعة بلا شك، لما حملته من شعارات خادعة وصفت بالإسلامية، وأيضاً أنها كانت تناهض الإمبريالية الأمريكية حينها على مستوى الخطاب على الأقل، مما أثر في المخيال الشعبي العربي، الغاضب على الخنوع الرسمي، والناقم من الهزائم المتتالية. إلا أن ثورة الشعب السوري ضد نظام بشار الأسد فتحت جبهة أخرى لدى ما يمكن تسميتهم بالمتصفونين العرب، الذين كانوا لا يتصادمون مع عموم شارع عربي لم يهتم كثيراً بشأن المد الشيعي، بقدر انشغاله بقضايا قومية مثل تحرير فلسطين ومواجهة الصهاينة.

بمجرد أن تحرك الشعب السوري ضد نظام الأسد الذي يعتبر العمود الفقري لهلال شيعي يجسّد المشروع الصفوي الإيراني في المنطقة، تحرك أيضاً المتصفونون تحت شعارات مختلفة، ففي الدول التي تعرف هيمنة إيرانية مثل لبنان، والعراق بعد سقوط نظام صدام حسين، وحتى بعض المناطق في اليمن أو البحرين، كان لهؤلاء رؤيتهم الدينية الواضحة في دعم نظام الأسد. إلا أنه في الدول التي لا تعرف الوجود الشيعي الإيراني ظل هؤلاء يبررون دعمهم للأسد بسبب ما سميت المؤامرة على نظام يوصف –زوراً- بالمقاوم والممانع. وهذا يظهر كثيراً على المستوى الرسمي، سواء في إيران أو مع “حزب الله” اللبناني، من خلال خطابات خامنئي وحسن نصر الله في إطار سياسة المخادعة التي آتت أُكلها في مراحل سابقة.

المتصفونون العرب يتجاهلون أن إيران أحكمت قبضتها على سوريا عبر نظام الأسد من حافظ إلى بشار، ولما شعرت أنه يتهاوى حرّكت بكل طائفية مليشيات تكفيرية وإرهابية مثل “حزب الله” و”أبو الفضل العباس” و”الحرس الثوري” و”عصائب الحق” وغيرهم، وبررت تدخلها في المناطق الشيعية بحماية ما تسميه المراقد المقدسة، وهذا لدغدغة مشاعر المتدينين الشيعة. أما في دول عربية أخرى فبررت ذلك بالمقاومة والتصدي للمؤامرة، وهكذا حسب طبيعة المكان تبرر تحركها العسكري ضد الشعب السوري، ولكنها في الأصل تريد الحفاظ على نظام بشار الأسد الذي يعني سقوطه انكسار الهلال الإيراني من وسطه، ونهاية حلم الخميني بأن يرفرف علم إيران في عمان والرياض ودمشق والقاهرة والجزائر وغيرها.

للأسف نجحت إيران ذات التوجهات القومية الفارسية البحتة المغلفة بالتشيع المزعوم، أن تجعل العرب الشيعة يقتلون العرب السنّة، ويدمرون أوطانهم في سوريا والعراق ولبنان واليمن وحتى البحرين، وحلمها أن يصل ذلك إلى السعودية والجزائر والكويت ومصر والأردن وغيرها. كما نجحت أن تصنع تيارات من المتصفونين العرب الذين لا يتكونون من المتشيعين فقط، بل أيضاً من القوميين العرب الذي يدعمون إيران عبر وقوفهم مع نظام بشار الأسد وهو يقود مذبحة ضد الشعب السوري، ويبررون مواقفهم بشعارات المقاومة والممانعة التي نجحت إيران في احتكارها بين عوام المسلمين بسبب الفراغ السني الواضح الناتج عن الغياب العربي والإسلامي خصوصاً على المستوى الرسمي. حتى الليبراليون والعلمانيون العرب انحازوا للنظام السوري الذي يوصف بأنه آخر قلاع العلمانية في العالم العربي، وهو ما ورد على لسان بشار الأسد في حواره مع تلفزيون روسيا اليوم في أغسطس/آب 2013، على الرغم من الشعارات الدينية والطائفية التي يرفعها الشبيحة والمعممون في الدفاع عنه.

بخطاب الممانعة والمقاومة الذي تتبناه إيران في سوريا، نجحت في تخدير المتصفونين العرب لحد بعيد، مع أن نظام بشار صار تحت الحماية الروسية التي هي قلعة صهيونية بامتياز، وتفادي المجتمع الدولي إسقاطه كان بدعم اللوبي الصهيوني في أمريكا وأوروبا، وهذا ما يفضح زيف ممانعته، بل إن امتلاكه لسلاح كيمياوي ثم تسليمه ورضوخه التام للغرب من أجل البقاء في الحكم، كل ذلك يثبت أن المقاومة مزيفة، وإيران هي حليف استراتيجي للصهاينة لا يمكن أن يستغني أحدهما عن الآخر.

إيران تبيد الأطفال في سوريا، وتغتصب النساء وتقتل المواطنين عبر مليشيات “حزب الله” وغيره، إلا أن المتصفونين العرب لا يزالون يدعمون هذا النظام تحت مزاعم مختلفة ثبت زيفها كما تقدم ذكره.

لقد عرّت سوريا هؤلاء المتصفونين الذين لم تكن المقاومة عندهم سوى مجرد شعارات طنانة ورنانة لا تقدم ولا تؤخر شيئاً، بل الحقيقة أن الصفويين يخدمون المشروع الصهيوني بكل تفان وإخلاص. إذ إن إيران تقوم بتدمير الدول العربية في المنطقة لتهيئة المجال للدولة الإسرائيلية الكبرى الممتدة من الفرات إلى النيل.

خدعت إيران المتدينين العرب بالتشيّع لآل البيت رضي الله عنهم، وخدعت القوميين بشعارات المقاومة والممانعة وقلعة الصمود والتحدي، وللأسف قليل منهم انتبه إلى أن المشروع الإيراني قومي فارسي بحت، يريد القضاء على القومية العربية التي يزعمون الدفاع عنها. وخدعت العلمانيين والليبراليين بشعاراتها عن نبذ الطائفية وعلمانية النظام السوري، مع أن إيران التي تدافع عنه دولة دينية يتحكم فيها رجال الدين المعممون فقط.

لقد نجحت الثورة السورية في فضح محور المقاومة المزعومة، وظهرت أنها مجرد كيان يخدم الدولة العبرية، ونجحت بأن كشفت عورات “حزب الله” وزعيمه حسن نصر الله، الذي كان يتغنى بمقاومة “إسرائيل”، وبمجرد أن ثار السوريون تحرك نحوهم بطائفية مطلقة ومقيتة، وراح يقترف المجازر القذرة، بل حتى مقاومته المزعومة انتهت منذ يوليو/تموز 2006 ولم يعد له مجال لمواجهة “إسرائيل” بعدما صارت الأمم المتحدة تحمي شمالها بقوات “اليونيفيل” وعلى حساب المجتمع الدولي، وهذه أكبر خدمة قدمها نصر الله للصهاينة بخدعة المعركة مع العدو وتحرير لبنان. وهي الخدمة نفسها التي قدمها حكم عائلة الأسد منذ سنوات على جبهة الجولان التي توجد بها قوات حفظ السلام الأممية. وهي الخدمة التي سيقدمها السيسي مستقبلاً في صحراء سيناء حين تحط فيها القبعات الزرق، ولم تبق إلا جهة الأردن، وبذلك تكون “إسرائيل” تحمي حدودها على حساب المجتمع الدولي وليس على حساب اقتصادها.

لقد ظهر الصفويون على حقيقتهم، وبان خطر المتصفونين العرب مع ثورة سوريا، وتوجد بعض الدول التي استيقظت لخطر المد الإيراني تحت غطاء التشيع، وتوجد دول أخرى لم تهتم أصلاً بذلك، ولا تزال تغرق حتى أذنيها في مخططات إيران ولن تستيقظ إلا بعد فوات الأوان، وحينها تكون الضريبة أكبر بكثير مما دفعته سوريا في معركة التحرر من الهيمنة الإيرانية، التي بدأت مع وصول حافظ الأسد للحكم ولا تزال مستمرة بدعم دولي منقطع النظير… وللحديث بقية.

 

الخليج أونلاين – أوت 2014

المصدر

أنور مالك يكتب للخليج أونلاين: لعبة الإرهاب التي ستحرق بشار الأسد!

أغسطس 16, 2014

أنور مالك يكتب للخليج أونلاين: لعبة الإرهاب التي ستحرق بشار الأسد!

‏لما وصلنا حمص صباح يوم 2011/12/27 في إطار بعثة مراقبي الجامعة ‏العربية، حرص المسؤولون في المحافظة والجيش والمخابرات على إقناعنا بأن ‏ما يحدث حينها في بابا عمرو هو مجرد “إرهاب”. وأن ما ينقله الإعلام عن ‏محاصرة الحي وقتل المواطنين فيه هي افتراءات من جهات متآمرة على سوريا ‏على حد زعمهم. بل وصل إلى درجة أنهم يتّهمون بعض وسائل الإعلام وعلى ‏رأسهم قناة الجزيرة القطرية بفبركة الأحداث وتصوير المقاطع في أماكن مجهولة ‏خارج القطر السوري.‏

لقد حرص محافظ حمص اللواء غسان عبد العال من خلال ما أعده من مشاهد ‏وخرائط بحضور جهاز المخابرات وقيادات من الجيش، أن يقنعنا بسيطرة تنظيم ‏‏”القاعدة” على حي بابا عمرو وهو من يحرق أنابيب الغاز ويدمر المنشآت ‏والسكك الحديدية، وأن المواطنين أسرى عنده فقط، بل إنهم يتريثون في التدخل ‏العسكري وتحرير هذا الحي الذي شغل العالم لتفادي سقوط ضحايا أبرياء من ‏المدنيين رغم عدوان الجماعات المسلحة على مراكز الأمن والجيش!‎

حتى وسائل الإعلام التي التفّت من حولنا بعد عودتنا من زيارة الحي برفقة ‏رئيس بعثة المراقبين، كانت أسئلتهم كلها تتعلق بالمسلحين وهويتهم وعن ‏الأجانب الذين يتواجدون بينهم وعلاقاتهم مع تنظيم القاعدة وأيمن الظواهري. بل إن المواطنين في أحياء موالية استقبلوا المراقبين بلافتات تتعلق في أغلبها ‏بالإرهاب. حتى في لقاءات جمعتني شخصياً مع وزير الداخلية اللواء محمد ‏الشعار والعماد آصف شوكت صهر الرئيس بشار الأسد الذي كان في حمص ‏يقود معركة النظام ضد ثوار بابا عمرو وباب السباع وغيرهما. جرى التأكيد من ‏طرفهما عدة مرات على أن سوريا تواجه إرهاب القاعدة وأنه لا توجد ثورة ‏شعبية بل جماعات مسلحة قدمت من الخارج بتسهيل ودعم من تركيا والسعودية ‏وقطر.‏

التفاصيل كثيرة بخصوص هذا الأمر، لكن السلوك الذي لمسناه هو الحرص من ‏المسؤولين على التسويق عبر بعثة الجامعة العربية لفرضية الإرهاب، وتأكدت ‏شخصياً من خلال عملي أن المخابرات السورية وبأوامر عليا عملوا كل ما في ‏وسعهم من أجل أن يكتب المراقبون في تقاريرهم اليومية أن ما يحدث في سوريا ‏هو بسبب تسلل عناصر من القاعدة فقط.‏

بلا شك إن هذا التسويق للإرهاب يخدم نظام بشار الأسد، ولذلك تمت الموافقة ‏على دخول بعثة المراقبين، فهو يدرك أن المجتمع الدولي سيغير ممارساته تجاه ‏الثورة وأيضاً الدول العربية التي لديها حساسية مفرطة مما عانته من تنظيم ‏القاعدة كالسعودية. ولن تقف مكتوفة الأيدي وستوقف دعم الثورة الشعبية لأنها ‏ليست كذلك بل مجرد إرهاب يهدّد المنطقة والعالم برمته كما تحدث به حتى ‏بشار الأسد في خطاباته الأولى.‏

لا يوجد تعريف دولي دقيق لمصطلح الإرهاب وكل جهة تسوق له وفق ما يخدم ‏أطروحاتها، وهذه الثغرة القانونية التي وجدها نظام بشار الأسد دفعته للعمل ‏إعلامياً على التسويق للإرهاب بالتوازي مع ممارسته على الشعب من خلال رد ‏الفعل الأمني الوحشي على كل من يتجرأ على المطالبة بإصلاحات فقط وليس ‏رحيل النظام. هذا الإرهاب وقفنا عليه في إطار بعثة مراقبي الجامعة العربية من ‏خلال القتل العشوائي والقناصة واستعمال الهاون والتعذيب في السجون، ويوجد ‏الكثير الذي لم نتمكن من الوقوف عليه بسبب التعتيم والتضليل الممارس على ‏البعثة من قبل المخابرات.‏

النظام السوري لجأ إلى سياسة السيارات المفخخة وسبق وصول المراقبين تفجير ‏في دمشق والأمر نفسه بالنسبة لمراقبي الأمم المتحدة، حيث استقبلهم النظام ‏بتفجيرات أدت إلى سقوط المدنيين وتفحم الجثث. الإرهاب الذي مارسه الجيش ‏وأجهزة الأمن ضد المتظاهرين السلميين كان بهدف دفعهم بالقوة إلى استعمال ‏القوة المضادة، وهذا ما كان يريده بشار الأسد ليؤكد أن القضية تتعلق بالإرهاب ‏وليست ثورة شعبية ضد نظامه الحاكم.‏

يجب أن نؤكد على أمر هام أن الشعب السوري حافظ على سلمية ثورته عدة ‏أشهر ولكن الإرهاب الذي مارسه النظام لا يمكن أن يصبر عليه أحد، حيث ‏يغتصب النساء أمام ذويهم ويفرض سلوكيات غير أخلاقية لا يمكن تخيلها، وتجد ‏القناصة يقتلون الأطفال ويختطفون المواطنين ويعذبونهم بما لا يوصف. كل ذلك ‏فرض على الثورة من خلال المنشقين العسكريين إلى الدفاع عن نفسها. وكان ‏هذا المؤشر الذي أراده بشار الأسد الذي لم يفكر حينها في حل سياسي مع هؤلاء ‏بعيداً عن العقلية الأمنية الإرهابية التي ستصنع الإرهاب حتماً وتدمر البلاد.‏

لم يقتصر الأمر على ذلك، بل لجأ بشار إلى صناعة جماعات موازية مارست كل ‏أنواع الإرهاب تحت شعار الثورة، وفتح المجال عبر الحدود لتسلل المقاتلين ‏الأجانب الذين هالهم ما يسمعون ويشاهدون من جرائم في حق المواطنين العزل. ‏لم يتوقف الأمر عند حد التسويق للإرهاب الذي يمارسه النظام من خلال مشاهد ‏الموت، بل أدخل تنظيمات طائفية إرهابية متطرفة مثل “حزب الله” وجماعات ‏أخرى من العراق وإيران، وهذا كله لخلط أوراق الثورة وصناعة الإرهاب في ‏الطرف الآخر خصوصاً.‏

تجلت سياسة إغراق الثورة السورية في الإرهاب عبر تسريبات استخباراتية ‏عن اجتماع أمني حضره مسؤولون من المخابرات الإيرانية ومخابرات “حزب ‏الله” ومخابرات العراق في منتصف 2012، تناول المجتمعون قضية طرحها ‏الأمين العام للحزب حسن نصر الله وتتمثل في تسهيل وجود “تكفيريين” في ‏المشهد السوري، وهذا كي ينجحوا في رفع الضغط على نظام بشار الأسد ‏ويحوّلوا الأحداث من ثورة شعبية ضد نظام مستبد إلى مجرد “إرهاب” يحاربه ‏المجتمع الدولي. وتم الاتفاق في تلك المرحلة على تسهيل دخول تنظيم الدولة ‏الإسلامية في العراق، واقترحت المخابرات العراقية رفع الحراسة عن الحدود ‏وتسهيل الفرار من السجون العراقية التي يقبع فيها حوالي 2000 مقاتل من ‏التنظيم، وهذا الذي حدث بالفعل لاحقاً.‏

لقد مارس نظام بشار الأسد الإرهاب ثم سوّق له، وبعد ذلك صنعه سواء ‏بجماعات استخباراتية موازية أو من خلال تسهيل دخول جماعات مدرجة دولياً ‏في قوائم الإرهاب المخترقة إيرانياً. وهذا كله في إطار سياسة أمنية ممنهجة، ‏وتتمثل في إغراق الثورة بالتطرف حتى يكسب الشرعية ولو كانت مؤقتة في ‏إطار سياسة ربح الوقت المعروفة.‏

لا توجد تنظيمات متشددة غير مخترقة، ولا توجد تنظيمات متطرفة لا تخدم ‏أجندة ما، سواء عبر شعاراتها أو من خلال أفعالها عن علم أو جهل. وهذا ما ‏استفاد منه بشار الأسد وإيران كثيراً. فقد أدخلوا التكفيريين من “حزب الله” ‏والحرس الثوري وكتائب “أبو الفضل العباس” وغيرهم، وذلك حتى تظهر للعلن ‏كتائب تكفيرية أخرى مضادة في صفوف المعارضات، فقد كان رجال المخابرات ‏يقرّون أن العنف سيولد العنف والإرهاب يصنع الإرهاب أيضاً، وهذا تأكد في ‏تجارب سبقت ما يجري في سوريا.‏

المجتمع الدولي بلا شك كان يعرف ذلك ويدرك جيداً أن عمر الثورة كلما طال ‏كلما صومل سوريا وأفغنها، ولكن بقي متفرجاً لأسباب استراتيجية، منها ما يتعلق ‏بأمن إسرائيل، ومنها ما يتعلق بصناعة بؤر نزاع تكون محرقة للشباب المتدين ‏من العالم العربي والإسلامي. كما أن ذلك يطيل عمر سياسة “الحرب على ‏الإرهاب” التي تحافظ على النفوذ الغربي وتحمي مصالح أمريكا بالمنطقة عن ‏طريق العصا الغليظة والقواعد العسكرية.‏

بلا شك إن المشهد الثوري السوري قد أفرز تنظيمات متشددة حيث نجد القاعدة ‏ومشتقاتها، ولكنه جاء كنتيجة استخباراتية وحتمية واقعية فرضتها ممارسات ‏إيران وروسيا عن طريق نظام بشار الأسد. وكل ذلك لا تتحمله ثورة الشعب ‏السوري الذي دفع الثمن غالياً بل تتحمله المنظومة الدولية التي أرادت أن يصل ‏وضع سوريا إلى هذه المرحلة التي حققت فيها إسرائيل أكثر مما حلمت به، فقد ‏دمرت البنى التحتية والقدرات العسكرية السورية ونزعت السلاح الكيماوي من ‏نظام صار في حكم المنتهي، حتى لا تبقى هذه الأسلحة في سوريا بحوزة نظام ‏جديد قد لا يكون الحارس الأمين على حدود إسرائيل، مثلما ظل نظام الأسد على ‏مدار نصف قرن تقريباً.‏

الإرهاب صنعه بشار الأسد بدعم إيراني وروسي وغيره، ثم مارسه في حق ‏الشعب السوري، ولعبه على المستوى الإقليمي والدولي، وذلك كله من أجل ‏حماية نظامه المتهالك من النهاية، ولكن تقديراته الأمنية والاستخباراتية كانت ‏خاطئة ولن تحقق له ما أراده، بل ستحرقه وفي الوقت المناسب الذي تريده القوى ‏العظمى، لأن لعبة الإرهاب لم تبق بين يدي بشار الأسد كي يلعب بها، بل صارت ‏في أيادٍ أخرى تتحكم فيها، وحددت وقت النهاية على مقاس إسرائيل حتماً… ‏وللحديث بقية.

 

الخليج أونلاين – أوت 2014

أنور مالك يكتب للخليج أونلاين: غزة تفضح “المتصهينين” العرب!

أغسطس 16, 2014

أنور مالك يكتب للخليج أونلاين: غزة تفضح

العدوان على غزة هذه المرة يختلف عن الحالات التي سبقت من قبل، وستحدث تحولات في المرحلة القادمة بلا أدنى شك، بعدما فاجأت المقاومة مخابرات العالم بقدراتها العسكرية الذاتية الخارقة مقارنة بما كانت عليه من قبل. لقد جاء هذا العدوان في ظروف استثنائية يمرّ بها العالم العربي في ظل الثورات الشعبية التي هزّت أركان أنظمة فاسدة ومستبدة. كما جاء أيضاً مع موجة ثورات مضادة بدأت في مصر، حيث انقلب وزير الدفاع الجنرال عبد الفتاح السيسي على الرئيس المدني المنتخب محمد مرسي، ثم تمددت نحو ليبيا من خلال الجنرال حفتر، وحاولت أن تجد لنفسها موطئ قدم في تونس، ولكنها لم تفلح، لحد الآن على الأقل. أما سوريا فهي تعيش ثورة مضادة دولية وموازية لثورتها الشعبية قبل سقوط نظام بشار الأسد رسمياً.

لم تقتصر دماء الشعب الفلسطيني في غزة على فضح الخذلان العربي المتعارف عليه، سواء على مستوى الدول العربية أو جامعة القاهرة، التي تسمى مجازاً “الجامعة العربية”، بل هذه المرة كشفت التواطؤ العربي مع الصهاينة، وتجلّى ذلك في لجوء بعض الحكام إلى تصفية حساباتهم الإيديولوجية والسياسية مع “الإخوان”، ليس في مصر فقط، التي هي مجاورة لغزة وتشارك في حصارها، بل في غزة نفسها، ذلك أن حركة حماس تحسب على هذه الجماعة، لذلك من حرّضوا السيسي ودعموه على أن يشرب من دماء المصريين في رابعة العدوية وغيرها، الآن يحرّضون – بطرائق مختلفة – “إسرائيل” على أن تدفن في الأنفاق المقاومة الفلسطينية المتكونة من فصائل عديدة يريدونها أن تدفع الثمن غالياً بسبب تحالفها مع حماس في الدفاع عن الأرض والعرض.

العدوان على غزة، وبوتيرة أكبر مما كان عليه الأمر في نهاية 2008 وبداية 2009، أظهر هذه المرة بعض الأصوات من المحسوبين على الليبراليين والعلمانيين، حتى السلفيين، وهي تحمّل حركة حماس المسؤولية في ظرف نرى فيه غزة تحترق بصواريخ الصهاينة التي تدكّ البيوت على رؤوس المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ ومرضى وعجزة. هؤلاء الذين تصهينوا أكثر من الصهاينة، وجعلهم خلافهم مع “حماس” بسبب الإخوان يتحوّلون إلى أعداء، يزايدون في عداوتهم على بني صهيون. فيوجد من يتّهم حماس بأنها تحرشت بإسرائيل، ويوجد من يحمّلها مسؤولية كل ما يحدث، ويرددون أسطوانة الصهاينة حرفياً في أغلب الأحيان. الغريب أن هذا الكلام يأتي من أطراف لا تعترف أصلاً بالكيان العبري وتراه محتلاً، لذلك من المفروض أنه لا مجال للتحرش الذي يدّعونه، ما دام الأمر يتعلق بمحتل وليس بدولة جوار، فلا بد للشعب الفلسطيني أن يقاوم، ولا بد لكل من يؤمن بقيم التحرر وحق الشعوب في تقرير مصيرها أن يساند أهل غزة، ولو كانت “إسرائيل” ترشّهم بالورود وهم يردّون عليها بالبارود، لأن القضية تتعلّق بالاحتلال، والمحتل يبقى محتلاً، سواء فعل الخير أو الشر كعادته.

لم يقتصر الأمر على بعض الأنظمة العربية، بل كشفت مواقع التفاعل والتواصل الاجتماعي مدى التصهين العربي، وتأكد من خلال ما نقرأ من كتابات أن “إسرائيل” تحتل مساحة أرضية قليلة، لكنها احتلت مساحات شاسعة لا حدود لها في العقول العربية، وتحريرها يحتاج لثورة فكرية طويلة المدى. لقد تأكد للعيان أن هؤلاء المتصهينين العرب لو كانوا في بداية بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام لاتهموا المسلمين بالتحرش بقادة قريش لما أمرهم ربّهم أن يصدحوا بما يؤمرون، ولو حضروا تعذيب آل ياسر لاتهموا أول شهيدة في الإسلام رضي الله عنها بـ”التحرّش” بأبي جهل، الذي بقر بطنها بعدما بصقت في وجهه.

الأمر لم يبق في دائرة التصهين من عموم الناس عبر التفاعل الاجتماعي في مواقع الإنترنت، بل تعدى إلى إعلاميين و”مثقفين” وبعض وسائل الإعلام العربية التي صارت عبرية أكثر من قنوات نتنياهو، فهذه تسمي شهداء غزة بالضحايا، وتلك تدس السم في الدسم من خلال أخبار كاذبة موجهة تحاول من خلالها تبرير جرائم الصهاينة وتحريضهم بطرائق مختلفة. وأخرى تأتي بمحللين أمنيين وسياسيين يدافعون عن مبادرات لا هدف لها سوى نزع سلاح المقاومة الفلسطينية، حتى تتحول إلى مجرد قطيع من المواشي يذبحهم الصهاينة في وضح النهار!

الغريب أن الكثيرين لم يجدوا ما يبرّرون به جرائم غزة سوى فرضية وجود علاقة بين حماس وطهران، ولا أحد من هؤلاء يحمّل الدول العربية والإسلامية مسؤولية التخلي عن هذه المقاومة، وجعلها ترتمي في أحضان الشيطان من أجل الحفاظ على وجودها، إن كان ما يقال عن إيران صحيحاً طبعاً.

الأغرب من كل هذا أنه يوجد من جعل حملات فضح التصهين العربي مجرد حركة تكفيرية، وآخرون يرونها تخويناً، ويوجد من يدافع عن حقه في حرية التعبير والرأي المخالف. مع أن الذين يحمّلون المقاومة المسؤولية وهي تقاوم أبشع عدوان، لا يشبههم سوى مَن وجد امرأة تغتصب في بيتها، وبدل أن يدافع عنها ويدفع هذا الغريب المغتصب، تركه يواصل عمليته القذرة، وراح هو يلومها على تحرشها بلباسها أو زينتها، وهي تستغيث به. وهذا لا يوجد له أي وصف في الاصطلاحات العربية المعروفة، سوى أنها “دياثة” ستلاحق صاحبها إن كان حياً أو ميتاً.

القضية في غزة وسوريا ليست وجهات نظر يُختلف فيها بين الناس، بل القضية تتعلق بجرائم ضد الإنسانية، وحرب إبادة يمارسها المحتل الصهيوني والغزو الصفوي، وكل من يبرّر هذه الجرائم، سواء بالقول أو الفعل، يجب أن يحاسب كمجرم أيضاً، ولا يجب أن يفلت من العقاب. القضية تتعلق بالعدالة الدولية وليس بحرية التعبير والرأي، وعندما يلقى القتلى عقابهم، رغم واقع الإفلات من العقاب الذي صار عقيدة راسخة تهيمن على المجتمع الدولي، حينها يمكن أن نتناقش فكرياً واستراتيجياً وتاريخياً عن حرب غزة وسوريا وعلى كل المستويات. وطبعاً من حق كل واحد أن ينتقد حركة حماس وفصائل المقاومة، أو يشيد بها، لكن ليس في أثناء مواجهة العدوان على غزة، فالأَولى صد الجلاد وليس نقد الضحية، مهما كانت أخطاؤها، وبعدها لكل حادث حديث. فلسنا ضد الانتقاد، ولكن عندما يتحول الأمر إلى انتقام، كما يحدث، فهذا جريمة لا يمكن أن يوصف أصحابها إلا بالمتصهينين مع سبق الإصرار والترصد.

أجزم أن الكثيرين من المتصهينين العرب يتبعون حكامهم فقط، فلو غيّر هؤلاء الحكام مواقفهم نحو دعم المقاومة، فستجدهم، إن كانوا متدينين، يفتشون في الكتاب والسنّة على حروف الحاء والألف والسين كي يشيدوا بحماس، وسيطوون لأجلها أعناق النصوص الشرعية. وإن كانوا ليبراليين وعلمانيين سيختلقون النظريات والأخبار التي تجرم الصهاينة وترفع من شأن المقاومة. لذلك، التصهين العربي ليس ظاهرة عابرة ولا هو “ائتلاف إقليمي مع إسرائيل” فقط، على حد تعبير حكومة نتنياهو، بل هو داء عضال ينخر في القيم الإسلامية والعربية، والذين يدافعون عنه لأنه يخدم مصالحهم، سيأتي عليهم يوم ويشربون العلقم من أقداح هؤلاء الذين يؤجرون أفواههم وأقلامهم ومناصبهم، ويحاولون التقرب من عدو يحتقرهم بلا شك.

أخيراً، وليس آخراً، تستحق غزة كل الشكر، رغم الدماء والدموع التي تهزّ الجبال الراسيات، لأنها فضحت التصهين العربي من خلال هؤلاء الذين يحلبون نهود أخواتهم وبناتهم على مرأى الأعداء وفي أقداحهم أيضاً، وهؤلاء صاروا يحتاجون إلى العلاج النفسي قبل الوقوف أمام القضاء، كي يعاقبوا على جريمة الإشادة بالإرهاب والتحريض على الجرائم ضد الإنسانية.

 

الخليج أونلاين – أوت 2014


Bottom