دراسة: المخابرات المغربية وحروبها السريّة على الجزائر (5)

2010/10/07

دراسة: المخابرات المغربية وحروبها السريّة على الجزائر (5)

حقوق الإنسان في مزادات المخزن

4 – البحث المضني عن شبكات في الداخل الجزائري:

وإن أشرنا من قبل إلى أن المخابرات المغربية تعمل ما في وسعها على اختراق الجانب الجزائري بشبكات تكون متواجدة على ترابها، وإن كان من الصعب الوصول إلى قلب الجهاز إلا أنه توجد لهم شبكة تتكون من مغاربة يقيمون بطريقة شرعية ولا تلاحقهم أي شبهات، وتشير معلوماتي إلى أن رجال المخابرات المغربية يتسللون كثيرا عبر الحدود بين الجزائر والمغرب ومن طرق تستعمل لتهريب المخدرات والسلع، وأحيانا يتوغلون في التراب الجزائري بهويات جزائرية مزورة.

ونذكر في سياق التسلل عبر الحدود من أجل التجسس وإنجاز مهمات أمنية واستخبارتية، أن محكمة جنايات بشار في أواخر أكتوبر 2008 قضت بإدانة المدعو “س. عزيز” بـ 12 عاما بتهمة التجسس وجمع معلومات خاصة بالدفاع الوطني لصالح دولة أجنبية والهجرة غير الشرعية. ووقائع قضية الشاب البالغ من العمر 22 عاما تعود إلى شهر ماي 2008 عندما ألقى الجيش الوطني الشعبي القبض عليه ليلا وهو على متن دراجة نارية في المنطقة المسماة حاسي المالح بدائرة ام العسل التابعة لولاية تندوف.

وقد اعترف أنه أرسل من المدعو محمد الغدري المنتمي للدرك الملكي بعدما منحه مبلغ 200 درهم من أجل جمع معلومات عن الجيش الجزائري ومواقع البوليزاريو، وتعتبر القضية ذات وزن ثقيل تكتمت عليها السلطات حينها إلى أن جرت محاكمته.   والغريب أن المتهم هو من قال أن اسمه عزيز ولم يتم ضبط أي وثيقة هوية معه، ولا السلطات المغربية سعت لمعرفة وضعية رعيتها، المدعو رضا طوجني الذي سيأتي الحديث عنه في أمور أخرى، قد أشار لي في هذا السياق أن الشخص المحكوم عليه كان مجردّ طعم من أجل التغطية على اختراق آخر جرى في جهة بعيدة عن مكان توقيف المدعو عزيز، وحاولت أن أعرف منه الأكثر إلا أنه تهرب من ذلك متحججا بأسباب عديدة ومختلفة.

حقوق الإنسان في مزادات المخزن

يعتبر ملف حقوق الإنسان من أعقد الملفات التي تواجه المخزن وخاصة في الصحراء الغربية، فكل التقارير المختصة في هذا الشأن، تجمع على إدانة ما يقترفه المغرب من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقوانين والمواثيق الدولية التي وقع عليها، ويتجاوز ما تعهد به أمام المنظومة الدولية. أكدت أن المغرب يستهدف الصحراويين باعتقالات تعسفية وعشوائية وتهم ملفّقة تطال كل من يوالي جبهة البوليزاريو، كما أنها تستهدف النشطاء الحقوقيين بتهم مفبركة وتوقيفات متوالية.

المحاكمات غير عادلة، وهي سياسية بحتة وتخضع لإملاءات فوقية من طرف جهاز المخابرات، ويلجأ هذا الجهاز إلى ابتزاز الموقوفين من أجل توريطهم في مراجعة مواقفهم السياسية، سواء عن طريق الإغراء بالأموال والحرية والنفوذ والمناصب، أو التهديد بالتصفية الجسدية والوعيد بأحكام قاسية تجعل هذا الناشط يقضي عمره كاملا في السجون. أو تحت الإكراه بتوقيع محاضر مزورة عليها تصريحات ملفقة لا أساس لها.

ويتعرض الصحراويون في سجون المملكة إلى التعذيب والضرب والإهانة وحتى الاعتداءات الجنسية، كما أن مخافر الشرطة ترفض إجراء اختبارات طبية للكشف عن آثار ما اقترف في حق الموقوفين، هذا من دون أن نتجاهل ما يحدث في السجون من تعذيب وضرب واعتداءات وحرمان من أدنى الحقوق الآدمية التي تطال الصحراويين أو المساجين الإسلاميين، بل أن لدى حراس السجون تعليمات تقضي بالاحتراس من خطر الصحراويين الذي هو أكبر من أولئك المعتقلين في قضايا الإرهاب أو حتى التفجيرات.

هذا فضلا عن السجون السرية الأمريكية التي كشفت عنها دراسة دولية أنجزها محققون ونقلت البعض منها صحيفة “فرانكفورتر روندشاو” الألمانية في عددها الصادر في 08/03/2010 . كما لا يمكن أن نتجاهل أشرطة  لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية التي أظهرت المتهم في هجمات11سبتمبر2001، رمزي بن شيبة، وهو يخضع للاستنطاق في أحد السجون السرية بالمغرب عام 2002 .

من جهة أخرى تعمل المخابرات المغربية، كثيرا جدا، وفي حالات لا تحصى ولا تعد، على ملاحقة المعارضين بتهم لا أساس لها، وغالبا ما تتعلق بالحق العام كالسياقة في حالة سكر، إهانة هيئة نظامية، الاعتداء على رجال الأمن، التحرش الجنسي، السرقة، النصب والاحتيال.. الخ، وطبعا يختلق لهم ضحايا ويكونون دائما من المستوطنين المغاربة، أو ممن يعملون لحساب الجهاز في الصحراء الغربية، والذين يصفهم الصحراويون بالمرتزقة. وهذه التهم التي تتعلق بالحق العام هي مناورة مخابراتية من أجل أن لا يكون هؤلاء المعتقلين سجناء رأي، وهو الذي يسبب المتاعب للسلطات المغربية مع منظمات حقوق الإنسان والمجتمع الدولي.

يمارس المغرب أيضا الطرد والإبعاد للصحراويين من أراضيهم ومصادرتها بقرارات السلطات الأمنية، أو يجري الاحتيال عليهم في ممتلكاتهم بشهود زور ووثائق مفبركة وبتواريخ رجعية، وهذا من أجل تمكين المستوطنين المغاربة كما يطلق عليهم هناك، من امتلاك عقارات في الصحراء حتى يخلط ورق الأمم المتحدة مستقبلا إن أجبرت الرباط على استفتاء تقرير المصير. أما الإبعاد من التراب فتعتبر أميناتو حيدار من أشهر مناضلي حقوق الإنسان الذين تم طردهم، وقد تعرضت أميناتو إلى ذلك في نوفمبر 2009 وأثارت قضيتها زوبعة عالمية وضعت المخزن في موقف حرج، لم يجد من حل سوى الرضوخ وإقالة بعض المسؤولين لذرّ الرماد في العيون.

إلى جانب ما ذكرنا فالتقارير الحقوقية التي توصلت بها مؤخرا، أو من خلال معاينتي للواقع في منطقة الداخلة، فقد وقفت على إجراءات صارمة وقمعية يمارسها الأمن المغربي وهذا من أجل الحدّ من حرية التجمهر والتظاهر السلمي والإضرابات، وهذا الذي يناقض المادة21 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. كما تعرقل المخابرات تكوين جمعيات حقوقية في الصحراء الغربية، وهو ما يخالف المادة 22 من العهد الدولي وأيضا الفصل التاسع من الدستور المغربي، ونذكر في هذا السياق على سبيل المثال لا الحصر، منع “تجمع المدافعين الصحراويين عن حقوق الإنسان” في 07/10/2007، بل إن “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” والمعترف بها يتعرض فرعها في مدينة العيون لمضايقات مختلفة، من أجل إعاقة عملها في الوصول إلى الملفات السوداء التي تزخر بها المنطقة الجريحة.

حتى الصحفيون والمراقبون الدوليون الأجانب الذين يتابعون قضية الصحراء الغربية، يتعرضون إلى عراقيل كثيرة تعيق عملهم، كما أن المخابرات تعمل على تضليلهم حتى يتم توجيههم نحو ما يخدم أطروحة المغرب، وهذا الذي جعلهم ينتفضون ضدي لما نشرت تحقيقي عن منطقة الداخلة. ونذكر أن السلطات أقدمت على طرد وفد حقوقي فرنسي في 25/04/2008، منعت أيضا بعثة تقصّي الحقائق في البرلمان الأوروبي أواخر 2005 . أيضا اعتدت على مواطنين إسبان تضامنوا مع الصحراويين في العيون في أوت الماضي وإعتقلتهم ثم رحلتهم إلى بلادهم. ويندى الجبين لما يجري في حق حرية التعبير والعمل النقابي والصحافة… الخ.

للمغرب كتاب أسود فيما يتعلق بحقوق الإنسان سواء في الصحراء الغربية أو حتى في التراب المغربي، ولا يمكن حصره في مقال، لأن القضية تحتاج إلى مؤلفات مستقلة، ويوجد الكثيرون ممن كتبوا في هذا الأمر، والملفات التي تقدمها جبهة البوليزاريو إلى الأمم المتحدة تحتاج إلى وقفات لا تنتهي، لأنها ملفات موثقة وثابتة لا تحتاج إلى أدنى مراوغة.

وبسبب ذلك تعمل المخابرات المغربية في هذا الإطار على عدة أطر نحاول أن نتحدث عن بعضها في هذه المتابعة المختصرة.

1 – محاولات كسب ودّ المنظمات الدولية بالكذب والملفات المزورة:

تنشط المخابرات المغربية كثيرا من أجل كسب ودّ المنظمات الحقوقية الدولية وغير الحكومية، وخاصة تلك المهتمة بشؤون الصحراء الغربية، وقد كشفت لي شخصيات معروفة لا يمكن أن نبوح باسمها، من أن المغرب حاول استدراجهم مرارا وتكرارا سواء عن طريق الإغراءات المالية أو من خلال قضايا مشبوهة وملفات غامضة، أو من خلال محاولة دسّ عملاء بينهم يظهرون للناس أنهم معارضون للنظام المغربي وأنهم نشطاء حقوقيون يتعرضون للمضايقات في محلات إقامتهم، وفي الأصل هم يؤدون مهمات لصالح جهازهم.

وعندما أخفق الجهاز في الوصول لغايته، لجأ إلى التقارير الكاذبة والملفات المزوّرة التي ترسل بقنوات مختلفة إلى منظمات حقوقية بارزة من أجل توجيهها أو مغالطتها، وتوريطها في ما يشيد بالمغرب ويدين الجزائر وجبهة البوليزاريو في آن واحد، بل تدخّلوا أحيانا في شؤون الداخلية للجزائر.

2 – الرهان على حقوق الإنسان في المخيمات:

كما ذكرنا سابقا أن أخطر ما يواجه المخزن اليوم هو الملف الحقوقي في الصحراء الغربية، وخاصة أن الانتهاكات قائمة وبأساليب لا يمكن تخيلها، وهي ثابتة من خلال الاعتقالات التعسفية والتعذيب والقتل خارج أطر القانون والاغتيالات والقمع ومناهضة حرية التعبير.. الخ. ومن أجل تخفيف العبء المسلط على رقبة المخزن، تعمل منذ فترة على محاولة إبراز المخيمات كمنطقة سوداء تنتهك فيها حقوق الإنسان، أقول هذا من أجل رفع العبء في الداخل الصحراوي، وأيضا من أجل محاولة جعل المجتمع الدولي يضغط حتى تفكك هذه المخيمات التي بدورها من أعقد ما يواجه الأمم المتحدة والقانون الدولي، لأن وجود لاجئين ومنذ أكثر من 35 عاما ومن دون وضع حدّ لأسباب لجوئهم هو جريمة دولية بامتياز، ولا يمكن استمرارها إلا بحلّها وفق أطر إنسانية وقانونية ودولية، ومادام المغرب هو من يتحمل المسؤولية الجنائية في هذا الشأن سيلعب على أوتار حلول شكلية لأجل المطالبة بحلّ المخيمات أو إعادة توطين اللاجئين في الجزائر أو بلد أخرى، أو حتى ترحيلهم جماعيا إلى ما يصفه المخزن “الوطن الأم” وكأن واقع الصحراويين في الداخل هو في أحسن الظروف، بل بالعكس أن ما يواجهونه يندى له الجبين ويجعل أسباب اللجوء قائمة ومستمرة بالرغم من توقيف الحرب بين المملكة والبوليزاريو، وهذا الذي وقفت عليه بنفسي ولم ينقل لي كما يجري مع الآخرين.

نرى أن المغرب خاصة في السنوات الأخيرة يحاول التركيز على حقوق الإنسان في المخيمات، وهذا بإقامة ملتقيات وندوات وبرامج تلفزيونية وإذاعية وتقارير صحيفة وحقوقية، وكلها تدين البوليزاريو من أنها تنتهك حقوق الصحراويين، ويحمّل الجزائر كل المسؤولية. بل يلجأ المخزن أيضا لفتح ملفات الأسرى المغاربة السابقين لدى الجبهة وذلك بنشر شهاداتهم في الكتب ووسائل الإعلام. كما أن خبراء المخزن يروجون كثيرا لما يسمى بالسجون السرية في تندوف. لم يقتصر الأمر على ذلك بل انتشرت أنباء هنا وهناك على العبودية والمتاجرة بالأطفال ومتابعات أخرى تتعلق بالأعراض والشرف… الخ. وهذا كله سعي مخابراتي من أجل توجيه الأنظار الحقوقية وشغلها بشأن تندوف، حتى يخفف الأمر على ما يقترف في حق الصحراويين في الداخل، فضلا من أن اللاجئين هم القنبلة الموقوتة في عنق المملكة المغربية.

ومن اجل إعطاء بعض المصداقية لهذه الأساطير المخزنية، تركز المخابرات على ما تطلق عليه “شهادات العائدين للوطن” في إطار ما يعرف بـ “الوطن غفور رحيم”! . هؤلاء ممن يصورهم المغرب على أنهم إنجاز وطني وهو في الحقيقة مجرد صفقات تقع بين محتاجين وأحيانا مع مواطنين من البدو الرحل في الصحراء القاحلة وأعماقها، ممن يتم تقديهم للرأي العام على أنهم فرّوا من “جحيم” تندوف. والمتتبع لندوات بعضهم يجدها موجهة نحو تصوير المغرب من أنه جنة وفردوس وأنهم أيضا يرددون ما لقّن لهم على مدار أسابيع يخضعون فيها لغسيل المخ، هذا من أجل الإجماع على إضفاء المصداقية على الملف الحقوقي الذي يروجه المغرب عن مخيمات تندوف، وقد سبق وأن وجهت بنفسي نقدا لجبهة البوليزاريو، فيما يخص حقوق الإنسان في المخيمات وحتى المناطق المحررة، وانتقادي طبعا لا يعني المساس بالقضية المقدسة للصحراويين ولا أنا مناهض لإرادتهم ولا لتقرير مصيرهم، والذي أدركته عن قرب لما وقفت على مآسيهم في وطنهم.

الشروق اليومي 05/10/2010

روابط مهمة:

– الشروق أونلاين بالعربية

– الشروق أونلاين بالفرنسية

– الشروق أونلاين بالإنجليزية

– نسخة من الجريدة الورقية المطبوعة PDF

للإطلاع على الحلقات السابقة:

– الحلقة الأولى

– الحلقة الثانية

– الحلقة الثالثة

– الحلقة الرابعة

Be Sociable, Share!

????????? (1)

تعليق واحد على “دراسة: المخابرات المغربية وحروبها السريّة على الجزائر (5)”

  1. salam on 8 أكتوبر, 2010 12:48 ص

    الله يعفو عليك


Bottom