أنور مالك يعود إلى مجزرة المخزن في العيون

2010/12/07

أنور مالك يعود إلى مجزرة المخزن في العيون

أبيدو الصحراويين حتى يرتاح الثاني في قبره ويهنأ السادس في قصره!!

منذ أن عرفت البشرية الصراعات والحروب والتناحرات، ما بين العسكري والمدني، ما بين المسلح والأعزل، ما بين الغازي والمقاوم، ما بين الغريب وصاحب الدار، ما بين الظالم والمظلوم، لأول مرة في التاريخ، نجد سقوط ضحايا في صفوف المعتدين المدججين بشتى أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة، ولا ضحية واحدة تذكر في صفوف المعتدى عليهم من المدنيين الآمنين في بيوتهم أو خيماتهم


الحلقة الأولى

مفارقات مخزنية زائفة

لأول مرة يحدث هجوم عسكري مسلح من طرف فيالق من الجيش النظامي، على سكان متظاهرين سلميا في خيماتهم لا يملكون حتى ملاعق للأكل، لأنه ببساطة لا قوت لهم، ويسقط رسميا منهم 11 عسكريا أو ربما يزيد حسب ما ستجود به الأيام القادمة، في حين لا يخدش وجه حتى طفل صغير من المدنيين، بالرغم من أن آثار ما يناهز 6500 خيمة تحولت إلى أطلال كأنها قصفت بقنابل نووية أو بالفسفور الأبيض أو أن حرب النجوم مرت عليها

غريب أن نجد العسكر الذين سارعوا لمجرد الشبهة المزعومة، بإطلاق الرصاص الحي على سيارة تحمل طعاما ويقتل أحد الأطفال من ركابها وهو ناجم الكرحي (14 عاما)، والسبب حسب مزاعم المعتدين أن الضحايا أطلقوا النار على الحاجز العسكري، بالرغم من أن الحقيقة غير ذلك مطلقا، والحادثة مجرد إعتداء على هؤلاء الأبرياء الذين لا يملكون حتى ملعقة حديدية. في حين أن الجيش تجند عن بكرة أبيه وهجم على مخيمات لم يستسلم سكانها لظلم المستوطنين في المدينة ولا لغدر العسكريين في تيه الصحراء، وكل ذلك لم يدفع عسكري واحد لإطلاق ولو رصاصة واحدة طائشة جرحت مواطن أو حتى ممن يسمونهم “المجرمين المطلوبين للعدالة”

لأول مرة، نرى أن الجيش تجنّد بكاميرات تصوير سواء عبر طائرات الهليوكوبتر أو سيارات “جيب” أو حتى أخرى مصفحة، وتنقل لنا صور بشعة لجثث عناصر الجيش، وتسجل مشاهد لآخرين من “المشاغبين” وهم يذبحون “العسكر الطيب” الذي جاء يحمل أكاليلا من الزهور للمنتفضين المغضوب عليهم، بل وضع رقبته تحت أقدام هؤلاء حتى يذبحونه، ويقتنع العالم بـ “مغربية” الصحراء و”إرهاب” البوليساريووهكذا تحول المدنيون العزّل والمسالمون إلى تتار والعسكريون الغزاة إلى مسلمين مستسلمين!!

لأول مرة نجد جيشا يهاجم شعبا آمنا، ويعتقل المئات ممن واجهوه بالسلاح الأبيض حسب هذا الغازي طبعا، بل يزعم أن جيشه تعرض لمواجهة دموية وقاتلة، في حين لم يسقط ضحية واحدة من هؤلاء “الدمويين” و”الشياطين” و”الارهابيين”، الذين صار المغرب كله بسببهم في حداد يبكي ضحاياه، ويخرج في مسيرات “عفوية” يقودها الوزير الأول عباس الفاسي وطاقمه، للتضامن مع وطنه الذي تعرض لمؤامرة أجنبية الطرف فيها بعض الدول الكبرى، ويكفي حسب المزاعم نفسها، أنه تم إعتقال ضباط مخابرات “أجانب” كانوا يقودون تلك الحرب، ولحدّ اللحظة لم نعرف عنهم شيئاهل يمكن أن نصدق ذلك وخاصة أن الراوي غير موثوق فيه ومشهود لدى العامة بالكذب والتلفيق والخرف أحيانا؟!

إنها مفارقة حمقاء وغبية وعجيبة في منطق المخزن وأبجدياته، والتي لا يمكن ان يتخيّلها عاقل، ومستحيل أن يصدقها من في قلبه مثقال ذرّة من الوعي والفهم!.

الجيش الذي باغت المدنيين من النساء والشيوخ والأطفال والعجائز والنساء، في ساعة مبكرة وبطريقة همجية، دفعت الشباب الصحراوي للدفاع المستميت عن أعراضهم المستباحة في وضح النهار، هل يمكن أن نصدق أنه لم يسقط ولو ضحية واحدة من هؤلاء الصحراويين، حتى وإن كانت بالرصاص الطائش، يعترف به المخزن ولو من باب ذرّ الرماد في العيون، كما فعل مع مدنيين، قيل أن أحدهما مغربي دهسته سيارة في العيون، والآخر صحراوي توفي بسبب ضيق حاد في التنفس؟!!

من يصدق أن العسكري الذي يحمل في يديه رشاشا معبأ بثلاثين طلقة، وفي جيده ذخيرة حيّة إحتياطية وقنابل، يرى بأم عينيه رفيقه وربما صديقه أو دفعته، ينحر بالسكين من الوريد إلى الوريد، أو يرى آخر يتبول – أكرمكم الله – على جثة هامدة لأحد زملائه، ولا يطلق النار لحمايته وإنقاذه أو انتصارا لقداسة الموتى، اللهم إلا إن كانت الصورة تمثيلية فقط أو أن هذا العسكري مخدر فاقد لوعيه إن لم نقل كلاما آخرا؟!


من يصدقهم؟

من يصدق أن الذين قتلوا الطفل الكرحي بالأمس وقبله الكثيرين ممن لا حصر لهم، وقد كان ينقل بعض الطعام لأفراد أسرته الذين يتضورون جوعا في خيمتهم، وبمجرد شبهة أو كذبة سمجة، و لا يقتلون أطفالا آخرين ممن إستماتوا في الدفاع عن خيماتهم وأخواتهم وأمهاتهم؟!!

بالله عليكم، إن كانت تساؤلاتي غير بريئة أو نواياها مبيتة كما قد يتوهّم البعض، أرجو النظر إلى عدد ضحايا المحتل الأمريكي وكم يقابلها في الجانب العراقي أو الأفغاني. فقد أظهرت الوثائق التي نشرها مؤخرا موقع ويكيليكس، من أن الضحايا العراقيون تجاوز عددهم 285 ألف ضحية، بينهم 109 ألف قتيل، 63 بالمئة منهم مدنيون، و15 ألف مجهولي الهوية. في حين أن فريق من الباحثين الأمريكيين والعراقيين يعملون في مجال الصحة، قدروا عدد الضحايا بـ 655 ألف قتيل، وذلك في مقال نشرته مجلة “لانسيت” الطبية، في أكتوبر 2006. ولو نأخذ على سبيل الإستدلال رقم 4377 قتيلا أمريكيا، الذي تم تسجيله إلى غاية 25/01/2010، واضفنا لها 316 من القوات الأخرى، ليصل المجموع إلى 4693 قتيلا. اما عدد المصابين في صفوف الجيش الأمريكي فبلغ 31690 مصابا حتى 30 سبتمبر 2009. هذا حسب تقرير نشرته الأمريكية دبورا وايت تحت عنوان (حقائق حرب العراق، نتائج وإحصائيات حتى 25 جانفي 2010).

وبعملية حسابية بسيطة يتقنها تلاميذ المدارس الإبتدائية، نجد أن حوالي 61 عراقيا ممن قتلوا، مقابل شخص واحد من قوات الإحتلال الأمريكي، وطبعا أن الطرف العراقي فيه ضحايا من المقاومة المسلحة أيضا. هذا إن أخذنا طبعا بتقدير وثائق ويكيليكس، اما في التقدير الآخر فنجد حوالي 140 عراقي مقابل أمريكي واحد. أما إن أخذنا بتقديرات عراقية ذهبت إلى أن الضحايا فاق عددهم المليون سنجد أرقاما اخرى مخيفة.

في أفغانستان، وإستنادا للدراسة نفسها، نجد أن عدد الضحايا الأمريكيين بلغ 1666، وفي المقابل نجد أنه خلال النصف الأول من عام 2010 قد بلغ عدد الضحايا المدنيون 1271 قتيل، هذا حسب تقرير للأمم المتحدة نشر في 10/08/2010. مما يعني أن ضحايا العشر سنوات تقريبا من الجانب الأمريكي، لم يصل ما سقط خلال عام ونصف فقط من الجانب الأفغاني (أمريكيين مقابل 3 أفغان تقريبا)، لو أضفنا لها حوالي 870 سقطوا في 2009، بناء على أن الزيادة 31 بالمئة حسب التقرير المشار إليه، حيث أن عدد الضحايا في 18 شهرا تجاوز 2140 ضحية.

ولو نذهب إلى كل الحروب التي حدثت عبر التاريخ، او حتى النزاعات المحلية والأهلية، أو حتى في مجال مكافحة الشغب، لوجدنا أن ضحايا العسكر يقابلها دوما العشرات في أقل الأحوال من الجانب المدني، ولم يحدث مطلقا أن سقط العسكريون المسلحون ولم يخدش وجه شخص واحد من المدنيين العزّل.

قد يقول البعض أن الأمر يختلف مما يحدث في الصحراء الغربية، وإن كنا نقرّ بوجود بعض الإختلاف بين البيئتين، حيث أن إتفاق وقف الحرب ساري المفعول منذ سنوات على الأقل من جانب جبهة البوليساريو، أما من الجانب المغربي فقد إعترف وزير الخارجية الطيب الفاسي الفهري بأن بلاده في حالة حرب، وذلك في حوار مع صحيفة “ال باييس” الإسبانية نشرته يوم السبت 27/11/2010.

وأيضا أن الصحراويين يناضلون سلميا من أجل إسماع صوتهم وتقرير مصيرهم وفق الشرعية الدولية، هذا إذا أضفنا من أن الشعبين (الصحراوي والمغربي) تجمعهم أواصر الأخوة في الدين واللغة والعرق والجوار، عكس ما يجري في العراق وأفغانستان. إلا أنه برغم ذلك، وجب أن نؤكد على أمر هام، أن الجانب المغربي يتعامل مع الصحراويين بمنطق الحرب السرية الخفية، التي تسري في الظل وغير معلنة للعالم، يحدث ذلك في ظل تعتيم إعلامي وحقوقي رهيب، ومنع وسائل الإعلام المستقلة ونشطاء حقوق الإنسان من الوصول إلى هذه المناطق التي يحدث فيها ما يندى له الجبين. وما قصة الحكم الذاتي والجهوية الموسعة وتنمية ما يسمى “الأقاليم الجنوبية” إلا خداع إنكشف زيفه مع مرور الأيام، وفضحته أكثر جريمة العيون التي ستبقى وصمة عار في جبين المجتمع الدولي.


على هامش مجزرة العيون

بحكم زيارتي إلى الصحراء الغربية مرتين خلال العام الجاري، لمست حقدا رهيبا يكنّه المغاربة للصحراويين لا يمكن تخيله، بل يتمنون أن يدفنوهم في رمال الصحراء ويرتاحوا منهم للأبد!!

حتى أولئك الذين يسمونهم “العائدين لأرض الوطن” و”الفارين من جحيم تندوف” في إطار شعار “الوطن غفور رحيم”، ينظرون إليهم بعيون الريبة والشك والكراهية والعدوانية، لأنهم مصابون بداء “الإنفصال” الذي لا شفاء منه أبدا حسب الاصطلاحات المغربية، فضلا من أن الجهات الأمنية السرية تصورهم على أنهم مجرد مرحلة عابرة يراد منها تفكيك البنية الداخلية لجبهة البوليساريو، وبعدها يتخلصون منهم وفق رؤية أمنية بحتة طبخت فصولها في دهاليز سرية.

فترى كيف يكون الحال عند العسكريين ممن يرون أنفسهم مستهدفين في أرواحهم وأنهم يدافعون عن “وحدتهم الترابية” ويواجهون عدوا مدعوما من الخارج حسب مقاربات مخزنية متعارف عليها؟

لقد حدثني الضابط المغربي الفار عبدالاله عيسو الذي عمل كضابط في الصحراء الغربية لسنوات، كما حدثني غيره من العسكريين السابقين، من أن تكوينهم البسيكولوجي اثناء دراساتهم العسكرية، كله لا يتعدى زرع الأحقاد والكراهية لكل ماهو صحراوي سواء كان مدنيا أو عسكريا، ويتعرضون لغسيل مخ ممنهج عبر مواد يتلقونها من مثل “الأمن العسكري”، “التاريخ العسكري”وهذا من أجل زرع وتنمية العنف تجاههم، جرى ذلك خلال فترة الحرب مع جبهة البوليساريو، ولا يزال يجري حتى الآن تحسبا لنشوب حروب أخرى.

الشروق اليومي 04/12/2010

عودة إلى مجزرة المخزن في العيون

ما يجري في الصحراء الغربية لا يشبهه إلا ما وقع في غزّة

الحلقة الثانية

إن ما حدث بالعيون في 08 نوفمبر، يكشف للعالم المغالطات الكبرى التي يروجها المغرب خاصة ما يتعلق بموقف الصحراويين من أطروحته، والذين في أغلبيتهم الساحقة لا يؤمنون إلا بتقرير المصير. ويعري الوجه الخفي الحقيقي لهذه المملكة العلوية التوسعية، والتي كلها تصبّ في خانة واحدة، وهي الإتجاه نحو إبادة الصحراويين والتخلص منهم ببطء وعبر مراحل، حتى يهنأ القصر الملكي بخيرات الصحراء الغربية التي تدرّ الملايير من الدولارات على خزينته.

فيجب التأكيد على أن سقوط ضحايا من المدنيين لا يمكن التشكيك فيه أبدا، فبدل الإنكار الذي فضحته منظمة هيومن رايتس ووتش لما كشفت البعض من المستور، وسجلت إطلاق النار على المدنيين وتعنيف المعتقلين وإغتصابهم، كان الأجدى بالمغرب أن يعترف ولو بضحية واحدة على سبيل التمويه، وربما يكمل فصول المسرحية بمحاكمة أحد العسكريين الذين تسببوا في إطلاق النار، هذا حتى يظن البعض بأن قوات الأمن قد حرصت بالفعل على حياة الصحراويين الذين يزعم المخزن أنهم مغاربة حسب الدستور، في حين أنهم في الواقع من الدرجة الدنيا ويتنابزون بألقابهم وقبائلهم إلى حد لا يطاق، مقارنة بما يتمتع به المغاربة الذين جرى توطينهم في الصحراء الغربية من أجل إغراق المنطقة، وخلق توازن ينفع المغرب لما يجبر يوما ما على إستفتاء تقرير المصير، وما المماطلة في ذلك سوى إستراتيجية تضليلية من أجل ربح الوقت، لأن عامل الزمن سيزيد في محو آثار التوطين هذه، مع تعدد الأجيال وتكاثرها، ورحيل الأباء والأجداد ممن إستطونهم الحسن الثاني في مسيرته التي يصفها بالخضراء، فضلا عما يرافق ذلك من عملية ممنجهة لتزوير التاريخ ومحو الآثار وإفراغ التركيبة السكانية والقبلية من محتواها.


البوليس السرّي المخزني يذبح جنود الأمن المغربي!

لقد أفادتني مصادر موثوقة وعليمة بما حدث في العيون، وهي قنبلة شديدة المفعول، من أن القتلى المغاربة الذين سقطوا في ذلك الهجوم كان بتدبير من قيادة الجيش المغربي نفسه، حيث جرى الإعتداء عليهم من طرف عناصر ينتمون للبوليس السري، تمّ إلحاقهم بالقوات المهاجمة المتكونة من قوات للدرك والمساعدة، وفي اللحظات الحاسمة. بل أنه يوجد آخرون من الجهاز نفسه، لبسوا زيّ الصحراويين وتلثموا ودخلوا في صفوف أهالي مخيم “إكديم الزيك”، وبمساعدة بعض الذين يصفهم المغرب بالأعيان أو المرتزقة كما يطلق عليهم الصحراويون الذين يتاجرون بالقضية مع الطرف المغربي سواء في السر أو العلانية، ومارسوا دورا فوضويا عارما أثناء الهجوم والمباغتة، من أجل تبرير التدخل العنيف والتغطية على النهب والتقتيل، إضافة إلى تسهيل مهمة الطاقم الصحفي الذي كان يقوم بالتصوير سواء عبر الجو أو البر، وذلك لإعطاء مشاهد يسوقها المخزن عبر أبواقه بعد الجريمة، التي كان على يقين من أنها ستثير جدلا واسعا على غرار ما أسالته تلك المخيمات من حبر.

بلا أدنى شك أنه يوجد ضحايا صحراويون قتلوا بالرصاص الحي أو في عمليات إعدام جماعية وخارج إطار القضاء، سواء في مخيم “إكديم الزيك” أو حتى في داخل مدينة العيون، وأمرهم لن ينكشف على الأقل الآن، مادام لم يجري تحقيق دولي مستقل وتحت رعاية الأمم المتحدة بصفتها ترعى القضية وتدرجها في إطار تصفية الإستعمار. وبلا أدنى شك ان الطرف المغربي أراد تفكيك تلك المخيمات التي كانت مطالبهم سياسية وليست إجتماعية كما ظل يتبجح، فلا يعقل أبدا أن يجري التعامل معهم بهذه الطريقة الفجّة وهم يريدون العمل والسكن والملبس والمطعم، والأكثر أنهم يقرّون بمغربيتهم حسب ما كانت تتناقله الصحف ووسائل الإعلام المغربية. الأدهى مما ذكر أن الحكومة فاوضت وساومت هؤلاء الذين صارت تصفهم اليوم بالمجرمين المطلوبين لدى القضاء من قبل أحداث العيون، فترى هل الحكومة وبواسطة وزير داخليتها فاوض “المجرمين” وجالس “الارهابيين” وساوم “المطلوبين” لدى القضاء، وعندما تأكد أن إعتصامهم يتعلق بتقرير المصير لم يجد سوى إبادتهم بطريقة همجية؟ أم أن الأمر كان ينطوي على نوايا وخبايا مبيتة سينكشف امرها لاحقا؟!!

المعاناة التي لا تنتهي


لقد عانى الصحراويون من الإحتلال الإسباني معاناة كبيرة لا يمكن وصفها، ثم اصبحوا يعانون ربما أكثر وأكثر في ظل الهمجية المخزنية، ولا يزالون يشيّعون ضحاياهم في صمت، وتجاهل المجتمع الدولي الذي يرعى ما تسمى الشرعية الدولية ويتهجد بحقوق الإنسان. واليوم يبقى السؤال الملح على الجميع، ترى إلى متى تستمر هذه المعاناة الإنسانية؟ فهل يجب ابادة هؤلاء الصحراويين ودفنهم في الرمال كما يفتي رجال المخزن عبر فضائياتهم وصحفهم؟!! والبلية الكبرى أن الأمر حدث حتى في بريطانيا، لما تبجح بذلك النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية المحسوب على الإخوان المسلمين، نورالدين قربال وعلى الهواء مباشرة، عبر قناة “المستقلة” التي تبث من العاصمة لندن، ومن المفروض أن يجري توقيفه ويتابع قضائيا على دعوته للقتل الصريح والإبادة والعنصرية، ولكن للأسف لما تعلق الأمر بصحراويين لم يتحرك أي أحد تجاه تلك التصريحات العلنية الجنائية الخطيرة الداعية إلى دفن الصحراويين في الرمال، وهي التي يجرمها القانون البريطاني نفسه، الذي لو دخل أي إنسان للملكة المتحدة، وطالب بإبادة الخنازير أو الكلاب لجرجر للقضاء من طرف جمعيات الرفق بالحيوان.


إنني أحسّ بقرف شديد وحنق أشد، وأنا أتابع المسرحيات المخزنية الهزلية المنفّرة، فمرة بأشرطة فيديو يبثها تلفزيونه الرسمي، بعد تركيب وإخراج ودبلجة، وربما إعادة تمثيل في المنطقة التي أخليت من السكان وصارت تخضع للحراسة المشددة. ومرات أخرى بمسيرات شعبية يجبر عليها الكثير من المغاربة للتطبيل والتزمير للعرش العلوي عبر بوابة الصحراء الغربية، التي تحولت لشماعة يعلق عليها النظام خيباته وإخفاقاته وفشله الذريع في تسيير شؤون البلاد والعباد، حتى أكره المغاربة المعروفين بالشهامة والكبرياء، على تهريب السموم والحشيش والحرقة، أو لجأ بعضهم لبيع الأعراض للسواح الأجانب في الداخل أو تصدير الشرف وإستباحته في الخارج…!

إنني أحس بالدوار في رأسي، عندما تنتفض عن بكرة أبيها حكومة آل الفاسي، التي تتجاهل مئات المعتقلين المعذبين والمصلوبين أحياء في سجونها، وذلك من أجل المدعو مصطفى ولد سلمى الذي أخرجت مسرحيته في ظل زلزال عنيف أحدثته تحقيقاتي بمنطقة الداخلة، حيث أنه عقد ندوته الصحفية بالسمارة يوم 09 أوت الماضي بعد يوم واحد من نشر الحلقة الخامسة والأخيرة في “الشروق”، وقد تأكدت دوائر أمنية مغربية من أن الرجل قد إحتال عليهم مقابل المال وباعهم الريح على حد تعبير أحد المخبرين الرسميين ممن ينشطون في الدبلوماسية الموازية عبر جمعية مخزنية وصحيفة أسبوعية. إلا أن الخوف من الفضيحة المدوية، دفعهم إلى التعنّت والإصرار على الباطل، في تحميل الجزائر مسؤولية هذا الشرطي الذي إعتقلته وافرجت عنه جبهة البوليساريو في المناطق المحررة، والذي كان تائها في موريتانيا يبحث عن مخرج لضائقته المعيشية، ولم يجد غير المخزن الذي كان يتخبط في مأزق حقيقي بعد فضائح الداخلة التي وقفت عليها ونشرتها للعالم.

والله أحسّ بحسرة جامحة تجتاحني، عندما يهتزّ الإعلام المغربي لصور نشرها الإعلام الإسباني وبتوريط من المخابرات المغربية، التي سربت بطريقة ماكرة هذه الصور المأخوذة من هولوكست غزّة، عبر قنوات مجندة تعيش في إسبانيا، وهذا من أجل تجاوز عنق الزجاجة التي وقع فيها جراء ما حدث بالعيون، والذي هو جريمة ضد الإنسانية بكل المقاييس والمعايير الدولية. فقد تشبث الإعلام بهذه الحكاية التي بيّتها من أجل تهييج الشارع المغربي، فلو كان بريئا مما لاحقه من طرف جبهة البوليساريو أو البرلمان الأوروبي مثلا، لرحب بالتحقيق الأممي وفتح المنطقة للإعلام الثقيل والمستقل والمشهود له بالإحترافية، ولكن أن يندد بذلك ويقدم على طرد قناة “الجزيرة” قبل الجريمة حتى لا تكون مصدر إحراج له، كما يغلق المنطقة ويحاصرها ويحولها إلى غزّة ثانية، فهي أدلة قاطعة من أن الجريمة أفظع مما نتخيل او ينقل عبر مواقع الأنترنيت.

العالم تحرك من أجل دارفور، بالرغم من أن ما يجري في الصحراء الغربية لا يشبهه إلا ما وقع في غزّة أو جرى في الفلوجة، والحقوقيون ينتفضون عبر الفضائيات من أجل قافلة الحرية، في حين يتجاهلون ما جرى في العيون، لأن السخاء المغربي قوي، أو أن الهوى الفرنسي والأمريكي لا يتماشى وحق هؤلاء الأبرياء في الوجود والبقاء والحياة والكرامة.

الحكام العرب، أغلبهم وقفوا بالمال والعتاد والجنود وحتى ببائعات الهوى، مع مارينز الولايات المتحدة في عاصفة الصحراء عام 1990، لأن العراق إعتدى على الجارة الكويت الغنية بالنفط، كما ساندوا القوات الغازية في حصار ظالم أدى إلى مقتل الآلاف بسبب الجوع وإنعدام الدواء والفقر والحرمان، ثم أيّدوا غزو بوش لنشر ديمقراطيته المزعومة في بلاد الرافدين، والسبب كله أن صدام حسين رئيس ديكتاتوري متسلط، قتل بعض الأكراد ومنع الأحزاب وحاصر عملاء إيران، التي كانت طهرانها ولا زالت معادية وفي حرب مستمرة مع بغداد، في حين لم يتحرك هؤلاء الحكام وأجهزة مخابراتهم تنقل لهم مأساة الصحراويين التي لا نظير لها، فهم يجوّعون ويمنعون من أدنى حقوقهم الآدمية، يعذبون ويسحلون في السجون السرية والعلنية، وعندما ينتفضون بطريقة حضارية، يقتلون ويدفنون في الرمال والمحظوظ منهم في عداد المفقودين، ويعتم عليهم بالتزوير والتلفيق والخداع، ولا أحد تحرك ولو بكلمة حق لإدانة هذا العمل غير الإنساني، الذي تدينه كل المواثيق والأعراف والمعاهدات الدولية التي صادق عليها المغربوالسبب الحقيقي أن “بلاد أمير المؤمنين” بوابة التطبيع المغاربي مع الكيان العبري، اما العراق فقد وقف حجرة عثرة في وجه أطماع الصهاينة او حلفائهم من الملالي واصحاب العمائم السوداء والبيضاء، الذين يبذلون النفس والنفيس لتأمين الدولة الممتدة من الفرات إلى النيل.

الحديث فيه شجون كثيرة، لكن نرى من الضروري أن نختمه بالتساؤل الذي سيبقى معلقا ومحرجا لكثير من الأطراف المتواطئة، إلى متى يستمر الصمت والتجاهل والمخزن يعلن رسميا أنه لن يخرج من الصحراء الغربية أو يتنازل عنها حتى لو دفن الصحراويين فيها؟ هل يجب إبادة هذا الشعب الأعزل الأبي حتى يرتاح ويهنأ حكام المخزن سواء في قبورهم أم في قصورهم؟!!

الشروق اليومي 05/12/2010


روابط مهمة للمتابعة:


– الشروق أونلاين

– الشروق أونلاين (اللغة الفرنسية)

– نسخة من الطبعة الورقية PDF (الحلقة الأولى)

– نسخة من الطبعة الورقية PDF (الحلقة الثانية)


Be Sociable, Share!

????????? 6 تعليقات

تعليقات 6 على “أنور مالك يعود إلى مجزرة المخزن في العيون”

  1. سيدأحمدغالي on 8 ديسمبر, 2010 1:35 م

    قبل البدء اشكر الكاتب على هذه الألتفاتة الطيبة التي عودنا عليها من خلال جريدة الشروق الغراء.
    كشاب صحراوي طالما طرح علي هذا السؤال ،أين الحكام العرب مما يحدث لكم؟؟.
    ولا أخفي سراً إن قلت لكم أني لاأعرف الإجابة المقنعة وإن كنت دائما أرجح أن صمت اغلب الحكام العرب مرده الحفاظ على مصالحهم مع المغرب رغم قناعتهم بعدالة القضية الصحراوية،وسرعان ماأتخلى عن هذا الأحتمال عندما أردد بيني ونفسي سؤالاً أخر .
    أي مصلحة ياترى قد تربط بلد ما بالمغرب؟؟لابترول لا غاز لاثروات طبيعية ذات قيمة تذكر فكيف حظى بهذه الأهمية؟؟
    حتى تفجر مصطلح جديد وغريب وصار متداولاً هذه الأيام وأرتبط للأسف الشديد بهذا البلد الشقيق الشي الذي اثار فضولي ،هذا المصطلح هو السياحة الجنسية والأغرب من ذلك هو ما تطالعنا به الأنباء من حين لآخر من أن الأمير الفلاني خرج من المستشفى بنيويورك ويمضي فترة نقاهة بقصره بالرباط.
    وصاحب السمو الفلاني حطت به الطائرة أضطراريا بمراكش، والشيخ فلان يقوم بزيارة مجاملة للامير المغربي فلان ومن حينها عرفت المصالح التي تربط بعض اصحاب السمو والمعالي والفخامة بالمغرب ،وإذا عرف السبب بطل العجب..

  2. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لدي أمل on 9 ديسمبر, 2010 10:56 م

    إلى الأخ أنور مالك أحييك و أشييك على مقالاتك الرائعة و الجميلة أهنئك على مقارباتك المبروكة و المفبركة بين عدة أشكال و عن عدة مواضيع قرأتها لك
    أؤكد لك أخي أنور أنك لن تظل من قرائك و خصوصا أشقائي الجزائريون إلا دوا فكر محدود أو عقل مجمد فإخواتي الجزائريون و الدين أعيش معهم أسمى من ذلك و يستنكرون و بمجمل عبارات الإستنكار ما تصبوا إليه و أمثالك من الصحافيين… و أؤكد أنك لن تسعد يوما برد على موقعك أو غيره مما تزعم من مؤلافاتك طوفان الفساد وغيره أدنى سياسي مغربي ليعقب عن كلامك المفبرك و بما أني من الشعب المغربي و لست بسياسي سأحاول الرد عليك لنزعتي الوطنية
    أولا و قبل كل شيء أستغل الموقف لأترحم عل الشهداء الجزائريون الذين صنعوا لنا تاريخا نفخر به كما صنعه المرحوم محمد الخامس الذي رفض طعن الحكومة المؤقتة الجزائرية برئاسة عباس فرحات و ذلك في تحديد الحدود مع المستعمر الفرنسي أنذاك حتى تأخذ الشقيقة الجزائرية إستقلالها أكتب مقالات عن هذا أخي أنور و دور الحكومة المغربية في الإستقلال الجزائري
    ….
    فيما يخص مقالك هذا أتحداك و أمامك كل قرائك أن تجد وثيقة فيها كلمة إحتلال مغربي لصحرائه و أتحداك أن تجد سند تاريخي مغربي يشير أن السلطات العمومية تدخلت بالسلاح لفك تظاهرات بشتى أنواعها في مدينة مغربية نفس الحال لأحداث العيون فهي منطقة مغربية و كان المخيم من عناصر مغربية و أتحداك كذلك أن تثبت لقرائك أن رؤساء الجبهة ليسوا بمغاربة
    و أنت تصدق الوثائق المسربة من الوكليكس و مقارباتك بين الشعبين المغربي و العراقي أريدك أن تكتب مقالا عن الوثائق المسربة لرئيس التونسي و هو يتحدث عن أسباب عرقلة الإتحاد المغاربي و لما لا و أنت الذي هتفت دوما عن ذلك و لكني اليوم أشك في هذا
    و أخيرا رجاءا أن تنظروا و أن تعيدوا النظر من مواقفكم و مقالاتكم المفبركة قبل أن يفوت الأوان فكل شعوب الدول المغاربية تتمنى أن يتحقق هذا الحلم الذي لم يلازم دوما إلا الأوراق فعلى أرض الواقع ليس إلا وهم وحدتنا المغاربية العربية و لتنظروا بعين الرحمة على إخواننا و أبناء جلدتنا الموجودون فوق ثرابكم فهم يعانون من الفقر الشديد و نحن بحاجة إلى أن تسوى وضعيتهم الإجتماعية فكل الأوراق أنفضحت أخي مالك
    و ندائي لشعب المغربي ألا يشككوا في شهامة الإخوة الجزائريون فهم بيؤون مما يقال عنهم و ليخجل من له مصلحة في أن تظل الحدود البرية بيننا مغلقة فلغتنا واحدة ديننا واحد و نزعتنا واحدة أرجوكم أخي مالك أن ترحموا في ما بيننا و لا تنتظروا المسحيل أن يكون في المنطقة
    أقسم أن في وحدتنا المغاربية لدي أمل

  3. HICHAM on 10 ديسمبر, 2010 12:55 م

    لن ترضى عنك اليهود و لا النصارى لو تبعت ملتهم.

  4. عزيز on 11 ديسمبر, 2010 5:23 م

    سيد أحمد غالي لترتاح سبب عدم تضامن العرب معكم هو أنهم يعرفون الجزائر وأنت لاتعرفها!

  5. youssef elbasri on 21 يناير, 2011 5:49 م

    si tu fesais vraiment ton boulot pour qu’oi tu parle pas des photo utilisé pas antena3 les enfants de gaza pour ça propagande , dommage au lieu d’exercer votre metier avec dignité , vous ne faite que de nuir a notre chere patrie et si tu fesais vraiment ton boulot pour qu’oi tu parle pas des photos utilisées par
    antena3 les enfants de gaza pour ça propagande .le pire vous auriez pas le courage de publier

  6. MOHAMED SALEM on 24 يناير, 2011 6:27 م

    السلام عليكم هنيئامريئالك ياعزيزي أنورمالك فلانامت أعين الجبناء


Bottom