هشام عبود يكتب عن قاصدي مرباح في ذكرى رحيله ويكشف خفايا تنشر لأول مرة عن الفقيد وأشياء أخرى

2010/08/30

هشام عبود يكتب عن قاصدي مرباح في ذكرى رحيله ويكشف خفايا تنشر لأول مرة عن الفقيد وأشياء أخرى

تمر 17 سنة على رحيل العقيد عبدالله خالف المعروف باسم قاصدي مرباح، الذي اغتالته أيادي الغدر والجريمة في 21 أوت من سنة 1995 رفقة ابنه وأخيه وسائقه وحارسه الشخصي. ذكرى رحيله تعود بي إلى الأمجاد التي سجلتها الجزائر في شتى المجالات والتي ساهم فيها بالقسط الوافر بإعتباره كان المسؤول الأول على الجهاز الذي يسهر على أمن البلاد وإستقراره .

إلتحق عبدالله خالف ابن جرجرة الأشم بسلك الأمن في 31 ديسمبر 1957 وهو في ريعان شبابه، حيث كان يبلغ من العمر 19 عاما بعد أدائه فترة تربص عسكري دامت ستة أشهر إنطلاقا من غرّة جويلية، والتي شارك فيها سبعون شابا وزّعوا على مختلف مناطق الولاية الخامسة.


وتمّ تعيين بعض العناصر من هذه المجموعة ومن بينهم الفقيد قاصدي مرباح – رحمه الله – للإلتحاق بجهاز الإستخبارات، حيث تمّ تأسيس نواته الأولى والذي كان تابعا لوزارة التسليح والإتصالات العامة سليلة مديرية الأمن العسكري. وبعد فترة وجيزة تولّى قيادة مصلحة الإستخبارات لهيئة أركان  جيش التحرير  الوطني  في  1960  .
تفوقه في قيادة الرجال ونبوغه في التحليل للمواقف جعل منه المؤهل الأول لقيادة جهاز الأمن العسكري بدءا من أكتوبر 1962 ليجعل منه القوة الضاربة في وجه الأعداء. وانتهت فترة قيادته له في 05 ماي 1979 لما عيّن أمينا عاما لوزارة الدفاع الوطني في ظل العهدة الأولى لرئاسة  الشاذلي بن  جديد  للجزائر .

العدو  اللّدود  لفرنسا
للرجل نظرة إستراتيجية عميقة يشهد له بها الغريم قبل الصديق. وضع الأسس الأولى لجهاز الأمن وفق هذه النظرة ووفق المعطيات التي استمدها من تجربته العريقة خلال حرب التحرير ومشاركته في مفاوضات روس وايفيان كخبير عسكري. هذه المشاركة التي سمحت له بكشف النقاب عن النوايا الفرنسية المبيّتة والتي كانت تسعى إلى عودة الاستعمار من النافذة بعد طرده مهزوما مدحورا من الباب. ولسدّ النافذة في وجه العدو عمل قاصدي مرباح على جعل جهاز الأمن الحصن الحصين والسدّ المنيع الذي يتصدى لكل محاولات الإختراق والتسلل اعتمادا على مبدأ لا نقاش فيه مهما كان الأمر ومهما كانت الظروف. يتجسد هذا المبدأ بوضوح وتجلّي في التحري بصفة جدية الذي وجب أن يخضع له شأن كل عنصر يلتحق بالجهاز مهما كانت رتبته ومكانته ومنزلته. الفقيد لم يسمح بالإنتماء للجهاز لقدماء الجيش الفرنسي ولا للمتزوجين من أجنبيات مهما كان حسن سيرتهم وبياض نواياهم. وبالنسبة للعناصر الفتيّة من جيل الاستقلال لم يحق الإلتحاق بالجهاز لكل من تشتم فيه رائحة القرابة من الأجانب، وخاصة فرنسا. فلا مكان لأبناء الحركى ولا لأقاربهم ولا للمتعاطفين معهم حتى يقطع دابر كل مناوئ لمصالح الجزائر. كما تبقى أبواب جهاز الأمن العسكري موصدة في وجه كل من له سوابق عدلية أو سجلت عليه سيرة إنحرافية، ولو تكون بسيطة وحتى قبل بلوغه سن الرشد. ظلت هذه القاعدة معمول بها من طرف المتعاقبين على إدارة الجهاز. وهكذا يحق لكل من تشرف بالانتماء له أن يتفاخر بأنه من المعدن الثمين والأصيل الذي  لا  تشوبه  أدنى  شائبة  ولا تلاحقه  أتفه  الظنون .
أمام قلة الإمكانيات المادية لمواجهة العدو ولأداء مهام الجهاز على أحسن ما يرام جعل العقيد قاصدي مرباح من حب الوطن والتفاني في خدمته السلاح الأول الذي يزوّد به عناصر الجهاز. فإذا كان الكثير من الناس يتصورون ضباط الأمن العسكري، الذين يعتبرون نخبة البلاد، يعيشون في رفاهية وبحبوحة مادية يصدمون عند ملاقاتهم أو التقرب منهم، لأنهم سيجدونهم يعيشون أحيانا في ظروف هي أصعب بكثير من التي يعيشها أبسط مواطن في ربوع البلاد. إلى غاية مطلع التسعينيات كان الكثيرون من الضباط وحتى الضباط السامون برتبة رائد أو مقدم يشكون من أزمة السكن. فكم من شاب جامعي التحق بهذا الجهاز وخيّبت أماله عندما عرض عليه المبيت والإقامة في إحدى الثكنات العسكرية لأن الجهاز غير قادر على تأمين سكن خاص به ولو في الأحياء العسكرية. وكم من ضابط شاب صدم بالمرتب الذي يتقاضاه والذي لا يسمح له بالإدخار لإقتناء سيارة عادية. لكن هذا لا يقلل من عزيمة كل من اشتغل بجهاز الأمن لخدمة الوطن، معتبرا أن مجرد الانتماء إليه يعتبر الشرف الذي لا يضاهيه مال ولا قصور لأنه لم يكن في متناول أي كان مهما بلغت مكانته الاجتماعية أو تراكمت ثروته.

