عن المطالبة بالإعتذار ونشاطات تجريم الإستعمار

2010/03/29

عن المطالبة بالإعتذار ونشاطات تجريم الإستعمار

عمود أسبوعي يكتبه انور مالك لمرايا بريس المغربية

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الإعتذار الذي وجب أن يقدمه المستعمر للدول التي كانت ضحيته، كما راج الحديث أيضا عن ضرورة تفعيل قوانين تجرّم الإستعمار وتعاقبه على ما إقترفه في حق البلاد والعباد. في الحقيقة أن مثل هذا الطلب لا غبار عليه وهو مشروع ومباح ومن أوجب الواجبات التي تفرضها كل الشرائع والأعراف، لأن فعل الإستعمار والإحتلال هم عمل غير أخلاقي ومنافي لكل المعايير والقيم الإنسانية. وفي الوقت نفسه أن العمل من أجل تجريم مستعمر الأمس واليوم والغد هو نشاط محمود ورائع ولا يمكن ذمه لا من قريب ولا من بعيد.

غير أن المناخ الذي يتحرك فيه هذا العمل والأطر التي تحكمه والجو السياسي الذي تتم فيه الديناميكية غير المعهودة لجعل تجريم الإستعمار هو الأمر الذي وجب أن نقف عند حدوده الحمراء، هو الذي نرى من الضرورة التحدث فيه ولو كان الأمر علقما في اللسان ووجعا في الأعضاء وكمدا في القلب وغصة في الحلق…

فعندما تتحرك أطراف وفي ظرف محكوم بشدّ ومد بين مستعمر الأمس وحتى اليوم وبين أنظمة هي في الأصل ربيبة هذا المستعمر، فالأمر مجرد ديكور لتصفية حسابات أو من أجل تبادل اللكمات السياسية في حلبة يعرفها أصحابها ولا يدرك منها عموم الشعب شيئا، بسبب التعتيم والإحتيال العابر بالقارات.

في 15/04/2008 جمعتني حلقة من برنامج “الاتجاه المعاكس” على قناة الجزيرة القطرية حول الموضوع نفسه وهو الذي أعيد لاحقا مع غيري، وكان مناظري هو الدكتور جهيد يونسي مرشح الرئاسيات الأسبق في الجزائر، والذي كان حينها الأمين العام لحركة الإصلاح الوطني، وهي الحركة التي أسسها زعيمها التاريخي عبدالله جاب الله ولكن تم الإنقلاب عليه ومن ثمّة صارت الحركة التي كانت تتحرك في إطار تجريم الإستعمار إلى ما يشبه السبات السياسي وبلا شك ستركض نحو متحف تسكنه حركة النهضة التي بدورها أسسها عبدالله جاب الله وجرت معها القصة نفسها، التي تنسج فصولها في مخابر وزير الداخلية يزيد زرهوني.

لقد رفضت في تلك الحلقة المثيرة والمهمة ما تقوم به حركة الإصلاح الجزائرية لأنني كنت على يقين أن الإحتلال الداخلي هو الأولى بالتجريم، فعندما نقوم بترتيب بيتنا الداخلي ويحدث إحقاق الحق وإرساء دعائم العدالة وتمكين الديمقراطية القوية حينها يمكن أن نزحف لاحقا على فرنسا الإستعمارية التي فعلت ما يندى له الجبين في حق آبائنا وأجدادنا رحمهم الله جميعا. ولكن لما نجد أنفسنا تحت رحمة أنظمة بائسة وعاجزة تمارس أبشع ما مارسه الإستعمار في الأمس القريب أو البعيد فإن ذلك يحولنا إلى مسخرة لدى الرأي العام المحلي والدولي. فحكامنا الذين يريدون أن يجبروا فرنسا على الإعتذار لا يجري علاجهم إلا بمستشفيات باريس لأنهم لا يثقون في أطباء بلادهم الذين تجدهم يشيدون بهم في العمليات الإنتخابية أو الممارسات السياسية الأخرى عبر وسائل الإعلام، ولكن عندما يتعلق الأمر بصحتهم وصحة زوجاتهم وبناتهم وحتى عشيقاتهم فلا يثقون فيهم ولو كان الأمر يتعلق بدوار سببته التخمة في فنادق والإقامات الأمنية الفاخرة.

حكامنا الذين يريدون أن يجبروا فرنسا على الإعتذار وطبعا يتبجحون بذلك لما يكونون في بلادهم وعبر قنواتهم الخاصة والعامة، ولكن عندما يذهبون إلى الإليزيه فالأمر غير ذلك بكثير، بل يجعلون من مطالب الإعتذار أو حملات التجريم مجرد جعجعة في طحين وسخافات أحزاب مجهرية. هؤلاء الحكام ممتلكاتهم وأموالهم وعقاراتهم كلها في فرنسا، بل أن أبناءهم وبناتهم يدرسون ويعملون في باريس، ولا يمكنهم أبدا أن يجازفوا بمستقبلهم من أجل الذاكرة والتاريخ و”الكلام الفارغ” على حد تعبير أحدهم.

حكامنا الذين يريدون تجريم الإستعمار في أغلبهم يقفون وراء الشركات العملاقة الفرنسية وغيرها التي زحفت نحو أراضينا لتنهب الخيرات وتجني الأموال الطائلة التي هي عصب الحياة وشريانها، ويوجد منهم من تورط في رشاوى أو اخذ عمولات محرمة أو مكّن هذه الشركات من صفقات مشبوهة طالها الفساد والمنكر. في حين شعوبنا تعيش أسوأ الظروف وتقتات من المزابل والقمامات وبينهم من صار يتغذى من النخالة التي كانت في عهد المستعمر الفرنسي طعام الكلاب الضالة.

حكامنا الذين يريدون تجريم الإستعمار قد وصلوا للحكم وخلدوا فيه وبدعم من مستعمر الأمس، ولولا مؤسسات ومخابرات وإعلام ذلك المستعمر ما لبثوا في الحكم لحظة واحدة، بل تستطيع أجهزة الحكم الغربية أن تحدث إنقلابا في دواليب الحكم عن طريق جمعية حي مهمتها رعاية الدجاج وحماية حقوق الفئران، في حين لما ينتفض المربون والأطباء لأجل حقهم في الخبز والعيش المتواضع، يقابلون بالهراوات والعصا الغليظة والقنابل المسيلة للدموع.

حكامنا الذين يريدون إدانة المستعمر وتجريمه ومعاقبته، تجدهم في فنادق وإقامات فاخرة في أرقى أحياء باريس ولندن وواشنطن يغرقون في الدعارة مع شقراوات الغرب اللواتي في أغلبهن ممن يعملن لحساب الأجهزة ومجهزن بأحدث التكنولوجيات التي تنقل لمراكز تصنت، ما يجري بالصوت والصورة من سقوط ونواح وهستيريا الحاكم العاشق على صدر المعشوقة في لحظة شبق عارمة، يقدم بعدها المنتوج الإباحي تحت طاولة مفاوضات على شأن مصيري. بل تجدهم في كازينوهات القمار يعبثون بالمال العام وعلى مرأى عدسات مصورين برتبة جندي في مخابرات العدو.

حكامنا الذين يريدون تجريم مستعمر الأمس هم يدعمون اليوم مستعمرا لا يختلف في إجرامه وجبروته وتسلطه بل ربما أعنف وأشرس وأحقر بكثير، سواء عن طريق السياسة أو المال أو الدبلوماسية أو النفط، وهذا الذي زاد في عمر خنوع شعوبنا تحت نير أنواع مختلفة من محتلين لا يتسلل لقلوبهم أدنى رحمة.

حكامنا الذين يريدون صفع فرنسا أو إيطاليا أو بريطانيا في خيالات الشعارات الإنتخابية، لأنهم قاموا بإحتلال أقطارنا منذ  عهد مضى، هم أنفسهم اليوم الذين يقدمون الدعم سواء في السر أو بالصمت العلني، لأمريكا التي تحتل العراق وتزحف على العالم الإسلامي، أو للصهاينة الذين يبيدون العزل في فلسطين، فالأقصى أمام أعينهم مهددا بالإنهيار والتدمير ولا أحد يتحرك ساكنا لأنهم يغطون في سبات الذل والهوان العميق.

حكامنا الذين عجزا أن يدينوا جرائم الصهاينة في غزّة أو أمريكا في العراق وأفغانستان ولو ببيان فيه حياء عروس بعد فض بكارتها، يمكن أن تصل بهم الجرأة إلى جرّ فرنسا أو بريطانيا أو إيطاليا أو إسبانيا إلى المحاكمة ولو كانت رمزية من طرف جمعيات مدنية رسمية، هذا أمر مستبعد ولا يمكن أن يتحقق أبدا وخاصة في ظل شرعية دولية عرجاء حولاء تبطش بالوجود السوري في لبنان وتخصص بعثات للصحراء الغربية في حين نرى دولا بأكملها ترزح تحت نير الهمجية الإستدمارية فضلا عن جزر المغرب المحتلة إسبانيّا، ولكن لا حياة لمن تنادي !!

لن يكفينا المقام لو إسترسلنا في إستجماع خزي الحكام الذين يتبجحون اليوم بالضغط على مستعمر الأمس بقوانين لن تتجاوز الحبر الذي تكتب به أو نكت النواب على هامش تحرير بنوده، أو ينبحون بتهديدات أخرى مبطنة لا تعرف لدى عموم الشعب لأنها ترتبط بخفايا جمعت هذا وذاك. ولكن مادام الذي يريد تجريم الإستعمار من طينة من ذكرنا فسيرفضه الشهداء لو يعودون، لأن دمهم مقدس ولا يمكن أن يساوم عليه من طرف مرتزقة يبيعون الأوطان في أسواق النخاسة لأجل فروجهم وبطونهم ولعابهم.

أنا حفيد شهيد وأعتز بذلك كثيرا، وجدي الشهيد قتل تحت التعذيب في سجن فرنسا الإستعمارية، ولي عائلة كبيرة فيها الشهداء وكل أنواعم المقاومات الشريفة والعملاقة، لا يمكن أبدا أن أقبل متاجرة جماعة فلان أو عصابة علان لأجل مصلحة حزبية ضيقة، بتراث وتاريخ أجدادي العظام. أقول هذا ليس شفقة على فرنسا الإستعمارية والإجرامية بل حبا لهؤلاء الذين يراد إغتيالهم وإنهاء نضالهم وبطولاتهم مع سبق الإصرار والترصد، في اعتذار شفهي لن يتجاوز الحناجر وما يزيد الأنظمة الفاشلة إلا طول العمر.

لقد هزمنا فرنسا وحررنا أرضنا فلا يمكن أن نلهث وراءها بغزل الحريم لأجل أن تعتذر لنا أو تدفع بعض المال عن طريق صفقات هي في الأصل تخدم المستعمر كما جرى في ليبيا وللأسف الشديد صرنا نعدّ ذلك إنجازا لا مثيل في التاريخ. وطبعا لن تستفيد الشعوب من ذلك المال أبدا وسيذهب نحو بنوك سويسرا وتحت أسماء مفسدين ولصوص لا يؤتمنون حتى على أعراضهم فضلا عن أعراض غيرهم.

لن يتحقق اعتذار فرنسا أو أي محتل آخر وأرضنا لا تزال محتلة ومختلّة ومعتلّة ومنحلّة، ولن يتحقق ذلك على يد برلمان لا شرعية له، لأن الشعب قد رفض أن ينتخب عليه، بل لن نصل لشيء ونوابنا أقاموا حرب داحس والغبراء على أجورهم ومزاياهم وليومنا هذا لم نسمع منهم أن أحدهم تجرأ على محاولة حجب الثقة في وزير حدثت كارثة في قطاعه وما أكثر الفضائح التي نعرف وما أخطر التي لا نعرف.

لقد أحسست بمرارة وأنا أعبر عن مكنونات نفسي الجريحة في هذا الموضوع وأضطر أن أوقف الحديث فقد أصاب بجلطة دماغية وخاصة أنني رأيت العجب العجاب في باريس ممن هم يريدون تجريمها… وللحديث بلا شك بقية.

مرايا بريس 21/03/2010

Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom