دراسة: المخابرات المغربية وحروبها السريّة على الجزائر (8)

2010/10/10

 دراسة: المخابرات المغربية وحروبها السريّة على الجزائر (8)

استخبارات المخزن تروج لمسرحية “اغتيال” الانفصالي فرحات مهني

في ظل الحرب العالمية التي تشنّها الولايات المتحدة وحلفاؤها من العجم والعرب، على الإرهاب الدولي العابر للقارات، وطبعا وفق مقاربة صنعها المحافظون الجدد في البيت الأبيض، يستغل هذا الأمر من بعض الأطراف لتصفية الخصوم أو توريطها في ما يخدم أجندتها، ونجد المخابرات المغربية تعمل على عدة أصعدة من أجل التأكيد على أن الجزائر بلد غير آمن، وأنه مصدر للإرهاب الدولي، وأن جبهة البوليزاريو متورطة في خضم هذا المستنقع غير الآمن.

الأمن الإقليمي والإرهاب الدولي

ويروم هذا الجهاز من أجل أن يجعل من المغرب هو الطرف الفاعل في محاربة الإرهاب، وهذا عبر مخطط تشويه الأطراف الأخرى وعلى رأسها الجزائر، وأيضا بالتشكيك في فاعلية الأجهزة الأمنية الجزائرية واتهامها بالعجز في محاربة الإرهاب واجتثاثه من جذوره.

ومن أجل أن يصنع المخزن مقاربته الأمنية لأجل فرض أطروحته الخاصة بالصحراء الغربية، يعمل على أصعدة مختلفة لا يمكن حصرها في هذا المقام، ولكن نودّ أن نشير إلى أمور مهمة للغاية من خلال بعض المحاور.

1 – الشبكات النائمة والابتزاز الملوّث:

من حين لآخر نقرأ ترويجا إعلاميا من أن الأجهزة الأمنية المغربية قد فككت شبكات نائمة كانت تحضر لأعمال إرهابية في المغرب، وغالبا ما يزعمون أنها كانت تستهدف المصالح الأجنبية في البلاد، وقد تمت إدانة أكثر من 2000 شخص من هؤلاء الموقوفين الذين يصفهم المغرب بالمتشددين السلفيين، وذلك منذ هجمات 16 / 05 / 2003 في الدار البيضاء.

ونذكر في سياق هذه الشبكات النائمة، التي يفاجئ المغرب من حين لآخر العالم بتفكيكها وتوقيف عناصرها، آخرها تلك الخلية المتكونة من 18 عنصرا التي أعلن تفكيكها في أوت الماضي. والمثير للانتباه أنه في 21 جوان الفارط قد أعلنت السلطات المغربية تفكيك شبكة وصفت بالإرهابية تتكون من 11 عنصرا ويقودها فلسطيني ينحدر من غزّة، يدعى يحيى الهندي، وهي المرة الأولى التي يعلن فيها عن عنصر أجنبي ضمن هذه الخلايا النائمة التي صارت عادة مثيرة يتميز بها المغرب، وقد أكّدت والدة الموقوف أنه سافر للمغرب من أجل إتمام إجراءات زواجه من مواطنة مغربية.

وفي فيفري 2008 أعلن أيضا تفكيك شبكة عرفت بمجموعة عبدالقادر بلعيرج،  الذي اعترف بدوره الصريح والواضح في تهريب السلاح للجزائر ودعم الجماعات الإرهابية، وتشتبه بعض المصادر المطلعة أن بلعيرج راح ضحية صراع بين جهاز المخابرات المغربي ونظيره البلجيكي الذي يعتقد أنه قد جنده لصالحه، في حين أطراف أخرى تراه عميلا مزدوجا، يؤدي دورا أوكل له لخدمة الجماعات الإرهابية النشيطة في الجزائر ودعمها.

في 2006 أعلن تفكيك ما صار يعرف بـ “أنصار المهدي” وحكم على زعيمها حسن الخطاب بثلاثين عاما، والذي قضى من قبل عقوبة سنتين في سجن سلا على خلفية تفجيرات الدار البيضاء في 16 / 05 / 2003. كما أعلن أيضا تفكيك لخلية وصفت بالإرهابية لها صلة بتنظيم “القاعدة” في 26 أفريل الماضي، وتتكون الخلية من 24 عنصرا. وفي مارس من العام الجاري أيضا، أعلنت وزارة الداخلية عن تفكيك خلية تتكون من 6 أشخاص، وجرى اعتقالهم في تازة ووجدة والقنيطرة.

هذا العمل المسوق له يتزامن دائما مع بعض العمليات الإرهابية التي تحدث في الجزائر، ونعتقد أن المغرب يراهن على إبراز احترافية مصالح أمنه والتقليل من شأن المصالح الجزائرية، حتى يعطى دورا دوليا في مجال مكافحة الإرهاب، الذي سيستعمله بلا شك من أجل تصفية حساباته مع جبهة البوليزاريو، وقد عجز المغرب بالرغم من مخططاته السرية التي لا تحصى ولا تعد على تقديم أدنى دليل يمكن من خلاله أن يضع جبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، تحت طائلة أدنى الشبهات. فالمغرب من خلال هذه الشبكات النائمة والمزيفة في أغلبها، ما هي إلا عملية يراد منها ابتزاز المجتمع الدولي من أجل تحقيق الغاية التي أشرنا إليها سابقا، ويكفي دلالة على ذلك أن إبعاد المغرب من المشاورات التي حدثت بخصوص أمن منطقة الساحل والصحراء، قد دفعه  إلى الاستنكار واللعب على أوتار أخرى سيحين الحديث عنها فيها في وقت آخر.

2 – الترويج لدعاية الاغتيال:

من أخطر ما يقوم به جهاز المخابرات المغربي، هو الترويج لأطروحة الاغتيال التي ستقترفها المخابرات الجزائرية في حق “معارضين” في الخارج، أو حتى تلك الأسماء التي صنعتها وسائل إعلامه. والمتابع لشأن الأسماء التي برزت إعلاميا سواء كانت لا تزال في الواجهة أو اختفت بحكم الظروف أو تقلبات في المواقف أو بنهاية الصلاحية، سيجدها كلها قد راج عن أمرها ما سمي بالتربص لتصفيتها واغتيالها من طرف المخابرات الجزائرية.

نذكر على سبيل المثال الترويج لمخطط “اغتيال” المطرب فرحات مهني، ومن أجل الاستدلال نذكر ما نشره موقع هسبريس بتاريخ 05 أوت المنصرم، تحت عنوان “هل حياة المغني القبائلي فرحات مهني في خطر”، والموضوع هو حوار أجراه الموقع مع من وصفه بالباحث ويدعى ديميتري دومبري، ومن خلاله أراد الموقع الترويج لفرضية تعرض حياة هذا المغنّي المغمور للخطر، مشيرين في السياق نفسه إلى ما وقع لنجله من قبل أو ما تعرض له معطوب الوناس. كما أفادتني بعض المصادر على أن الجهاز المغربي يبحث عن أدنى دليل لو يكون كاذبا وملفّقا فيما يخص إغتيال الوناس، من أجل إثارة القبائل وذلك بإتهام المؤسسة العسكرية ووضعها على محك آخر.

لقد تعرضت إلى الأمر نفسه ككل من يبرز اسمه على المشهد الإعلامي، وبغض النظر عن التهديدات التي تصلني هاتفيا أو عبر البريد الإلكتروني منذ سنوات، فإن أمر التخطيط لإغتيالي المزعوم لم أسمع به إلا على المنابر الإعلامية المغربية.

بدأت بالأمر جريدة “الصحراء الأسبوعية” في عددها 32 الصادر في 25-31 / 05 / 2009. وبعدها نشرت صحيفة “أخبار اليوم” في سبتمبر 2009 مقالا تحت عنوان “الحرب الباردة بين المغرب والجزائر” نسبت تصريحات لي ومن دون أن يتواصل معي صحفيها، وذهب في مقاله إلى أن المخابرات الجزائرية تخطط لاغتيالي من أجل توريط المخابرات المغربية، على أساس أنني سأكون ضحية صراع الأجهزة. وفي 18 / 08 / 2009 نشر موقع “ماروك بوست” خبرا مفاده أنني مهدد بالتصفية الجسدية.

وأروي في هذا السياق ما جرى معي خلال مشاركتي في ندوة أسا وملتقى الداخلة، فقبل كل ذهاب أتواصل بإيميلات تهددني بالقتل، والغريب في أمرها أن أصحابها يلوحون دائما بانتمائهم لجبهة البوليزاريو أو أنهم من أنصارها.

في ملتقى الداخلة راسلتني من تسمي نفسها “أبناء جبهة التحرير” بتاريخ 20 جويلية، الرسالة التي وصلتني، استعملت فيها مصطلحات يرمي أصحابها إلى إبراز انتمائهم للبوليزاريو مثل الاحتلال المغربي. كما حذروني من المشاركة في التهريج المخزني، ليختم الإيميل بالقول: “ونحذرك إن شاركت وزرت هذه المدينة فلن يحصل لك طيب، ولن تظلم إلا نفسك، وقد أُعذر من أنذر”.

وعندما حوّلت الأمر للمشرفين استصغروا شأنها حتى لا أرفض المشاركة، ولكن أخبروني أنهم بلغوها للمسؤولين وقرروا أخذ الاحتياطات اللازمة وخاصة أنهم لا يستبعدون استهدافي من طرف الجزائر أو البوليزاريو حسب مزاعمهم، وأكدوا لي أنهم نالوا تعهدا بحمايتي والسهر على أمني الشخصي. الغريب في الأمر أن أحمد بومهرود رئيس “جمعية الصحراويين الوحدويين” في حديثه معي أكّد لي أن الإيميلات قد تورّط فيها رئيس “جمعية الصحراء المغربية” المدعو رضا طوجني، وعندما سألته عن دليله في ذلك، راح يرجع ذلك إلى أن طوجني استبعد من قبل أن أشارك معهم في نشاطاتهم، بل طلب منهم أن لا يدعونني لأن أمري موكول للمخابرات المغربية، وأنه قد أتعرّض لتوقيف بسبب الاتهامات التي وجهتها لها بخصوص “الجزائر تايمز”، وإن كان محدثي يبدو قد تهرّب من الجواب المباشر، إلا أن نظراته أوحت لي بأشياء يخفيها ولا يودّ البوح بها حينها.

لقد أدركت أن هذه التهديدات يراد منها تخويفي وتبرير الحماية الشخصية التي ترافقني، حتى لا أتنقّل أو أتواصل مع السكان والأهالي، وهو الذي تحدثت فيه للمشرفين على تلك الأنشطة.

في ندوة آسا تنقلنا يوم 24 أفريل الماضي من أكادير إلى كلميم، كنت على متن سيارة خاصة سائقها المدعو أحمد بومهرود وهو مسؤول الجمعية المنظّمة للندوة، وبرفقتنا السيدة نجية أديب وهي رئيسة الفرع المغربي لاتحاد سفراء الطفولة العرب التابع لجامعة الدول العربية، وتترأس أيضا جمعية مغربية تعتني بشأن الأطفال. وبعد ساعات من السفر حيث كان الضيوف الآخرون على متن حافلة، ورافقنا الدرك الملكي للحماية وتسهيل المرور في الطرقات، وصلنا إلى كلميم مساء وتمّ توزيعنا على غرف بإحدى الفنادق.

في حدود الساعة الثانية من تلك الليلة، أحسست ببعض العطش، فطلبت من الاستقبال أن يحضروا لي الماء، وقد تمّ ذلك بمجرد أن اتصلت بهم، بعدما شربت كمية قليلة من القارورة التي لم أنتبه بأنها كانت مفتوحة من قبل، والسبب هو التعب الذي ألمّ بي من السفر، والاستيقاظ من النوم قد يفقد الإنسان التركيز أحيانا. شربت الماء وبعد حوالي ربع ساعة سقطت على الأرض وأنا أتقيأ حتى سال الدم من فمي، فاستنجدت صارخا فبلغ صوتي أحد المشاركين في الغرفة المجاورة الذي اتصل بالمشرفين وبلّغهم بما يحدث، ليتم نقلي إلى قسم الاستعجالات بالمستشفى العسكري الخامس بكلميم.

وقد سمعت بنفسي، الطبيب ويدعى الملازم الأول جاد إسواني، يؤكد للمنظمين الذين رافقوني أنني تعرضت لشرب مادة غير طبيعية، والغريب أن القارورة اختفت فجأة، زاعمين أن أحدهم قد شربها كاملة ليؤكد فرضية سلامتها، ولم يتعرض لأي مكروه حسبهم. وقد حدثت في تلك الليلة حالة طوارئ وبلغ الأمر إلى أعلى مستوى، حتى السلطات المحلية تحركت لمتابعة ما تعرضت له، وأمروا بالتكتّم الشديد على الحادثة.

بعدما قاموا بتطهير معدتي من طرف الطاقم الطبّي العسكري، وقد استغرق الأمر حوالي ساعتين، توقف القيء وأحسست أنني قد تعافيت وعادت لي قوتي، كما تلقيت حقنات في الذراع وأعطاني الطبيب المناوب المشار إليه، وصفة بها بعض الأدوية زاعما  بما يتناقض وكلامه في الأول، حيث قال بأن معدتي لم تتقبّل ماء الحنفية الذي أرسل لي.

عدت إلى الفندق وقضيت بقية الليلة مفجوعا، تيقنت أن كمية المادة التي وضعت في قارورة الماء لم تكن كافية للقضاء عليّ، ربما هو مجرّد تحذير أو إنذار لي حتى لا أخرج على ما يراد للملتقى وخاصة أنني راسلت في 18 أفريل مسؤول الجمعية وحدثته عن أمر الندوة، من أنني “لاحظت أنها ليست ندوة حقوقية مستقلة بل هي تصبّ في إطار واحد وهو الأطروحة المغربية، أنا قلت لكم أن شرطي الوحيد هو الاستقلالية في تناول هذا الموضوع الحقوقي، ولا يمكنني أبدا أن أكيل بمكيالين لأجل جهة ما مهما كان أمرها”، وأضفت له قائلا: “وإن كان مجرد حضور لتسويق إعلامي على حساب تاريخي ونضالي، فأعتذر عن ذلك، فلا يمكن أن أناصر أي حاكم في شؤون حقوق الإنسان أو أتغاضى عن ظلم يقع في مكان وأركز على آخر”.

في اليوم الموالي اتصل بي هاتفيا المنصوري ومسؤولون آخرون، للاطمئنان على صحتي، وكلهم يؤكدون أن السبب هو الماء الذي شربته، لأن مياه الحنفيات في كلميم لا تصلح إلا لغسيل الأواني والثياب. أما المنظمون للندوة فراحوا يتحدثون عن أن مسؤول الاستقبال في الفندق لم يجد معه قارورة من المياه الطبيعية، فأرسل لي أخرى من حنفية تستعمل في تنظيف الفندق… يا للمفارقة !!

لقد مرت ندوة آسا وسوقوا لها بالرغم من النقد اللاذع الذي وجهته للمغرب وانتهاكاته لحقوق الإنسان في الصحراء الغربية، وحتى الصحف والفضائيات التي أخذت تصريحات منّي قد طالها مقصّ الرقيب وبثّتها وفق ما يخدم مصالحها وأطروحتها. فضلت الصمت من أجل اختيار الوقت المناسب للردّ وكشف المستور،  خاصة وأنني كدت أن أفقد حياتي ولا زلت أعاني من آلام في معدتي إلى يومنا هذا.

كما تجدر الإشارة إلى أن المخابرات المغربية لم يقتصر أمر الاغتيال وإشاعاته المغرضة على المعارضين أو النشطين في الخارج، بل وصل حتى إلى المتوفين الذين رحلوا في ظروف عادية، مثل وفاة القيادي في جبهة البوليزاريو ورئيس المجلس الوطني الصحراوي، المحفوظ علي بيبا، الذي رحل إلى ربه بسكتة قلبية في 02 /07 / 2010، وقد افتتحت جوقة فرضية الاغتيال المزعومة على موقع المخابرات المغربية المسمّى “الجزائر تايمز”، وبعدها روّجت لها الصحف المغربية بمختلف أنواعها وأشكالها، وأكّد لي مصدر أن الخبر جرى تحريره في الرباط والدار البيضاء، ثم بدأ عبر الموقع المذكور حتى يتم التمويه، ويخادع الناس من أن صحيفة جزائرية معارضة هي التي نشرت المعلومة الكاذبة.

الشروق اليومي 10/10/2010

روابط مهمة:

– الشروق أونلاين بالعربية

– الشروق أونلاين بالفرنسية

– الشروق أونلاين بالإنجليزية

– نسخة من الجريدة الورقية المطبوعة PDF

للإطلاع على الحلقات السابقة:

– الحلقة الأولى

– الحلقة الثانية

– الحلقة الثالثة

– الحلقة الرابعة

-الحلقة الخامسة

– الحلقة السادسة

– الحلقة السابعة


Be Sociable, Share!

????????? (1)

تعليق واحد على “دراسة: المخابرات المغربية وحروبها السريّة على الجزائر (8)”

  1. Nacer Driss on 10 أكتوبر, 2010 10:00 م

    تابعت عبر يومية الشروق جميع مقالاتك حول المغامرة الخطيرة لتي قمت بها في الصحراء الغربية. كنت تصف بدقة بالغة كل الاحداث ونقلت بنزاهة وحيادية معاناة الشعب الصحراوي. بورك فيك يا أستا د


Bottom