الأمن  العسكري  وراء  تأميم  المحروقات
في عهد العقيد قاصدي مرباح وجهت المخابرات الجزائرية عدة ضربات موجعة لنظيرتها الفرنسية في حرب سرية لا زالت مستمرة إلى يومنا هذا، وأقوى ضربة تعتبر تاريخية صفع بها الأمن العسكري الأجهزة الفرنسية، ولا يمكن نسيانها طالما كان وقعها في العمق الاستراتيجي للدولة الفرنسية . وتتمثل  هذه  الضربة  في  تأميم  المحروقات  التي  تم  الإعلان  عنها  رسميا  في  24  فبراير 1971  من  طرف  الرئيس  الراحل  هواري  بومدين  رحمه  الله .
كلمة “قررنا” التي اشتهر وتفرّد وتميّز بها الرئيس الراحل هواري بومدين لم تأت جزافا ولم يتلفظ بها صاحبها من دون مراعاة ما يترتب عليه قرار مصيري ممكن أن يؤدي بالبلاد إلى التهلكة، خاصة وأنه كان واعيا كل الوعي بأن قرار تأميم المحروقات سيكون له الأثر العميق لا على  فرنسا فحسب  بل  على  كل  الدول  المستهلكة  للنفط . متذكرا،  سقوط  حكومة  مصدق  في  طهران  سنة  1953 لما  تجرأت  على  إتخاذ  قرار  مماثل .
فما الذي دفع هواري بومدين للإعلان على تأميم المحروقات بكل طمأنينة ودون خشية ردة فعل عنيفة من الطرف الفرنسي؟ كانت لديه المعطيات الوافية والكاملة والشاملة حول ردّ فعل الدولة الفرنسية. وكان يعلم علم اليقين أن هذه الأخيرة لا يمكنها التجرؤ على القيام بعدوان عسكري يستهدف الجزائر. هذه المعطيات وفّرها له جهاز الأمن العسكري بقيادة العقيد قاصدي مرباح. ولم تكن وليدة تخمينات ولا مجرد تكهنات. فجهاز المخابرات الجزائرية استطاع أن يتغلغل في أعماق الدولة الفرنسية ووصل إلى الكتابة العامة لقصر الإليزيه عن طريق زرع ضابط برتبة ملازم  أول وهو  السيد  طابتي  رشيد  صاحب  الفضل  العظيم  في  هذه  المهمّة .
إخترق الملازم الأول طابتي رشيد الكتابة العامة للإليزيه بتجنيده المسؤولة الأولى على طاقم الراقنات للتقارير التي يبعث بها الرئيس الفرنسي حينذاك لمختلف مؤسسات وأجهزة الدولة. فأغراها بالهدايا ولعب دور أمير عربي في مقتبل عمره سخّر لها كل ما تحتاج إليه من مغريات،  وكان يتظاهر  بالغرام  المفرط  لإمرأة  تفوقه  سنّا  بسنوات  عديدة . وبالمقابل  أخذ  منها  كل  المعلومات  حول  ما يفكر  فيه  مسؤولي  الدولة  الفرنسية  في  حالة  ما  تقدم  الجزائر  على  تأميم  محروقاتها .
يعتبر هذا الإختراق فريد من نوعه في العالم العربي لأنه لم يسجل أي جهاز إستخباراتي عربي مثل هذا الإنجاز الذي ليس من السهل تحقيقه أو حتى الوصول إلى الأدنى منه، وهو عمل رفيع عقبته إنجازات أخرى من مثل إختراق جهاز الموساد الاسرائيلي خلال الثمانينات في عهد العميد  لكحل عيّاط  مجدوب   – رحمه  الله  – من  طرف  عميلين  جزائريين  على  مستوى  ممثليات  المخابرات الصهيونية  في  مدريد  ومرسيليا .
وبالمقابل لم تتمكن الأجهزة السريّة الفرنسية من إختراق نظيرتها الجزائرية رغم كل محاولاتها المختلفة. وسجلت آخر محاولة – حسبما أعلم – في منتصف الثمانينيات لما تمّ تجنيد صف ضابط برتبة رقيب سرعان ما تفطّن إليه زملاؤه. فلاذ بالفرار نحو فرنسا دون أن يفيد الطرف الفرنسي بأدنى شيء بإعتباره كان في مستوى لا يسمح له بالإطلاع على كبريات القضايا ولا حتى على صغرياتها. هذا الفشل لا زال يدفع بالمخابرات الفرنسية للسعي الحثيث وبشتى الطرق والوسائل للنيل من جهاز الأمن الجزائري.

الإعتماد  على  عشّاق  الأضواء  والإقامة
لبلوغ ما تصبوا إليه تعمل الأجهزة الفرنسية على صعيدين. الأول صدّ كل محاولة إختراق وتأثير لمصالحها من الطرف الجزائري، خاصة وأنه يوجد بفرنسا الكثير من الفرنسيين من ذوي أصول جزائرية. ومن هذه الفئة يتمّ تجنيد العناصر التي تفرض رقابة مشددة على الجالية الجزائرية المقيمة بفرنسا. وعلى صعيد ثاني تعمل الأجهزة الفرنسية على إختراق المؤسسات الجزائرية، وخاصة منها مؤسسات الدولة السيادية بشتّى الإغراءات. كما لا تتوانى في مواصلة حرب نفسية ضد الجزائر من خلال إستغلالها لبعض العناصر التي تكنّ كراهية مميتة للمؤسسة العسكرية وجهازها الأمني نتيجة شعورها بعقدة إحباط وحرمان. ويتمّ تجنيد هؤلاء العناصر بإغراء الكثيرين منهم ببطاقة الإقامة وفي أحسن الحالات بالجنسية الفرنسية التي يلهث وراءها الآلاف ممن نسوا أن الطلاق من هذه الجنسية حققته الجزائر بأغلى الأثمان وأبهضها.
فبالإضافة لمراقبة الجمعيات التي تحتضن أفراد الجالية الجزائرية أو من أصول جزائرية وكذلك بمراقبة المساجد ومحاصرة الأنفاس فيها، تعمل الأجهزة الفرنسية على تجنيد عناصر تخدم المصالح الفرنسية بطريقة مباشرة وغير مباشرة تحت غطاء معارضة النظام الجزائري لتكيل الكيد ضد المؤسسة العسكرية الجزائرية وخاصة جهازها الأمني. ويتمّ ذلك من خلال دعاية تروّج لها بعض الدوائر التي جعلت من مأساة الشعب الجزائري، التي تسبب فيها الطابور الخامس، عملية تجارية مربحة ومفيدة ومغرية. هذه الدوائر تستغلّ كل عنصر لم يجد طريقة لتسوية وضعيته الإدارية ولاهث  وراء  الأضواء  إلا  بالانصياع  لأوامر  من  سلّط  نفسه  وليّا  على  الجزائريين  وهو  بعيد  عنهم  كل البعد .

مدير  الإستعلامات  الفرنسي  السابق  يكشف  إنتماء  فرنسوا  جاز  للمخابرات  الفرنسية
يعدّ الناشر الفرنسي فرنسوا جاز أحد المختصّين لترويج الدعاية المغرضة ضد الجزائر وخاصة مؤسستها العسكرية بنشره كتبا يحشو فيها ما يحلو له من روايات لأميين غير قادرين على تركيب جملتين مفيدتين باللغة الفرنسية ولا حتى العربية، مخرجا إياهم من عالم النكرات إلى أضواء  مؤقتة، ليجعل  من  الجبان  بطلا  ومن  المجرم  المطلوب  قضائيا  في  الجزائر  معارضا  سياسيا  حتى  وإن  لم  يفقه أدنى  شيء  في  السياسة  ولا  أدبياتها .
إستغرب الكثيرون للدور الذي يلعبه فرنسوا جاز والعدوانية التي يشهرها علنا ضد الجزائر ومؤسساتها، وفي نهاية المطاف، كشف أمره “بيار سرامي” المدير السابق للإستعلامات في جهاز “المديرية العامة للأمن الخارجي DGSE” الذي يعتبر جهاز التجسس الفرنسي، حيث فضح في كتابه الذي صدر في شهر مارس المنصرم تحت عنوان “خمسة وعشرون سنة في الأجهزة السرية” وعن دار نشر فلاماريون بباريس، من أن صاحب دار النشر لاديكوفارت المسمى فرنسوا جاز يشتغل للمخابرات الفرنسية (أنظر الصفحة 245 الفقرة الأخيرة)، وشهد شاهد من أهلها. فترى من سيجرؤ على تكذيب هذا  الشاهد  المطلع  على  كل  الخبايا  والخفايا؟ !
شخصيا كنت مدركا لهذه الحقيقة بمجرد أن أبدى فرنسوا جاز إهتمامه بنشر كتابي الصادر في فبراير 2002 تحت عنوان “مافيا الجنرالات”. تحسّر كثيرا لرفضي عروضه وزاد حسرة عندما تيقن أنني لست من طينة المؤلفين الذين تملى عليهم الكتابة ويحرّضون ضد الجزائر رغم قساوة نقدي للنظام الجزائري، ولم يكن معجبا أن الكتاب لم يتهجّم على المؤسسة العسكرية بل دافع عنها، ولكنه تهجم على الطابور الخامس. الحسرة نفسها ألمّت به لما رفض الصحفي القدير أنور مالك الانصياع لإغراءاته في ديسمبر 2006 بالرغم من وجوده في وضعية صعبة للغاية غير أنه رفض مدّ  يده  لأعداء  الجزائر  ومخططاتهم  الخبيثة .

فرنسوا جاز تلقّى أيضا صفعة لن ينساها طول عمره من طرف المقدم بلعزوق عبدالعالي الذي عرض عليه نشر كتاب يتهجم فيه على المؤسسة العسكرية. ولما قرأ ما كتبه السيد بلعزوق ولم يجد ما يشفي غليله طلب منه مراجعة المحتوى من طرف إحدى مساعداته وهي سليمة ملاح، الفرنسية من أصل جزائري ولديها سوابق مشبوهة.

الضابط الذي فرّ من الجيش الجزائري لقناعاته الشخصية وليس للإرتماء في أحضان أشباه الرجال، لاحظ أن المراجعة المقصودة ماهي إلا إضافة فقرات لا تمتّ بأي صلة على الإطلاق بالحقيقة، بل أنها سعت إلى تحوير وتحويل النص الذي كتبه إلى مجرّد إشاعات واهية وأكاذيب تضرب مصداقية صاحب الكتاب عرض الحائط وتهوي بها إلى أسفل السافلين. ولكن الأهم بالنسبة لفرنسوا جاز ليس تزوير الحقائق وفبركة الأحداث والتجنّي على الأبرياء والمتاجرة بدماء الضحايا. فهذا يعتبر جزءا ثانويا بالنسبة لشغله المملى عليه. فهو كان يعتقد بربطه علاقة مع المقدم عبد العالي بلعزوق أنه وضع يده على كنز ثمين يتباهى به أمام مسؤوليه في المخابرات الفرنسية. فأثناء لقاءاته مع بلعزوق كان يحاول استدراجه في مسائل بعيدة عن موضوع الكتاب، إذ كانت تتعلق بنوعية تسليح الجيش الجزائري ومواقع أجهزة الرادار والدفاع الجوي وتمركز القوات العسكرية على الحدود الغربية وغيرها من الأسئلة. وكم كانت كبيرة خيبة الناشر المزيف. فلم يكن يتصور أنه وقع على رجل ضحّى بمستقبله ليس لسواد عيونه وإرضاء لعصابته ولكن حبا في الجزائر التي يضعها فوق كل اعتبار، مهما كانت اختلافاته مع قادته العسكريين ومع النظام الجزائري، مثله مثل الكثيرين الذين وجهوا انتقاداتهم للنظام غيْرة على البلاد وليس نكاية فيها ولا انتقاما منها ولا لتصفية الحسابات مع أحد. ولم يكن له ماضي أسود في الجزائر حتى يرتمي في أحضان حثالات مثل التي استغلها فرنسوا جاز وبعدما أخذ  منها  ما  أراد  حولها  إلى  مجرد  ممسحة أرضية  لقدميه .
ولم يكتف المقدم بلعزوق بصفع فرنسوا جاز وجماعته برفضه الانصياع له، بل تابعه قضائيا ونال منه ما أراد، لأن الناشر لم يحترم بنود العقد المبرم بينهما. وكانت هزيمة أخرى تلقاها فرنسوا جاز بعد تلك التي كبّدته إيّاها أنا شخصيا لما قاضيت أحد خدمه ويتعلق الأمر بالصحافي “جون باتيست ريفوار” الذي أعدّ شريطا وثائقيا يتهم فيه جهاز الأمن الجزائري بالتورّط في تفجيرات باريس عام 1995، ولتلقينه درسا في الرجولة والشهامة صرفت من جيبي 3 آلاف أورو كمتاعب المحامية واكتفيت بواحد أورو كتعويض رمزي قضت به المحكمة لصالحي.

نلت  شرف  إجراء  أول  حوار  صحفي  له
سردت هذه الأمثلة لأنني أعي جيدا أن ما تحدثت عنه يسير في سياق الحرب السرية التي يشنها الأعداء ضد الجزائر. هذه الحرب خاض غمارها منذ بدايتها العقيد قاصدي مرباح الذي يعتبر من خيرة أبناء الجزائر.
عمل في الظل من دون أدنى رغبة في الأضواء، وسهر بلا هوادة على أمن البلاد، وخدم الجزائر بتفاني وإخلاص على رأس جهاز حساس للغاية جعل منه القوة الضاربة وحامي الحمى والدرع الواقي لتبقى الجزائر في مستوى الصورة التي حلم بها رفاقه ممّن استشهدوا في ميدان الشرف ولم تكحل  أعينهم  بألوان  الاستقلال  الزاهية،  مثلما  كان  يذكّر  به  دوما  وفي  أكثر  من  مناسبة .
تعيينه على رأس الأمانة العامة لوزارة الدفاع في 05 ماي 1979 ثم نائب وزير الدفاع الوطني مكلفا بالصناعة العسكرية في 15 جويلية 1980 أخرجه من دائرة الظل ليتفرغ للعمل السياسي باعتباره أصبح يشغل مناصب سياسية بالإضافة إلى عضويته في المكتب السياسي لحزب جبهة التحرير الوطني  غداة  انعقاد  المؤتمر  الرابع  سنة  1979،  والذي  تمّ  خلاله  تعيين  الشاذلي  بن  جديد  أمينا  عاما للحزب  ومرشحا  لرئاسة  الجمهورية  خلفا  للزعيم  الراحل  هواري  بومدين .
خروجه إلى العلن كان فرصة لي شخصيا أن ألتقيت به لأول مرة في أكتوبر 1979 وأنا أباشر مهمتي كرئيس تحرير مجلة “الجيش” في طبعتها الفرنسية، وكان عمري حينذاك لا يتجاوز 24 عاما، لأجري معه أول حوار صحفي بالنسبة له. ونشر الحوار في العدد الخاص للذكرى 25 لاندلاع الثورة  التحريرية .

رفض  إقحام  الجيش  في  أحداث  تيزي  وزو  1980
أحداث تيزي وزو التي وقعت في ربيع 1980 عجّلت برحيل قاصدي مرباح من الأمانة العامة لوزارة الدفاع الوطني التي كانت تعتبر موقعا شديد الحساسية ليجد نفسه في منصب أحدث خصيصا له وكأن من عيّنه فيه يريد إبعاده من أقوى مركز نفوذ في الدولة أنذاك.
سبب هذا الإبعاد أن قاصدي مرباح رفض خروج الجيش في شوارع تيزي وزو لإطلاق النار على المتظاهرين والتصدي لهم. موقفه هذا لم توعز أسبابه لانتماء الرجل للمنطقة فحسب، باعتباره من مواليد قرية آيت يني بالقبائل الكبرى، وإنما لإيمانه الراسخ بأن مهمة الجيش الوطني الشعبي ليست مكافحة الشغب وصيانة النظام العام. وهذا ما أكده لي خلال آخر لقاء جمعني به في شهر ماي 1993 عندما أجريت معه حديثا صحفيا حول انقلاب 19 جوان 1965 والدور الذي لعبه جهاز الأمن العسكري في إنجاحه. في حقيقة الأمر هناك سبب ثاني لإبعاده من وزارة الدفاع هو أن إحدى الجماعات التي كانت تتصارع داخل جهاز الحكم أقنعت الشاذلي بن جديد بأن قاصدي مرباح يسعى للإطاحة به اعتمادا على شائعة روجت أنذاك ومفادها أن قاصدي مرباح ساعد الشاذلي بن جديد على الوصول لسدة الحكم لينقلب عليه بعد فترة لا تتجاوز السنة والنصف.
ومنذ إبعاده من المؤسسة العسكرية في مطلع سنة 1982 أسندت للفقيد مناصب تقنية بحتة بعيدة كل البعد عن مواقع النفوذ. فعّين في 12 جانفي 1982 وزيرا للصناعة الثقيلة ليمر سنتين فيما بعد أي في 22 جانفي 1984 إلى وزارة الفلاحة والصيد البحري. في 22 جانفي 1988 يكلف بوزارة الصحة  والإسكان . وفي  كل  وزارة  مرّ  بها  إلا  وترك  بصماته  المتميزة  بالعمل  الدؤوب  واتخاذ الإجراءات  الشجاعة  والقرارات  السديدة  والصائبة .

رفض  إقالته  من  رئاسة  الحكومة
تواجده على رأس وزارات غير سيادية وبعيدة عن المسرح السياسي، أدخله في دائرة النسيان. فالرجل القوي الذي كان على رأس أخطر جهاز في البلاد، أصبح وزيرا عاديا، إلى أن سطع نجمه من جديد ليتصدر اسمه الصفحات الأولى للجرائد وعناوين الأخبار، وفي الوقت نفسه أثار حفيظة أعدائه  والمتربصين  به .
غداة  أحداث  05  أكتوبر  1988  وفي  ظرف  شهر  من  بعد  عيّن  رئيسا  للحكومة  وفقا  للمعطيات  الجديدة التي  حلّت  بالبلاد  والتي  تضمّنها  الدستور  المصادق  عليه  من  طرف  الشعب  في  استفتاء  03  نوفمبر 1988 .
تعيين قاصدي مرباح أربك العديد من الذين كانوا يتوقعون سقوط الجزائر في قبضة فرنسا بعد أحداث 05 أكتوبر ليتحقق حلم الجنرال ديغول الذي تبجّح غداة الإعلان عن استقلال الجزائر أنه ينتظر سنة على أقصى تقدير لتعود الجزائر إلى “بيت الطاعة”. فكثرت الهجمات عليه وأدّت بالبعض من أعدائه ادعاءهم أنه قام بتعذيبهم لما كان على رأس جهاز الأمن. وكم كانت تفاهتهم في مستواهم عندما أتوا بشاب لم يتجاوز عمره 25 عاما ليصرخ في وجهه متهما إياه بجرم ممارسة التعذيب عليه. فسخر الحضور من هذا الشاب، مذكرينه أن قاصدي مرباح لما كان مديرا للأمن العسكري  كان  هو  لازال  يمصّ  أصابعه،  فلو  نقوم  بعملية  حسابية  بسيطة  نجد  أن  هذا  الشاب  الذي دفعته  قوى  خفية  لم  يتجاوز  عمره  في  أقصى  تقدير  العشر  سنوات  أثناء  الفترة  التي  كان  فيها  مرباح يمارس  مهامه .
بلادة هؤلاء السفهاء يتّسم بها الكثيرون ممن يفتقدون لأدنى الحجج في مواجهة خصومهم. فبالاضافة إلى فقدانهم البراهين تجدهم يتمادون في تجاهلهم لوزنهم الحقيقي على الساحة السياسية والاجتماعية حيث لا يعبأ بهم أحد. غير أنهم يعتبرون أنفسهم زعماء وأبطال في عالم خيالهم الموبوء إلى أن جاء العالم الافتراضي بالشبكة العنكبوتية ليفتح لهم مجالا واسعا لتحقيق أحلامهم وازدياد غرورهم. فيصورون أنفسهم أبطالا في مواقع لا يتعدى زوارها عدد أصابع اليد الواحدة وينعتون أنفسهم بالمعارضين الحقيقيين للنظام ويدعون أنهم المخولون للإطاحة به. فمتى كان الجبان الذي لا يجرؤ على كشف اسمه قادرا على الإطاحة بنظام قوي بمؤسساته وأجهزته؟ ومتى كان الأحمق الذي يخربش في العالم الافتراضي يمثل حزبا أو رأيا أو شريحة من المجتمع ليدّعي من خلاله أن كل من لا يسمع لنباحه أو يجهل وجوده هو عميل للمخابرات وأرسل خصيصا لاختراقه معتقدا بذلك الوهم أنه يشكل معارضة بأتمّ معنى الكلمة؟ فالذي لا يقدر على استقطاب أصوات عشيرته ـ إن كانت له عشيرة ـ لو يترشح لانتخابات جمعية حي كان يسكنه ببلدية نائية في قريته الصغيرة أو حارته، كيف به أن يؤثر على الرأي العام وعلى الملايين من البشر؟ فكل  هذه  الأشكال  البشرية  التي  تحاول الخروج  من  عالمها  المظلم  معتقدة  أنها  لا  تجد  سبيلا  للشهرة  إلا  بالتهجم  على  صرح  بناه  خيرة  أبناء الجزائر  ويفتخر  بالانتماء  إليه  كل  من  خدم  البلاد  من  خلاله .
تمكّن  خصوم  قاصدي  مرباح  من  إزاحته  من  رئاسة  الحكومة  بعد  صراع  مرير  دام  يوما  بأكمله وانتهى  في  ساعات  متأخرة  من  ليلة  09  سبتمبر  1989.
إقالة مرباح من منصبه كادت أن تؤدي بالبلاد إلى أزمة سياسية عاصفة بعدما رفضها متذرعا بالحجج القانونية والدستورية. فالرئيس الشاذلي بن جديد الذي أقاله، مدّعيا التباطؤ في تطبيق الإصلاحات، تجاهل بند الدستور الذي ينصّ على كيفية تعيين وإقالة رئيس الحكومة.
بمجرد أن بلغه قرار رئيس الجمهورية بإزاحته من رئاسة الحكومة، أعلن السيد قاصدي مرباح عن رفضه للقرار في بلاغ صحفي نشرته في اليوم نفسه وكالة الأنباء الفرنسية. ثم اعتصم بمكتبه وقال يومها مقولته الشهيرة: “هنا يموت قاسي”.
إهتزّت  أركان  البلاد  وتتالت  محاولات  الوساطة  بين  رئيس  الجمهورية  الشاذلي  ورئيس  الحكومة قاصدي  مرباح  ولكن  من  دون  جدوى .

جعل  من  مصلحة  البلاد  فوق  كل  اعتبار
وفي حوالي الساعة التاسعة ليلا، دخل عليه بمكتبه ثلاثة ضباط سامين في الجيش لمجرد أن دخلوا مكتبه وقبل أن يسمح لهم بالجلوس سألهم عن سبب حضورهم. فردّ عليه أحدهم أنهم جاءوا بصفة رفقاء السلاح ليطلبوا منه التريّث والعدول عن تمسّكه بالمنصب. فردّ عليه قاصدي مرباح: “أنا لا أعرفك… أرجوك أن تخرج من المكتب”، وحتى لا يزيد الأمور تعقيدا وبدون إشكال غادر هذا الضابط السامي تاركا وراءه مرافقيه اللّذين سبق لهما وأن عملا معه لما كان مديرا للأمن العسكري. فنظر إليهما وقال: “من الأحسن أن تغادرا أنتما أيضا وإلا ستتهمان بالتواطؤ معي”. كان له ما طلب بعد أن ألحّ عليه زميلاه السابقان على أن يهدئ نفسه وأن لا يقدم على أمور تزيد الوضع تأزما. وبعد ساعات قليلة غادر قاصدي مرباح بدوره مكتبه، مراعيا المصلحة العليا للبلاد، كما رواه لي في لقاء جمعني به بمقر حزب “مجد” ببوزريعة في أعالي العاصمة.
بعد إزاحته من رئاسة الحكومة وفي 05 جانفي 1991 تحصل على اعتماد حزب أنشأه تحت تسمية “مجد”، أي الحركة الجزائرية للعدالة والتنمية، ليكون نقطة انطلاق لعهد جديد بعد مرور أربع وثلاثين سنة على التفاني في خدمة الجزائر في عهد الحزب الواحد والشرعية الثورية. وظل الفقيد قاصدي  مرباح  في  خدمة  وطنه  من  خلال  جهازها  الأمني  أو  المناصب  التي  تولاها  في  الحكومات المتعاقبة  بل  لم  يكن  يترك  أي  مجال  ولا  فرصة  تفوته  لتقديم  مساعدته  في  السر .

كان  مناصرا  شغوفا  بشبيبة  القبائل
في بداية مشواري الصحفي منتصف السبعينياتو تعرفت على أخيه عبدالقادر – رحمه الله – الذي كان يشغل منصب مدير الديوان الوطني للسياحة، أثناء قيامي بتحقيق ميداني حول فريق شبيبة القبائل الذي كان يحضّر نفسه لمنافسات الدور نصف النهائي لكأس الجمهورية في سنة 1977 والتي فاز بها في النهائي الذي جمعه بفريق نصر حسين داي، ومن خلال شقيقه عبدالقادر كان الفقيد قاصدي مرباح يقدّم يد المساعدة لفريقه المفضل ويسهر على تلبية كل حاجياته دون التظاهر بذلك. الكثيرون من أبناء فريق شبيبة القبائل ومن بينهم رئيسه الحالي، محند الشريف حناشي، يعلمون  بالدور  الذي لعبه  عبدالقادر  خالف  وعائلة  خالف  للنهوض  بهذا  الفريق  الذي  أصبح  الأكثر  شهرة  وألقابا .
برحيل قاصدي مرباح افتقدت الجزائر رجلا عظيما أعطى لها الكثير حتى آخر رمق من حياته وظل، رحمه الله، متفانيا في خدمتها، لتبقى أعماله راسخة في الأذهان وذكراه خالدة في وطن يعتز بإنجاب رجل من هذه الطينة.

روابط مهمة للمقال:

– الشروق أونلاين

الحلقة الأولى في النسخة الورقية PDF

الحلقة الثانية والأخيرة في النسخة الورقية PDF

Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom