دراسة: المخابرات المغربية وحروبها السريّة على الجزائر (6)

2010/10/08

 دراسة: المخابرات المغربية وحروبها السريّة على الجزائر (6)

وجها لوجه مع محمد ياسين المنصوري (رئيس جهاز الاستخبارات المخزنية)

يواصل الكاتب في هذا الجزء من دراسته تفكيك محاولات المخزن لاستعمال ملفي التعذيب وحقوق الإنسان والنفخ في مؤامرة “من يقتل من؟” ضد الجزائر، فالمغرب، حسب الكاتب، لا يجد ردّا على ما ثبت في الصحراء الغربية من انتهاكات جسيمة إلا بتوجيه أصابع الاتهام للجزائر، واللعب على أوتار مختلفة لا قبلها المنطق في أغلب الأحيان.

في حين المغرب يهدف من وراء ذلك النقد الحقوقي المسرب عبر قنوات ووسائل مختلفة هو الوصول إلى ضرب مصداقية القضية وأيضا جعل اللاجئين مجرد محتجزين فقط، ولا علاقة لهم بالمواثيق الدولية المتعلقة بالنزوح أو اللجوء الجماعي أو الهجرة القسرية. وطبعا تستغلّ المواثيق والقوانين من أجل تحميل الدولة الجزائرية المسؤولية بسبب تواجد هؤلاء على التراب الجزائري وتحت السيادة الوطنية، وهذا حتى يتحقق الضغط ومنه يصلون إلى غاية تخلّي الجزائر عن القضية الصحراوية، وهو حلم بعيد المنال حسب ما نعرفه من خلال متابعتنا للموقف والقضية وأسباب الدعم والمساندة وجذور التأييد.

فالمعركة الحقوقية التي تنشب ما بين جبهة البوليزاريو والمغرب، جعلت هذا الأخير يرابط من أجل نقل ميدانها من شباكه في الأراضي الصحراوية إلى شباك الجبهة في المخيمات بتندوف.

3 – محاولات لتنشيط ندوات في الخارج يرعاها جزائريون ومناهضة للبوليزاريو:

لقد أقيمت نشاطات مختلفة مؤيدة للأطروحة المغربية، وتتمثل في ندوات أو حتى مسيرات مناهضة للبوليزاريو، ويقوم بذلك المهاجرون المغاربة في أوروبا وبتموين من السفارات المغربية، ولكن الشيء الذي لا يزال يسعى إليه المخزن هو أن تأتي مثل هذه النشاطات من طرف جزائريين أو صحراويين، ولكن الأمر لا يزال يقابل بالإخفاق الشديد، بسبب رفض المهاجرين الجزائريين والصحراويين لمثل هذه الأعمال المشبوهة. ونذكر في هذا السياق أنه في نوفمبر 2008 ومن خلال مغاربة يعيشون ما بين كندا والولايات المتحدة الأمريكية، قد دعيت للمشاركة في ندوة حول جبهة البوليزاريو وحقوق الإنسان، وقد تواصل معي بخصوص ذلك، أحد المنظمين وهو أستاذ جامعي يعيش في واشنطن، غير أنه طلب مني لاحقا أن أكون أنا منظم اللقاء في باريس وأدعوا له الحقوقيين من العرب والأوروبيين وبعض البرلمانيين الفرنسيين ونشطاء إسبان ممن يدعمون الأطروحة المغربية، كما طلب مني التركيز على الجزائريين. وعندما تساءلت عن سبب هذا التغيير، أكّد لي أنه يريد الطابع الجزائري للملتقى حتى ينجح في تحقيق الأهداف المرسومة له. وهذا الذي رفضته لأنه لا يمكنني أن أنظم مثل هذه الملتقيات أو الندوات التي أجهل الأيادي السرية التي تقف خلفها بالدعم والتموين، كما قطعت علاقتي بذلك الشخص منذ ذلك الحين، بعدما سمع منّي ما لا يرضيه.

ولا تزال المخابرات المغربية تعمل من أجل محاولة خلق أي نشاط يكون مصدره جزائري، لإقناع العالم بأطروحته التي يكفر بها الصحراويون إلى منتهى لا يقبل أدنى نقاش أو تردد.

4 – حقوق الإنسان في الجزائر:

بسبب الملفات الخطيرة التي عرفها العالم عن واقع حقوق الإنسان في المغرب والصحراء الغربية، ولذلك كما ذكرنا يلعب المخزن على وتر حقوق الإنسان في المخيمات، وأيضا إثارة هذه الملفات المتعلقة بالجزائر، وهذا من أجل تأليب المنظمات الحقوقية على الجزائر، وإرضاخها بالضغط للتغاضي عن مأساة حقوق الإنسان في الصحراء الغربية.

ومن خلال تقصي الأمر في فرنسا على سبيل المثال، فقد عثرت على بصمات مغربية في اتهامات مختلفة لاحقت الجزائر، وأذكر في هذا السياق أن أول من نشر خبر الشكوى التي رفعتها من قبل في الأمم المتحدة حول قضية التعذيب، هي الصحافة المغربية، حيث كانت البداية مع موقع هسبريس الذي نشر تقريرا بتاريخ 27/07/2009 عن قبول لجنة مناهضة التعذيب النظر في ملفي، وبعدها في 29/07/2009 نشرت يومية “أخبار اليوم” خبرا عن ذلك تحت عنوان مثير “قبول شكاية ضد جنرالات الجزائر بالأمم المتحدة”. وتوالت الأخبار في صحف ومواقع أخرى مختلفة. والأمر لم يقتصر عليّ أنا فقط، فالصحف المغربية تحفل بأخبار كثيرة عما يتعلق بحقوق الإنسان في الجزائر، وعرف الأمر ترويجا في محافل دولية كما يجري مع السيد عمر هلّال السفير المغربي الدائم لدى مكتب الأمم المتحدة بجنيف، حيث أنه في الدورة 12 لمجلس حقوق الإنسان التي عقدت بتاريخ 17/09/2009 الذي اتهم الجزائر صراحة وعلانية بالانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، ورد على السفير الجزائري الذي كشف عن جرائم المغرب في الصحراء الغربية، قائلا: “وإن لم يرق الأمر للسفير الجزائري فإن وضعية حقوق الإنسان تبقى أفضل ألف مرة منها في الجزائر حيث انتهاكات حقوق الإنسان ما زالت تسجل بشكل يومي”.

وهو الذي تكرّر أيضا في 17/09/2010 عندما أثار إدريس الجزائري قضية حقوق الإنسان في الصحراء الغربية، وذلك خلال الدورة 15 لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

كما سبق وأن حدثت ملاسنات في جنيف، لما تطرق المجلس الإقتصادي والإجتماعي لمنظمة الأمم المتحدة في 23/07/2007 عندما تدخل السفير إدريس الجزائري أثناء مناقشات موضوع تأثيرات الاحتلال الإسرائيلي والحق في محو الاستعمار، وقوله بأن “أراضي الشعوب التي تقع تحت الاستعمار من الصحراء الغربية حتى مرتفعات الجولان تحولت إلى سجون بالنسبة لها”، ما دفع السفير المغربي حينها محمد لوليشكي بأن يتهم الجزائر كالعادة من أنها “مسؤولة عن منع أعداد من الصحراويين منذ 30 سنة من الحرية في تندوف”.

وهو الأمر الذي يحدث دائما بين الجزائر والمغرب بخصوص حقوق الإنسان، كما تناقلت وسائل الإعلام المغربية تصريحات لمسؤولين في الحكومة يرددون الأسطوانة نفسها. وظل المغرب لا يجد ردّا على ما ثبت في الصحراء الغربية من انتهاكات جسيمة إلا بتوجيه أصابع الاتهام للجزائر، واللعب على أوتار مختلفة لا يقبلها المنطق في أغلب الأحيان.

1- ملف المفقودين والتعذيب والمجازر:

من بين ما عملت المخابرات المغربية من أجل بعثه للواجهة وعلى أعلى المستويات، هو الملف الشائك المتعلق بالمفقودين، حيث أن بعض العائلات وخاصة تلك التي تأكدت من التحاق ذويهم بمعاقل الجماعات المسلحة، ترفض الاعتراف بذلك حفاظا على وجه الأسرة وتاريخها، حتى لا تتلطخ بالإرهاب الذي يعتبر من الأمور المشينة التي يلفظها المجتمع الجزائري، كما توجد عائلات أخرى تنضوي تحت جمعيات يرعاها لوبي الأممية الاشتراكية في فرنسا وغيرها، وهذا لا ينفي أنه يوجد ضحايا أبرياء من حق الدولة عليهم أن تكشف لهم مصير ذويهم.

فقد أفادت بعض المصادر، أن مغاربة ينشطون تحت عناوين مختلفة يلعبون دورا فعالا في إثارة هذا الملف، بل إنهم يخترقون بعض الجمعيات التي تنشط في مجال حقوق الإنسان، وهذا من أجل التركيز على المفقودين والتعذيب والمجازر الجماعية التي استهدفت المدنيين خلال العشرية السوداء. وقد علمت من خلال علاقاتي الواسعة مع بعض المنظمات والنشيطين في مجال حقوق الإنسان، أن تقارير دورية كثيرة أصدرتها حتى الخارجية الأمركية حول واقع حقوق الإنسان في العالم العربي، قد جرى الاعتماد على مغاربة لديهم علاقاتهم الواسعة مع دوائر غير حكومية.

حتى ما يعرف بالمرحّلين المغاربة من الجزائر وبغض النظر عن طبيعتها، فقد شاب الأمر ما يثير الكثير من الشبهات ونقاط الظل، وخاصة أنني تواصلت مع بعضهم في أوروبا وتأكد لي أن القضية لا تتعلق أساسا بأزمة هؤلاء التي لا تزال مستمرة في المغرب، بل أنه يراد توجيهها نحو ما يخدم أجندة القصر التي تعمل على إحراج الجزائر حقوقيا وفق منظور استخباراتي يروم نحو تفادي الضربات الموجعة التي يتلقاه بسبب الكتاب الحقوقي الأسود في الصحراء الغربية.

ألاعيب سياسية على مقاس الشيطان

بغض النظر على كل ما تقدم، وهو في حد ذاته مثير ويفتح أفق مشبوه على ما تقوم به المخابرات المغربية من أجل الضغط على الجزائر أو إرضاخها لمنطق الإحراج أمام المجتمع الدولي، حتى تتخلّى مجبرة عن دعم الصحراويين في تقرير مصيرهم. إلا أنه بحكم تجربتي اكتشفت ألاعيب سياسية قذرة يقوم بها الجهاز المغربي من أجل الوصول إلى غايته، ويمكن أن ندرج في هذا الإطار بعض الأمور.

1 – تجنيد المعارضين وتأليبهم والترويج لإشاعات مغرضة:

يراهن المخزن كثيرا على ما تسمى “المعارضة الجزائرية في الخارج”، وذلك من أجل تنشيط جبهة الرفض للموقف الجزائري تجاه قضية الصحراء الغربية، لأنه يعلم أن هؤلاء الذين يعارضون كل شيء لا يمكنهم أن يساندوا النظام في دعمه للصحراويين، وطبعا من يفكّر بهذه الطريقة فهو أحمق.

وإضافة إلى ما تمّ الحديث عنه فيما يخص استدراج الأصوات المنتقدة للوضع في الجزائر، من أجل توريطها في مناهضة الموقف الثابت من قضية الصحراء الغربية، فإننا نؤكد على أن المخابرات المغربية تسعى من أجل جلب الأسماء ذات المصداقية أو الوزن الثقيل، حتى وإن لم تصرح بموقف مناهض حفاظا على مصداقيتها إن وجدت، إلا أنها تضعها تحت تصرفها في إطار النقد الحقوقي أو اللعب على أوتار أخرى كمسألة الحدود المغلقة وإتحاد المغرب العربي والعلاقات بين الشعبين.

وفي هذا السياق أذكر أن آخر تواصل حدث معي هو اللقاء الذي جمعني بطريقة مشوبة بالمغالطة، مع مسؤولين في المخابرات المغربية لما زرت مدينة آسا في أفريل الفارط، في إطار فعاليات ندوة حول حقوق الإنسان في مخيمات تندوف، وقد وصلت إلى أكادير على الساعة الثالثة من صباح 22 أفريل، وبعدما أخذت قسطي من الراحة اتصل بي المدعو رضا طوجني، رئيس ما يسمى “جمعية الصحراء المغربية” ومدير نشر صحيفة “الصحراء الأسبوعية”، وقد دار الحديث في أشياء عمومية في أغلبها تتعلّق بجمال مدينة أكادير والسياحة في المغرب وأشياء أخرى، وبعد حوالي ساعة افترقنا على موعد أن يرسل لي سائقه الشخصي من أجل قضاء أغراض شخصية من سوق المدينة، بعدما تأخر وصول حقيبتي من الدار البيضاء، حيث شهد مجال الطيران حينها اضطرابات بسبب بركان إيسلندا.

عدت إلى غرفتي، وفي حدود الساعة 11 صباحا اتصل بي هاتفيا موظف الاستقبال، ليخبرني من أنه يوجد ضيوف يودون رؤيتي، وعندما أردت معرفة أسمائهم أخبرني أنهم من طرف رضا طوجني. نزلت إليهم فوجدت 4 أشخاص في انتظاري، وكانوا يلبسون بدلات وربطات عنق وملامحهم توحي أنهم من المسؤولين في الدولة المغربية. سلمت عليهم وقدموا لي أنفسهم على أنهم إطارات في الولاية، طلبت منهم أن يتفضلوا في صالون الفندق، وهو ما لبّوه دون تردد. وقد قدم لي أحدهم على أنه اسمه أحمد وهو عقيد في الأمن، وأنه أرسل خصيصا من طرف والي المنطقة، ولما استفسرت في بداية الحديث عن الموضوع أخبروني أنه يودّ إستقبالي والتعرّف عليّ فقط والترحيب بي، حتى أن العقيد أحمد قال: “لابدّ أن نرحب بكاتب كبير يزور أوّل مرة وطنه المغرب”.

كنت على يقين أن الأمر ليس كذلك فقط، لأنه من عادتي أن أنأى بنفسي عن مثل هذه المواقف التي قد تحسب لجهات ما، وهو الموضوع الذي لم يتمّ الاتفاق عليه من قبل، أوضحت لهم أن مهمتي محددة وأتفادى مثل هذه المواقف التي قد تحرجني وتسيء لي، بعد تردّد وإلحاح منهم وافقت على اللقاء، وكان الحس الصحفي لمعرفة الخفايا يسيطر عليّ، فأخرج أحدهم هاتفه الشخصي وأجرى اتصالا لم يتكلم خلاله إلا بجمل قصير وعابرة، وهي: “الأستاذ أنور مالك وافق على اللقاء”. ليخبرني على أن الموعد سيكون على الساعة الثالثة من مساء ذلك اليوم، وأنه سيأتيني سائق خاص ليأخذني إلى المكان المقصود، فداعبت العقيد قائلا: “يبدو أنكم جهزتم السيارة التي ستنقلني عبر الحدود البرية لبلدي الجزائر”، فضحك وقال: “أنت لديك مكانة مرموقة ولا يمكن أن يؤذيك أحد هنا في بلدك المغرب”، فعلقت قائلا: “حتى بلدي لن تؤذيني أبدا”.

عدت إلى غرفتي ورحت أفكّر في الموضوع، وقد جالت في خاطري احتمالات الإيذاء أو التوريط في أشياء خطيرة، ولكن استبعدت الأمر، لأنه لا يمكن أن يحدث ذلك وأنا على التراب المغربي، كما أنني في نهاية المطاف صحفي والبحث في أغوار مثل هذه الأمور من أوجب واجباتي، وقد يقتضي الأمر المغامرة في أمور كثيرة، فضلا من كل ذلك أن الذي يريد رؤيتي هو الوالي وليس عيبا أن ألتقيه بحكم مهنتي.

لقد طافت بي الوساوس في كل حدب وصوب، وفكرت أن أخبر رئيس الجمعية التي دعتني، إلا أنني فضلت أن أرضخ لطلبهم بأن لا أخبر أيا كان بالأمر سواء في المغرب أو أي جهة أخرى، وصممت على المضي قدما معهم للوصول إلى أسرار وخفايا ظللت أراها تحوم على شأن العلاقات الجزائرية المغربية وملف الصحراء الغربية، ولأنني شككت أن اللقاء ليس مع والي المدينة فقط، لأنه لو كان الأمر كذلك لاتصلوا برئيس جمعية الصحراويين الوحدويين، والذي افتتح له قافلته الوزير اليازغي.

الشروق اليومي 08/10/2010

روابط مهمة:

– الشروق أونلاين بالعربية

– الشروق أونلاين بالفرنسية

– الشروق أونلاين بالإنجليزية

– نسخة من الجريدة الورقية المطبوعة PDF (الصفحة 1)

– نسخة من الجريدة الورقية المطبوعة PDF (الصفحة 2)

للإطلاع على الحلقات السابقة:

– الحلقة الأولى

– الحلقة الثانية

– الحلقة الثالثة

– الحلقة الرابعة

-الحلقة الخامسة

Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom