لا تحزن أيها المخزن

2010/08/13

لا تحزن أيها المخزن

بعد الحملة المغربية المكثفة على الشروق والكاتب: أنور مالك يرد على صحافة المخزن/

كما توقعت، وعبر صحف مختلفة يشنّ المخزن المغربي منذ أيام، حملة على الجزائر، من خلال شخصي المتواضع وجريدة “الشروق”، والسبب يعرفه القاصي والداني، هو ذلك السبق الصحفي الكبير، المتمثل في التحقيق الذي أنجزته بمهنية عالية ودون نوايا مبيّتة، عن مأساة إنسانية تجري في مدينة “الداخلة” الصحراوية وضواحيها، تحت صمت المجتمع الدولي.

وقد دخلت المدينة الشمّاء في إطار فعاليات ملتقى وصف بالعالمي بمناسبة عيد العرش، يتناول شأن الحكم الذاتي، وهو الهدف الرئيس من ذلك، ولكن غلّف بشأن آخر له أبعاده الواضحة، ويتعلق الأمر بالأمن الإقليمي في المنطقة المتوسطية.

طبعا كان هذا المحور يراد منه كالعادة – وحسب البرنامج الذي تمّ توزيعه – توجيه وتثبيت الإتهامات المباشرة لجبهة البوليساريو، من أنها على علاقة بالإرهاب الدولي، عن طريق ما يسمى “تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي”، وهذا الذي كذّبته وأنا على المنصّة، ولا أحد ممن كالوا ومضغوا هذه الخزعبلات، تجرأ وفنّد ردودي الواضحة والصريحة، أو قدّم أدنى دليل يثبت إدعاءاته المخزية.

لقد هبّت الصحف المخزنية بعدما تلقّت الضوء الأخضر من جهات عليا، بتوجيه إتهامات مختلفة، وراحت تحتال على الشعب المغربي الشقيق الذي يصارع مصاعب الحياة بعيدا عن هذه المعارك التي لا يجني منها أي شيء، وتحاول مخادعته وإشغاله عن همومه الأساسية، بأنني “ضابط مخابرات” كنت في مهمة تجسسيّة لصالح أطراف أجنبية، وما شابه ذلك من إفتراءات أعفّ لساني من الرد عليها أو الإهتمام بها. ولكن المهم في هذا الطيش الصبياني، هو الإعتراف الضمني والواضح من أن منطقة “الداخلة” أمنية للغاية، لا يمكن أن يدخل إليها إلا العملاء ورجال المخابرات الذين يخترقون الجهاز المغربي !!

هل هو صيف الغضب بعد فضح خبايا وادي الذهب؟ !!

يمكن إختزال هذه الحملة القذرة والغضب الصيفي في خمسة محاور رئيسية، ويمكن من خلالها فهم أبعاد رد فعل المخزن القوي الذي راح يخبط خبط عشواء، ويضرب يمينا وشمالا من دون وعي ولا إدراك. ومن هول الصدمة لا يفهم حتى ما تخطّ يداه، وهو الذي ظهر جليا على صدر الصفحة الأولى، وبعنوان بارز في جريدة “العلم” الناطقة بإسم حزب الإستقلال، الذي يتزعمه رئيس الوزراء عباس الفاسي، ففي عددها 21736 الصادر بتاريخ 05 أوت الجاري، كتبت إدارة اليومية تحت عنوان بارز: ” أنور مالك ينقلب 360 درجة عن مواقفه الـمبدئية السابقة”، ولو طرحت الأمر على تلاميذ المدارس الإبتدائية، لأكدوا أن 360 درجة تعني البقاء في النقطة نفسها، والظاهر أن الخلية التي أشرفت على تحرير التقرير، من هول الصفعة الإحترافية التي أنجزتها “الشروق”، ظهر لهم أن رقم 180 درجة لا يشفي غليلهم من الحقد الذي تفجر ضد صحيفة الجزائريين الأولى، وضد شخصي المتواضع، لذلك نفخوه ضعفا فأعادوني إلى حيث أنا دوما وأبدا.

المحور الأول: يتعلق أساسا بصحيفة “الشروق” نفسها، البعض ممن لا يزالون على خلقهم ووفائهم في المغرب الشقيق، أكدوا لي من أن هذا الحقد الذي تجلّى في رد الفعل القوي، يعود أولا وقبل كل شيء إلى الصحيفة التي نشر بها التحقيق، فهي توصف في المغرب، من أنها العدو الأول لـ “الوحدة الترابية”، وكثير من الكلام الجاهز والمعلب الذي لا يمكن أن أردده هنا، أو أنزل لمستواه.

فقد قال لي أحدهم لو أنني نشرت التحقيق في أي صحيفة أخرى في الخارج، ما كان رد فعل المخزن بتلك الطريقة، ولكن “الشروق” تناولت من قبل الكثير من الملفات التي أوجعتهم كثيرا، وكشفت أسرارا من مطبخ المخزن في ملف الصحراء الغربية والعلاقات مع الجزائر، وبلوغ الصحيفة تلك المناطق المحرمة هو جريمة لا تغتفر أبدا، ولن تمرّ مرور الكرام على من كانوا السبب في تسللها، الذي لم تتمكن أجهزة المخابرات ولا العملاء المساعدين أن يرفعوا الراية ويشهروا البطاقة الصفراء أو الحمراء، كما علق أحد المتابعين عبر الفايس بوك.

ولو تصفحنا ما تنشره الكثير من الصحف المغربية عن الشأن الجزائري، لأصابنا الدوار من الهوس الذي تأتي به يوميا، والذي يستهدف أساسا قيم البلاد والعباد… ولا مجال للمقارنة عما تنشره صحيفتنا من حين لآخر، وفي الوقت المناسب.

المحور الثاني: يعود إلى المنطقة التي دخلتها “الشروق”، وطافت فيها بمهنية عالية، وتحت أنظار رجال المخابرات وحمايتهم أحيانا، ومن دون أن يُتفطن لإنجازها الإعلامي المتميز، بالرغم من أنني كاتب بالجريدة ويعرف ذلك الكل هناك وحتى أصحاب الملتقى أنفسهم، إلا أنهم ما تخيّلوا قط هذا التحقيق ولا أن أصل لكل تلك المحطات المغلقة.

لقد أكّدت فيما حررت من أن المنطقة أمنية للغاية، ولا يسمح حتى للصحافة المغربية المعارضة أو المشهود لها بالنزاهة، بزيارتها والتفتيش في أغوارها. والمطلع على ما نشرته “العلم” وبغض النظر عن التقارير المختلفة التي تتناثر هنا وهناك، يجد إشارات واضحة على ذلك، مثلا تقول الصحيفة: (ما زالت الظروف التي حلّ خلالها الضابط السابق بالمخابرات الجزائرية أنور مالك بالمغرب مبهمة)، ثم: (إن ما يثير الاستغراب هو كيف تمكن المعارض الجزائري التائب المتخفي تحت عباءة صحيفة استخباراتية لكي يقلب الحقائق وينسج الأكاذيب في غفلة من مصالح الأمن المغربية المكلفة بمتابعة مثل هذه التحركات المسيئة لوحدة المغرب وسيادته، خاصة حينما يتعلق الأمر بضابط مخابرات جزائري قلب بوصلة مواقفه ومبادئه 360  درجة إلى درجة تثير الكثير من التحفظات حول الهدف الحقيقي من الزيارة الصحفية).

بغض النظر عن الترّهات التي وردت، إلا أنها إشارات واضحة من أن المنطقة تخضع لأجندة استخباراتية استثنائية وصارمة، وأن التحقيق كان اختراقا بمعنى الكلمة، ولو تفطنوا ما سمحوا لي مطلقا أن أتواصل مع الناس أو أمتطي سياراتهم وأغوص في دوائر الظل. وهذا ما جعل الصحيفة تستغرب وبطريقة غير صريحة، توعز فيها إلى الأجهزة بضرورة التحقيق في ملابسات القضية، ويوجد من كتب في مواقع أخرى، أنه من الضروري فتح ملف قضائي لهذا الاختراق الذي يهدد وحدتهم الترابية كما يزعمون، بل دعوا إلى محاكمة من استضافوني وسمحوا لي بالتنقل وإنجاز الربورتاج… الخ.

قد بلغني من مصادر خاصة، أن الأجهزة الأمنية في “الداخلة” قد فتحت تحقيقا سريا لمعرفة كل المحطات التي وقفت فيها، والأشخاص الذين التقيت بهم وتحدثت إليهم، وأضاف مصدري أن جهاز المنصوري يقتفي أثار أقدامي خوفا من “تجنيد” من وصفهم بالعملاء الذين سيقومون بالعمل السري لصالح “الشروق” أو لصالحي أنا، أو قد يتم تجنيدهم لصالح المخابرات الجزائرية كما يتوهمون دوما !!

تجدر الإشارة أن لي عدة صور مع أشخاص في المنطقة، وأظهروا ما يؤكد موقفهم القاضي بتقرير المصير من خلال رفع السبابة والإبهام، إلا أنه لم يتم نشرها للحفاظ على سلامتهم وأمنهم، في ظل هذا التحقيق الشرس والمضاد، الذي قد يطال عامة الناس ظلما وعدوانا، وقد ذكر لي الكثيرون البطش الممارس في وضح النهار بالمنطقة.

المحور الثالث: الأمر يتعلق بالصورة النمطية التي ظل المغرب يروجها زورا عن شخصي، حيث أطلق كذبة وصدقها، من أنني كاتب ومعارض شرس ومتمرد وثائر، وضابط سابق أخضع للأجندة المغربية، بل أساند أطروحات المخزن التوسعية في الشمال الإفريقي… فترى هل يمكن أن يسقط جزائري ينتمي لعائلة ثورية ولها تاريخ عريق مثل هذا السقوط غير المشرف؟ !!

هذا المحور ينطلق أساسا من النقد الحقوقي الذي وجهته من قبل لجبهة البوليساريو، والذي أعتبر أنه مساندة منّي للأطروحة المغربية، مع العلم أنني لم أصرح يوما بما يفيد أن الصحراء “مغربية”، وأتحدّى أي كان، أن يقدم دليلا واحدا غير مفبرك أو مركب أو متلاعب فيه، يكون بالصوت والصورة أو على موقعي الإلكتروني الشخصي، يثبت أنني ساندت يوما النظام المغربي في أطروحته، أو أعلنت موقفا مناهضا للصحراويين في قضيتهم المقدسة، التي لا يمكن أن أقف ضدها أبدا.

أما ما كانت تحفل به الصحف ووكالات الأنباء ومواقع الانترنيت، من تصريحات تنسب إلي أو أخبارا مزيفة أو حوارات طالها المسخ، فلا شأن لي بها على الإطلاق، لأنه لا يعقل أن أضيع كل وقتي في البحث عمن يكتب باسمي أو ينسب لي تصريحات أو حوارات مزورة، حينها لن أجد لحظة واحدة لممارسة حياتي العادية.

أمر آخر لم ينتبه له المخزن أصلا، أن نقدي لجبهة البوليساريو لا يعني مطلقا مناهضتي لأصل القضية وهي حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، وعبر استفتاء نزيه ونظيف، فإن قبل الشعب الانضمام للمغرب فهو شأنهم وما علينا إلا المباركة، وإن كان العكس فهو أيضا مما لا يمكن إلا تأييده ومساندته، وزدت قناعة بالأمر آلاف المرات، لما وقفت على ما يفكر فيه هؤلاء في الداخل الصحراوي، وما عايشته على مدار أيام من ذهب قضيتها في وادي الذهب، وهو بلا أدنى شك السبب الأساسي في رفض المغرب للاستفتاء ومراوغاته بطرح حلول بديلة، لا يعيرها أصحاب الشأن أدنى إهتمام.

لقد سبق وأن انتقدت بعض الخروقات الحقوقية في قطاع غزّة، التي ترتكب من طرف بعض عناصر الأجهزة الأمنية التابعة لحركة “حماس”، وهو الأمر نفسه بالنسبة لسلطة رام الله وجهازها الأمني، وما يجري في سجونها من خرق بيّن للقوانين الدولية، كما أنني انتقدت أيضا “حزب الله” اللبناني وعلى قناة الجزيرة، بل أنني شاركت في مناظرة حول زوال إسرائيل عبر برنامج “الاتجاه المعاكس” في 13/05/2008، وكنت المناهض لتلك الأطروحة وفي الصورة المروج لها حاليا، فترى هل يعني هذا أنني أساند الصهاينة في جرائمهم ضد الشعب الفلسطيني؟ وهل يمكن أن يفسر ذلك من أنه اعتراف مني بأن فلسطين هي أرض الميعاد كما تزعم الأساطير الصهيونية، أو أن نقدي لـ “حزب الله” معناه مباركة العدوان الصهيوني على لبنان في حرب تموز أو ما سيأتي مستقبلا؟ !!

أعتقد أن الذي سيفسر ذلك وبهذه الصورة الجاهزة التي راج مثلها من قبل المخزن، إما أنه قاصر النظر أو أنه يحتاج إلى العلاج النفسي في مصحات الأمراض العقلية المزمنة.

ومن باب التذكير، سبق وأن وجهت نقدا لاذعا للإعلام الرسمي المغربي، نشره الموقع المغربي “هسبريس” في 13/07/2008، وجاء التقرير الذي كتبه الصحفي نورالدين لشهب تحت عنوان: “الصحافي الجزائري أنور مالك يستغرب من تلاعب الإعلام المغربي بتصريحاته”. ومما جاء في التقرير: (استغرب الصحافي الجزائري أنور مالك- في تصريحه لهسبرس- استغلال الإعلام المغربي الرسمي لتصريحاته وحواراته التي يدلي بها لبعض المنابر العربية والمغربية استغلالا انتهازيا ماكرا حين يتم تحريف كلامه أو أخذ مقطع من تصريحاته تهم النظام المغربي فقط على طريقة “ويل للمصلين”).

ومما يدخل في هذا الإطار أيضا، أن الكاتبة المصرية وفاء إسماعيل بسبب ذلك الترويج الإنتهازي الملفق على حوار أجرته معي لموقع “أخبار العرب” بكندا في 01/04/2008، كتبت مقالا، وتحت عنوان: “هل ظلمت أنور مالك بإجراء حواري معه؟”، وأدانت العبثية الممارسة من قبل الإعلام، خاصة المغربي، الذي روّج لأطروحات تخدمه وفق منطق “لا تقربوا الصلاة” ومن دون أن يكمل “وأنتم سكارى”.

بإختصار جد شديد، أنني لم ولن أساند أطروحة أي نظام تناهض إرادة الشعوب وتطلعاتها، فقد زرت آسا في أفريل الماضي، وانتقدت الجميع بلا استثناء وأدنت الخروقات الجسيمة لحقوق الإنسان، التي يرتكبها المغرب بالصحراء الغربية كالتعذيب والإعتقال التعسفي والإغتصاب والحط من الكرامة الآدمية ومصادرة الرأي والحريات… الخ، وطبعا الإعلام الرسمي والموالي صوّرني من أنني أشدت بذلك، سوى صحيفتين قدمتا إشارات عابرة لذر الرماد في العيون، وإن تمّ التركيز على طرف واحد وبمبالغة لا يمكن تخيلها، وأحيانا ينسب لي كلام لم يرد على لساني أصلا.

وللعلم أن الزائر لموقعي الشخصي “صوت المنفى”، لن يجد أي تقرير نشرته الصحف المغربية ووكالة الأنباء الرسمية، وهو موقف صريح لرفضي لكل ذلك، بل أن صحيفة “المنعطف” الناطقة بإسم حزب جبهة القوى الديمقراطية، زعمت في أول أفريل المنصرم، وصادف يوم الكذب العالمي، من أنها تلقت مراسلة خاصة مني، تتحدث عن شبكات دعارة تتورط فيها جبهة البوليساريو والجيش الجزائري، وقامت وكالة الأنباء الرسمية بالترويج لها، وهو ما نفيته على موقعي ومواقع أخرى، ولكن رفضت الصحيفة المعنية ووكالة الأنباء نشر تكذيبي.

وهو الأمر نفسه الذي قامت به أيضا أسبوعية “المشعل” في عددها 180 الصادر بتاريخ 11/09/2008 عندما زعمت تحت عنوان مثير وعلى الصفحة الأولى، من أنني أقول بمغربية النفط الجزائري، وهو الذي رددت عليه مكذبا ومفنّدا هذا الخبل والخرافة التي لا يفكر فيها حتى المعتوهين، في بيان مؤرخ في 12/09/2008 ولكن رفضت الصحيفة نشره.

أما الحوارات المزيفة والمقالات الكاذبة التي يكتبها مجاهيل في الشبكة العنكبوتية وينسبونها لي، فهي لا تحصى ولا تعد، لأن الكثيرين من المشرفين على المواقع لا يهمهم أصلا صحة المقال، المهم هو نشر المادة وإثارة الجدل، بل توجد مواقع وضعت خاصية إضافة مقال أو خبر أو حوار،  وكل من يشاء أن يفبرك وينسب لغيره فهو أسهل مما يمكن تخيله، ولهذا أؤكد على أن أي حوار أو مقال لا يوجد بموقعي الشخصي “صوت المنفى” فهو لا علاقة لي به على الإطلاق، أو أن لدي تحفظات على محتواه، أو ربما لم أطلع عليه أصلا.

بالنسبة لمقصّ الرقيب الذي طال تصريحاتي للتلفزيون المغربي فهي كثيرة جدا، مما جعلني في زيارتي للداخلة، رفضت أن أتحدث للقناة المغربية التي تبث من العيون الصحراوية، ولمّا ألح عليّ الصحفي أكدت له أن لا يسألني عن الحكم الذاتي ولا مخيمات تندوف، لأنني كنت على يقين أن التزوير سيطال كلامي، وهو الذي إتفقنا عليه وأعطيته تصريحا مقتضبا لم يتجاوز دقيقة واحدة، حول مخاطر نشوب حرب في المنطقة المغاربية، إن لم  تحلّ قضية الصحراء الغربية بعدالة ووفق الشرعية الدولية، وبالرغم من كل ذلك طال مقص الرقيب تصريحي.

وقد أصرّ الصحفي أن يزورني في الفندق لإجراء حوار مطوّل معي حول القضية، فأكدت على شروطي السابقة، وهو الذي وافق عليه بترحاب كبير، وإتفقنا على إجراء حوار في شأن القاعدة ومنطقة الساحل والصحراء، ولكنه لم يأت بسبب رفض المدير العام للموضوع وللشروط التي حرصت عليها، كما بلغني لاحقا، بالرغم من أن المدير نفسه حدثني في آسا وطلب مني أن أمكنهم من لقاء تلفزيوني خلال زيارة أخرى.

وتجدر الإشارة إلى أنني لا أزال من دعاة الوحدة المغاربية، ولكن ليس وفق الرؤى القاتمة والقائمة التي يراد منها القفز على قضايا جوهرية يجب أن تتضح أولا وقبل كل شيء، كما لا يمكن تحقيق وحدة مع من يتسلط على رقاب الناس وينهب ثرواتهم كما رأيت في “الداخلة”، وما خفي أعظم بكثير.

فوهم المخزن ولو بالزور والتلفيق، من أنه قد إكتسب في صفوفه كاتبا جزائريا معروفا ومشهورا، جعله ينتفض بطريقة توحي إلى مدى الوجع الذي تلقاه من تحقيقاتي، ولهذا فبعد ما كنت أوصف بالمفكر الكبير، والكاتب الصحفي النزيه، وصوت الحق والحقيقة، الرجل الذي لا يعرف النفاق، المعارض الشرس، لأنني انتقدت جبهة البوليساريو وكتبت الكثير في نقد الوضع الجزائري كما هو شأن الصحف الجزائرية في الداخل، التي تتناول ملفات ساخنة يصعب على أي شخص يزعم المعارضة أن يأتي بمثلها.

فبين عشية وضحاها تحولت إلى أبشع ما يمكن وصفه، وهو يوافق ما قلته مرارا وتكرارا، حينما أسأل عن الوضع في الداخل الصحراوي، تكون إجاباتي أنني لا أعرف شيئا ولم أراها بعيوني، وعندما أقف بنفسي على الأمر لن أتردد لحظة في كشفه، وهو الذي قمت به فعليا وبكل نزاهة وإستقلالية.

على كل حال إنقلاب صحف وكتّاب المخزن 180 درجة ضدي في لحظة جنون وغباء، ينم على مدى الحقد الدفين الذي يكنّونه لكل ماهو جزائري، وما الترويج الكاذب الذي كان يجري هو من باب الخداع والتزلف الآني، الذي هو ديدن الأنظمة المستبدة التي لا تراهن إلا على من يصفق لها، ولكن من يكشف عورتها فقد يصلى الجحيم.

وهو درس عملي لكل حر وشريف يمكن أن يتورط مستقبلا في مساندة هذا المخزن، أو يصمت على الأكاذيب التي يروجها، لأنه لا يؤتمن جانبه أبدا، ومن شاء ممن اليوم يصفقون له، ما عليه إلا أن يجرب ويقول كلمة صدق تخدم الصحراويين، سيسمع ما لا يسره على الإطلاق، وإن كان لن يرتقي إلى ما أتعرض له شخصيا، ولكن هذا لن يضرني في شيء أبدا، فلم أتورط يوما في ألاعيب المخزن ولا مخططاته السرية التي سأكشفها لاحقا، فقد رفضتها بكبرياء وشهامة الجزائري الأصيل، بل حافظت على عذرية مبادئي في الدفاع عن الحق والحقيقة، ومستعد أن أدفع حياتي ثمن ذلك، ولا يؤثر بالمرة في نفسيتي كلام عابر وإتهامات تمس شرفي مادامت آتية ممن لا شرف لهم.

المحور الرابع: وهو أن النشاطات التي أقامها المخزن عبر بوابة الجمعيات المدنية، وما يسمى عندهم بـ “الدبلوماسية الموازية”، كان هدفها هو تسجيل محطات إشهارية تضاف إلى سجل الأطروحة المغربية القاضية بالحكم الذاتي للصحراء الغربية تحت السيادة المغربية.

لقد أعلمني النشطاء الجمعويون أن السلطات صارت تراهن كثيرا على عملهم، من أجل تأصيل الأطروحة المغربية فيما يتعلق بنزاع الصحراء الغربية، ولهذا فقد أثيرت ضجة عن ندوة آسا، وروجت لها الصحف والمحطات التلفزيونية، وبطريقة لا تخدم إلا أجندتهم، وطبعا كان “فاكهة” الندوة هو الحضور الجزائري. وبسبب ذلك “النجاح” فقد تقرر إقامة ملتقى دولي من المفروض أن يشارك فيه ضيوف من دول كثيرة منها موريتانيا والشيلي ومصر وإسبانيا والبرازيل وتونس وبريطانيا واليمن والعراق والبيرو، ولكن لما وصلت لم أجد من الضيوف الأجانب القادمين من الخارج، سواي والأستاذ الجامعي الإسباني فيرناندو خوسيه يرافقه شقيقه الطبيب، وقد جرى الإستنجاد بهما في الوقت الضائع، لأنهما لم يتم ذكرهما أصلا في البرنامج الذي تسلمنا نسخة منه، ولا يوجد فيه إلا المحامي خوسي أنطونيو سانشيز سانتانيا، والكاتب أليخاندرو غارسيا…

بالرغم من أن الملتقى لم ينجح في الميدان، واضطر القائمون إلى مراوغتنا لإنهاء النقاش، بسبب التدخلات القوية لأنصار جبهة البوليساريو، إلا أن وسائل الإعلام روجت له  كعادتها، على أنه ناجح والحاضرون أجمعوا على أطروحة الحكم الذاتي، كما أوردت وكالة أنباء المغرب العربي في برقية في 29 جويلية الماضي.

حتى أنه بلغني لاحقا أن المنظمين قد حرروا رسالة إلى الديوان الملكي عن النشاط،  وباسم المشاركين أعلنوا البيعة لخيارات الملك في خطابه الأخير بمناسبة عيد العرش، وأيضا أعدّوا بيانا ختاميا بعد نهاية البرنامج وبحضور أنصارهم فقط، يحمل توصيات لا تصب إلا في أقداحهم، ومن دون العودة إليّ أو مجرد الإشارة إلى أنني لم أحضر وغير معني به، وهو الذي أتبرأ منه تماما ومن كل ما ورد فيه.

المحور الخامس: أن التحقيق الذي أنجزته جاء في ظل ظروف استثنائية وهي عيد العرش المصادف لـ 30 جويلية من كل سنة، إلى جانب خطاب الملك محمد السادس الذي تهجم فيه على الجزائر، وأعلن أنه لن يتنازل عن شبر واحد من الصحراء الغربية، التي يصفها بالأقاليم الجنوبية المغربية، وهذا الذي أثار الجدل بين المغرب وجبهة البوليساريو.

إعتبرت الصحف وكثير من المنابر والحملات التي استهدفتني من أن التحقيق هو بمثابة الرد الجزائري الرسمي على خطاب العاهل المغربي، كما زعموا بهتانا أنه جاء عن طريق ضابط “مخابرات” سابق. ومعلوم حسب متابعتي أن السلطات الجزائرية الرسمية تجاهلت إتهامات الملك المتكررة والمملة، سوى رد عابر جاء على لسان عبدالعزيز بلخادم في الجامعة الصيفية لحزب جبهة التحرير الوطني بمستغانم، وبصفته أمينا عاما وليس ممثلا شخصيا لرئيس الجمهورية. وهذا الكلام تردد كثيرا في عدة مواقع، وقد أكده على سبيل المثال لا الحصر، مدير نشر صحيفة المغربية “بيان اليوم” في عددها 6107 الصادر بتاريخ 07-08 أوت.

لقد دفعت هذه المحاور الخمسة، بعض المنابر الإعلامية المغربية أن تتصل بي، وبطريقة ما، حاولت توريطي في مجرد شبهة نقد بسيط لما جاء في التحقيق، أو أوجه إتهامات للشروق التي أنا أحد كتّابها، على أنها فبركت أو حوّرت أو بدلت محتوى التحقيق لضرب مصالح المغرب كما يزعمون، وبالرغم من كل ذلك هبت أطراف مجهولة تروج عبر الموقع الإجتماعي الشهير الفايس بوك بإدعاءات من هذا القبيل. وعندما أخفقوا في ذلك، أتفاجأ بجريدة “العلم” وفي عددها 21741 الصادر بتاريخ 11 أوت، وبالبنط العريض على صدر صفحتها الأولى كتبت عنوانا بارزا: “أنور مالك يفنّد ما نشرته الشروق الجزائرية”، وأفادت من أن “جمعية الصحراء المغربية” وزعت بيانا للرأي العام، توصلت به منّي، والعجيب أن الصحيفة وصفتني هذه المرة بالمعارض الجزائري، وقبل أيام قليلة جدا وعلى صدر صفحتها الأولى في المكان نفسه، كنت “ضابط مخابرات” و”معارضا تائبا”.

كما زعمت الصحيفة في تقريرها المشار إليه، من أنني كنت في المستشفى وسوف أكشف كل التفاصيل بعد شفائي، وطبعا كل ما ورد من نسيج الخيال، لأنني لم أراسل هذه الجمعية ولا تواصلت معها، ولم يصدر مني أي بيان في هذا الشأن.

أؤكد هنا أن محتوى التحقيق نشرته “الشروق” بمهنية عالية، ولم تتصرف في أي حرف منه ولا حتى فاصلة أو نقطة، سوى بعض الرتوشات الشكلية التي هي من صلاحيات الناشر والمعمول به في كل الصحف عبر جميع أنحاء العالم.

الحق لا يلام عليه صاحبه

إن كان الحديث فيه شجون كثيرة، إلا أنني أرى من الضروري أن أختمه، بالتأكيد على أن رهان المخزن كان فاشلا من تحويلي لبوق من خلاله يروج لأطروحاته الفاشلة والبائدة، وإعتبر التحقيق صفعة، كما وصفها الكاتب الصحفي المغربي نورالدين لشهب في مقال له على موقع هسبريس نشره بتاريخ 10 أوت، تمّ توجيهها لكل من كانوا يروجون للبهتان والإفتراءات، ولم يمكنوني حتى من حق الرد والتوضيح الذي يكفله القانون.

إن أغلب القدح وصلني ممن كانوا بالأمس يتقربون مني، بل منذ ما يقارب سنة أخبرني أستاذ جامعي يعمل في الدار البيضاء، ولديه علاقات مع دوائر في السلطة هناك، أن هؤلاء الذين الآن إنقلبوا عليّ من صحفيين وأشباههم، كانوا يسارعون للمخزن يعرضون خدماتهم من خلال زعمهم أنهم صاروا مقربين منّي، وأنهم يمكن أن يقدموا ما يفيد قضيتهم “الوطنية الأولى”، وعلى حسابي أنا طبعا.

ولكن في آن واحد يوجد بعض الصحفيين المغاربة الشرفاء الذين لا يزالون على عهدهم ودافعوا عني بصلاة الغائب، وقد أخبرني أحدهم من أنني وضعت في القائمة السوداء وسيمنع عنّي دخول البلاد مستقبلا، هذا لا يهم أصلا برغم أسفي من أن أحرم من بلد إعتبرته ولا أزال هو وطني الثاني، ولكن في الحين نفسه أعلم هؤلاء أنني لن أكون أبدا مثل مطربي الكباريهات والليالي الحمراء، ولا ممن يتوددون ويتباكون لأجل جني المال والسياحة الأخرى التي أعف لساني وقلمي من ذكرها.

ما يهم أن الحقيقة وقفت عليها ونقلتها بأمانة ونزاهة، أن الصحراويين يجمعون على تقرير المصير، حتى وإن كان بينهم من يعارض بعض قادة البوليساريو وخياراتهم الفكرية أو الإيديولوجية أو السياسية، وعلى رأس ذلك المفاوضات التي تجري من حين لآخر، لأن الكثيرين منهم يؤمنون أنه لا خيار إلا الكفاح المسلح، وطبعا إن حدث ذلك وهو الذي سترفضه المنظومة الدولية، فستولد قاعدة إرهابية حقيقية وليست البائدة بفلولها التي يقودها المدعو درودكال الآن في الساحل والصحراء، وبأسلحة هربت من بلاد أمير المؤمنين كما إعترف بلعيرج، وبريع أموال المخدرات التي تورطت فيها حتى أسماء بارزة من الدرك الملكي، وأول من سيدفع الثمن هو الشعب المغربي الشقيق، ويطال لاحقا أطراف أخرى يتزعزع من خلالها أمن الضفتين…

أنا نقلت ما شفت، وكتبت ما وقفت عليه، وقد دخلت الداخلة كمدعو من طرف جمعيات معتمدة، وكان ذلك في وضح النهار ككاتب وإعلامي وليس عميلا إستخباراتيا ولا جاسوسا… هذه هي الحقيقة التي وجب أن ينتبه إليها المجتمع الدولي، فالصحراويون في مأساة لا يمكن تخيلها، وضرورة الضغط العاجل على المغرب لكي تزور المنطقة، كل المنظمات الدولية والصحف المستقلة والقنوات العالمية. لأن ما يأتي في التقارير المخزنية أو تلك التي يقدمها من يعتاشون هنا وهناك، ليست صحيحة بالمرّة وما فيها أدنى مصداقية، والصواب هو الذي جئت به من مربط الفرس، خدمة لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية وليست انتصارا لأي طرف، لأنني لا أزال أؤكد على استقلاليتي في معالجة القضايا الإنسانية التي تشغل بال بني البشر…

لقد أديت واجبي كصحفي ومناضل حقوقي، وجزائري حتى النخاع، لا تباع ذمته ولا تشترى، ويوجد غيري كثيرون الذين سيفتشون عن الحق بين طوفان الباطل، ويتصدون بعفة لكل الإغراءات. لقد وصلت حيث يحرم الوصول، وكشفت ما يجرم كشفه، ووقفت على ما لا يوقف عليه إلا في الكوابيس والأحلام، ولا أحد ناقش ما جئت به، بقدر ما راحوا يتبادلون الغث على هامش زيارة إنتهى أمرها، وبينهم آخرون نراهم يفتشون في دفاترهم القديمة كما هي عادة التجار المفلسين.

وبرغم كل ذلك أقول مهلا لأنه لا يزال في جعبتي الكثير جدا من الأسرار والخفايا المثيرة التي سأكشفها تباعا ولن أتردد في ذلك… فلا تحزن أيها المخزن.

الشروق اليومي 13/08/2010

روابط مهمة للمقال:

الشروق أونلاين

– الصفحة الأولى من النسخة الورقية PDF

– الحلقة الأولى من النسخة الورقية PDF

– الحلقة الثانية والأخيرة من النسخة الورقية PDF

– تحقيق الداخلة على مواقع الشروق أونلاين


Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom