عن تحرير السلطة وكشف المستور

2011/03/21

عن تحرير السلطة وكشف المستور

بقلم: هشام عبود

ترددت في زمن الرداءة هذا، الكثير من المواقف الجبانة والإنتهازية منذ أن ثارت الشعوب في عدة نقاط من العالم العربي تطالب بسقوط أنظمة حُكمها. وهبّ هؤلاء المنتفعون من الريع السابق على تغيير جلدهم كما تفعل الأفاعي، لا لشيء إلا لركوب الموجات والإستفادة من العهد الجديد. حدث ذلك ورأيناه يتفاقم مع تمدد الثورات الشعبية وإنتشارها. وهذا ديدن المنافقين عبر كل العصور والأزمنة.

في الجزائر ظهر هؤلاء ووجدوا ضالتهم في الجلسات الخاصة وشبكات التواصل الإجتماعي مثل التويتر والفايس بوك، وراح آخرون يحاولون مسك العصا من الوسط علّهم يحافظون على نفوذهم وأموالهم وأعمالهم التي كونوها من خلال تواجدهم في مراكز حساسة من أعلى هرم السلطة. فالقناعات من أن هذه الثورات الشعبية لن يسلم منها أي قطر عربي جعلت هؤلاء يتحولون بين عشية وضحاها إلى المعارضة الراديكالية والتي فاقت في تطرّفها حتى ما كنا نعرفه عن رجالها ممن أفنوا أعمارهم في مواقف مناهضة لتوجهات السلطة وجذورها.

هاهو عباسي مدني الذي لا يزال في غيّه القديم من منفاه الذهبي بقصره العاجي في الدوحة يطلب من الشباب الجزائري الخروج للشارع لتحدي قوى الأمن سواء عبر اليوتوب أو من خلال الفضائيات والصحف الموالية للإمارات البترودولار. فهذا الرجل الذي إنقطع تماما عن الواقع الجزائري يجهل أن جيل اليوم غير جيل التسعينيات الذي عبث به وأصلاه التهلكة في الوقت الذين كان أبناؤه ينعمون في ألمانيا ويعقدون صفقات تجارية بالملايين والملايير وهم يحملون اليوم جوزات سفر قطرية ومنسلخين عن الجزائر. فأين هو عباسي مدني الذي يتقاضى 14000 دولار من الهبة الأميرية من رفيق دربه الشيخ علي بن حاج الذي يقتاد أسبوعيا إلى مخافر الشرطة بسبب وفاءه المستميت لمبادئه والذي لا يجد ما يسدّ به رمقه في حين لا يلقى أدنى مساعدة من عباسي ولا الآخرين الذين تاجروا بقضيته؟!!

وما علاقة موظف سابق في وزارة الخارجية والخبّاز حاليا الذي تفطن إلى “الإنقلاب” على الإرادة الشعبية التي يتغنى بها، إلا في سنة 1996 بعدما روج لها لما كان يحشر الآلاف من الجزائريين في مراكز الجنوب اللانسانية وهو ينعم بشمس الحرية والعملة الصعبة في السفارة الجزائرية بليبيا مدافعا عمن ينتقدهم اليوم بسبب رفضهم تمديد بقاءه في الخارج؟!

وما مصيبة الجزائر في أن لا تجد من يسطّر لها إصلاحات سياسية غير وجوه قديمة ترمز للفشل الذريع وغير قادرة على التأقلم مع جيل الفايس بوك. فالذي تفطن لسلاح الفايس بوك قد تسربل لونا جديدا ليظهر للعيان في خضم هذا الإنقلاب السياسي والإيديولوجي أنه البديل المشروع للتغيير. فخرج خرجة لم تكن منتظرة منه وهو الذي سطع نجمه في عهد بوتفليقة. فرئيس حركة “حمس” بوقرة سلطاني وصل الأمر به إلى المطالبة بالتغيير الجذري للدستور والحدّ من العهدات الإنتخابية لأنه “صار مؤكدا أنه من المصلحة الوطنية المبادرة بمراجعة شاملة للدستور وتشمل على وجه الخصوص أربعة مطالب ملحة: الإنتقال بشكل واضح إلى النظام البرلماني، الفصل الواضح بين السلطات، الإكتفاء بعهدة واحدة قابلة للتجديد مرة واحدة، وإطلاق الحريات وفي مقدمتها الحريات السياسية والإعلامية والنقابية والمجتمعيةحسب ما جاء في خطابه الذي ألقاه عند إفتتاحه لندوة الإستشراف التي نظمتها حركته بتاريخ 11 مارس الجاري. مطالب، تناساها وتجاهلها طيلة عشرية كاملة وهو منغمس في الأكل على مائدة النظام. فما الذي تغير يا ترى عند بوقرة سلطاني الذي ساند الرئيس بوتفليقة في تعديله للدستور حتى يتسنى له الظفر بعهدة ثالثة. وكان خلال الحملة الإنتخابية لرئاسيات أفريل 2009 يردد في حلّه وترحاله أن حركته ستساند الرئيس بوتفليقة في عهدة ثالثة ورابعة وخامسة؟!


كما دعا رئيس حركة “حمس” إلى منع مزدوجي الجنسية من المناصب الحساسة، فلماذا لم يدعو لذلك لما كان عضوا في الحكومة ويجلس إلى جانبه وزراء من مزدوجي الجنسية؟!

وقد دفعه الأمر إلى تصعيد لم يكن متوقعا ولا سبقه إليه حتى من يسمّون أنفسهم بالمعارضين الراديكاليين، حيث نشر مقالا تحت عنوان “تحرير السلطة وكشف المستور” تناقلته الكثير من المواقع الإخبارية وبالبنط العريض. فبعد مقدمة تتحدث عن تاريخه الدعوي تحت لواء مكتب الإخوان العالمي في مصر بالرغم من أنه ظل يتبرأ من التنسيق التنظيمي، طالب بأمرين من أجل إنجاح ما سماها ثورة التغيير في الجزائر، الأمر الأول وهو حلّ جهاز الإستعلامات والأمن والثاني هو حلّ ما وصفها ببطانة السوء والتي تتعلق بعائلة الرئيس بوتفليقة والمقربين منه. وبرّر ذلك من أن هذا الثنائي هو عين الفساد. حيث نجد سلطاني قد أعطى أرقاما خطيرة للغاية في تصريحات صحفية سابقة لوكالة هسبريس الإخبارية، وتتمثل في تكبيد الخزينة العمومية ما يفوق 277 مليار دولار بسبب الفساد وحوالي 250 مليار دولار تم تبييضها في الجزائر من طرف عائلة الرئيس بوتفليقة كما جاء على لسانه، وهو رقم مخيف ومرعب لا يمكن السكوت عنه، وخاصة أنه جاء من طرف سلطاني الذي زعم في ديسمبر 2006 أنه يمتلك ملفات بها أسماء شخصيات نافذة متورطة في الفساد. وبعدها أعلنت حركته ما كان يعرف بمبادرة “الفساد قف” . غير أنه لم يمض طويلا في حربه المعلنة على الفساد حيث لم يقدم أي ملف للقضاء مثلما طالبه به رئيس الجمهورية على المباشر. ومنذ ذلك الحين إلتزم الصمت إلى أن نطق بأرقام يصعب هضمها. فاين هي هذه الملفات التي تدعي أنها بحوزتك يا سلطانيصمتك عليها يعني التواطؤ منك. فإن لم تحاسب عليه أمام قضاء الدنيا ستحاسب عليه يوم الآخرة إن كنت تؤمن حقيقة بالله وبما جاء في كتابه كما تدعي. فالساكت عن الحق شيطان أخرس كما ورد في الحديث الشريف؟!

إن كانت هذه الأرقام التي كشفها سلطاني موثقة بالدليل ما عليه إلا أن يقدمها للقضاء. فهذا الأخير مطالب بالتكفل بها. وإن كانت غير صحيحة ومجرد فرجة وفرقعة إعلامية فعلى القضاء أن يتابعه حتى يثبت ذلك، لأن تبييض الأموال جريمة عابرة للقارات وتضرّ بالإقتصاد الوطني وتفقد البلاد مصداقيتها وهي مصدر فقر شعب يعيش في بلد نفطي. ألم يكفي ما فعله بالبلاد عبدالحميد الإبراهيمي صاحب قنبلة 26 مليار دولار والذي يدعي اليوم المعارضة من بريطانيا دون كشف أي ملف بحوزته بعدما ساهم بقسط وافر في تدمير الإقتصاد الوطني أثناء العشرية السوداء من منصب وزير أول كان يشغله في عهد الشاذلي بن جديد.

مقال “تحرير السلطة وكشف المستور” لم يكذّب من طرف صاحبه بوقرة سلطاني في الصحف والمواقع التي تناقلته. ولا حركة “حمس” أصدرت بيانا بخصوص نفي ما جاء فيه. وكل ما قامت به هو أنها تتبرأ من أي شيء ينشر في غير موقعها. وهذا ما لا يمكن تصديقه وخاصة أن تصريحات كثيرة نشرت في صحف جزائرية وعربية وفضائيات ووكالات أنباء وهي منسوبة لسلطاني ولم نجد لها أثر في موقع حركته ولا هو تبرأ منها.

لقد تلقيت مكالمة هاتفية من بوقرة سلطاني مساء يوم السبت 19 مارس الجاري، ناكرا لي علاقته بهذا الموضوع قائلا: “لا علاقة لي بصفحة الفايس بوك التي نشرت المقال ولا الصحف التي تناقلته. هناك شخص إنتحل هويتي وينشر مقالات بإسمي. وأنت تعرف أنه في الفايس بوك ممكن لأي كان أن يفتح صفحة بإسمك ويضع صورتك ويقول ما يريد، ولقد كذبت في موقع الحركة أن كل ما يصدر خارج هذا الموقع لا علاقة لي به”.

أجبته بصراحتي المعهودة والتي أقرّ بمعرفتها جيدا من خلال متابعته لمقالاتي وكتابي “مافيا الجنرالات” الذي أشار إليه، قائلا له: “من السهل إغلاق صفحة الفايس بوك بالضغط على إيقونة خاصة بذلك والإشارة لإدارة هذه الشبكة الإجتماعية من أنه لا علاقة لك بها”. كما وضحت له أن أي تكذيب لمواضيع حساسة مثل التي تحمل توقيعه يجب أن ينزل بإسمه وفي المواقع التي نشرته حتى يرفع كل لبس. غير ذلك سيبقى مسجلا عليه كمراوغات سياسي يقفز على حبلين. فمن السهل أن يكذب المرء عن طريق وسائل أخرى دون أن يورط نفسه. فقد سبق لبوقرة سلطاني وأن تنكّر لتصريحات وأفعال سجلت عليه. فمن لا يذكر إنكاره لتوقيع مستندات توريطه في قضية الخليفة التي صدم بها أثناء محاكمة المتورطين. فلو كان حقيقة أن الإمضاء غير إمضاءه مثل ما إدعى به أمام القاضية لطالب فورا بفتح تحقيق قضائي ومتابعة المزورين. ولكن لم يحدث شيء من ذلك. ويذكر الكثيرون فضيحة هروبه من سويسرا حيث رفع ضده السيد نوار عبدالمالك المعروف بإسمه الصحفي أنور مالك دعوى أمام العدالة الدولية بتهمة إرتكاب جرائم ضد الإنسانية. فأنكر في بداية الأمر فراره من جنيف الذي أكدته كل الصحف السويسرية ووكالات أنباء دولية محايدة.

غير أنه لما فضح أمره وكشفت تفاصيل هروبه من مواجهة القضاء الدولي، راح يفبرك قصصا لم تذكر لما أنكر الواقعة بعينها. ومن بينها أنه تعرض لمضايقات وتهديدات من طرف أنصار “الفيس”، وأنه بعد تشاور مع المنظمين غادر البلاد بحضور السفير والقنصل الجزائري تجنبا للفتنة بعدما إقتصر اللقاء مع الجالية الجزائرية. ثم لاحقا راح يتوعد الشاكي أنور مالك بالمتابعة القضائية. بل أعلن في تجمع بعنابة في 31 أكتوبر 2009 من أنه قد رفع دعوتين قضائيتين ضده، وهذا ما لم يتأكد منذ يوم التصريح. وفي حمّى الفضيحة ذهب بعيدا وصرح لجريدة “القدس العربي” الصادرة بتاريخ 30/10/2009 من أنه سيعقد ندوة صحفية في جنيف لقطع ما يلاحقه من تهمة الهروب وإرتكابه لجريمة ضد الإنسانية. وهو وعد ما لم يف به إلى يومنا هذا.

وختام قضيته مع أنور مالك الذي كان يدعي أنه لا يعرفه، إعترف في جريدة الخبر بتاريخ 17/12/2010 قائلا: “جزى الله والده الذي يعرفني وأعرفه.. وكذلك كل عائلة عبدالمالك في الشريعة بولاية تبسة” .

هذه التناقضات التي سجلت على بوقرة سلطاني جعلتني أشكك في تكذيبه المحتشم للمقالات التي نشرت بتوقيعه مع العلم أن مقال “تحرير السلطة وكشف المستور” لم يتبرأ منه بعد، بإستثناء المكالمة الهاتفية التي جمعتني به. فأنا لست مخولا لأتلقى تكذيب مقال يقدح مباشرة في عائلة الرئيس ويمسّ بمؤسسة دولة تعتبر درعها المتين واليد التي تصون إستقرارها وأمنها.

لقد أصبح من الموضة لدى البعض ممن إكتشفوا حسّ المعارضة في أنفسهم فجأة ليتكالبوا على جهاز صمد أمام كل الإختراقات من أبناء الحركى وأولئك الذين يلهثون وراء الجنسية الفرنسية وآخرون يحملون اليوم جوازات سفر فرنسية تراهم يتطاولون على جهاز يطالب أبوجرة سلطاني بحلّه وفتح أرشيفه. فلو فتح هذا الأرشيف لأندهش من وجود أبطال يعيشون في الظل وإحترقوا كالشمع من أجل إضاءة ليل الجزائر. كما سيكتشف أن الميزانية المخصصة له في مهماته بالداخل والخارج التي وصفها في مقاله بأنها مشبوهة سمحت بتأميم المحروقات وإختراق قصر الإليزيه وإختراق جهاز الموساد الإسرائيلي الذي عجزت كل الأجهزة العربية الإستخباراتية في إختراقه وسيكشف يوما هذا الملف ليصدم به كل أعداء الجزائر الذين تناسوا مكتسبات خمسين سنة من الإستقلال وهم يندبون تخلّي فرنسا عنهم وعن آبائهم في 1962. وسيطأطئ رأسه كل من تطاول على رجال عملوا بشرف وأمانة وإخلاص بعيدون عن الشهرة في حين يريد الجبناء وعشاق الأضواء المساس بقداسة دورهم التاريخي ويترصدون لدفعهم للخجل من إنتمائهم لجهاز يعتبر صمام الأمان عبر مسيرته الطويلة.

لست مخولا للدفاع لا عن المؤسسة العسكرية ولا عن جهازها الأمني ولا عن عائلة الرئيس بوتفليقة التي وصفها سلطاني بوكر الفساد، فإنني سبقته لإنتقاد ما يجب إنتقاده وسميت الأمور بمسمياتها وذكرت الأشخاص بهوياتهم ولكن ليس على حساب الجزائر ولا على حساب الجيش الوطني الشعبي وكل ما كتبته وقعته بإسمي الحقيقي ودافعت عنه في وسائل الإعلام ضد من يدعون المعارضة الإفتراضية. فما ردي هذا إلا غيرة على بلدي الذي أبعدني منه من إستولوا على السلطة بغير وجه حق من ضمنهم بوقرة سلطاني الذي تقلد عدة مناصب وزارية، كما دفعتني لكتابة هذه الأسطر رغبتي في كشف كل من يتستر بغطاء السلطة أو المعارضة المشبوهة لينخر في جسد الجزائر.

 

الشروق اليومي 21 مارس 2011


 

روابط:

نسخة من الجريدة الورقية PDF

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom