هشام عبود يكتب عن قضية حجز كتاب “المخابرات المغربية وحروبها السرية على الجزائر” في مطار الجزائر

2011/06/15

هشام عبود يكتب عن قضية حجز كتاب

منسيون ومنفيون وهم وطنيون

تصوّروا أن صحفيا مغربيا تسلّل إلى مخيمات اللّاجئين الصحراويين بتندوف ونقل في سلسلة مقالات وقائع ومشاهد لا ترضي الجزائر ولا جبهة البوليساريو. ويلي هذا التحقيق سلسلة مقالات تكشف نوايا الأجهزة الاستخباراتية الجزائرية ضد المغرب ومخططاتها السرية لإلحاق الضّرر به وبوحدته وصورته لدى المجتمع الدولي.

وخلاصة كل هذه المقالات تصدر في كتاب يعتبر تتويجا لتحقيقات تصبّ في صالح المملكة المغربية وأجهزتها الأمنية والاستخباراتية.

أهل يعقل أن نتصور أن هذا الصحفي المغربي سيبقى محروما من استنشاق هواء بلده إن كان ممنوعا من السفر إليه؟ وهل يعقل أن نتصوّر أن الكتاب سيصدر في المغرب عن كبريات المؤسسات الصحفية ويمنع من الخروج من التراب المغربي مثلما يمنع مؤلفه من الدخول إليه؟

هذه التصورات غير مقبولة البتّة ولا تتبادر بذهن عاقل ولكنها تحدث في الجزائر بلد المعجزات والتناقضات والمفارقات. بلد يحرم منه من يخدمه بصدق ووفاء لسبب واحد أنه ولد ويحمل في كيانه همّا يؤرقه ويسرق النوم من جفونه، الا وهو حب الجزائر. هذا ما حدث بالضبط للصحفي الجزائري أنور مالك. فيا للعجب! رجل ممنوع من الدخول إلى بلده منذ سنين بسبب حبه المفرط لبلده وتفانيه في خدمة بلده لما كان يعمل بإيمان وإخلاص للتصدي ضد من تسبب في إشعال النيران لحرق الجزائر.

لقد عرف قراء الشروق اليومي أنور مالك من خلال كتاباته الشجاعة والتي تدين كل ما يمسّ بالمصالح العليا للبلاد وعرفوه أكثر من خلال نشره لسلسلة التحقيق الذي قام به في مدينة الداخلة الصحراوية في شهر جويلية 2010 .

حتى وإن كنت ضد استغلال دعوة شرفية لتحوّل إلى تحقيق صحفي غير أنني أحترم الروح الصحفية التي تفوقت في نهاية المطاف على كل الاعتبارات. وأذكر أن التحقيق الذي قام به أنور مالك في الأراضي الصحراوية جلب له الكثير من الأذى والمشاكل مع الإخوان المغاربة الذين لم يتقبلوا هذه الخرجة من مدينة الداخلة حيث استدعوه كصديق لإلقاء محاضرة في ملتقى عن الأمن في منطقة المتوسط. كما جلب له هذا التحقيق ومقالاته عدوانية إخوان كانوا بالأمس يحترمونه ويحبونه وجعلوه تاجا على رؤوسهم. غير أن الروح الوطنية جعلت صاحبنا يضحّي بأكثر من مودة إخواننا المغاربة. فقد ضحّى بمصدر رزقه إذ كان يشتغل لصالح جريدتين مغربيتين كمعلق صحفي. وإذا به يجد نفسه بين عشية وضحاها محروما من مصدر رزق ومن بلده الذي صادر كتابه في المهد في حين كان لزاما على السلطات الجزائرية أن تضع وساما على صدر ابنها البار اعترافا له بالجميل.

الخدمة التي قدمها أنور مالك من خلال تحقيقه في الداخلة والتي جعلت الرئيس الصحراوي محمد عبدالعزيز شخصيا يهنئ جريدة الشروق ويعتز بما جاء في مقالات أنور مالك، لم يقدمها المئات من أشباه الدبلوماسيين الذين تقاضوا آلاف الدولارات دون النجاح في إعطاء نصف ما قدمه أنور مالك للقضية الصحراوية وللجزائر.

نكران الجميل ليس بجديد فماذا يمثل أنور مالك أمام مفدي زكريا شاعر الثورة المقدسة وصاحب إلياذة الجزائر وكاتب كلمات النشيد الوطني الذي مات منفيا في المغرب الشقيق. وماذا يمثل أمام محمد أركون أحد كبار مفكري الجزائر الذي مات هو الآخر في المنفى ولم يحظ بشبر في تراب الجزائر حتى يدفن فيه. فإذا تجرأ أنور مالك على العودة إلى الجزائر بعد صدور كتابه “المخابرات المغربية وحروبها السرية على الجزائر” فلا نفاجأ بسجنه وحتى بإعدامه خاصة وأنه سحب شكواه التي رفعها ضد الدولة الجزائرية أمام لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بتهمة تعذيبه من قبل أشرار لوثوا سمعة الجزائر باعتدائهم عليه.

ولا زال ليومنا هذا عشرات من الجزائريين مشردين في مختلف أرجاء المعمورة ذنبهم الوحيد تفانيهم في خدمة الجزائر إلى درجة أن طردوا منها ليفسح المجال لمن يعيث فيها فسادا.

وكم كانت صدمتي كبيرة عندما علمت أن كتاب أنور مالك تمت مصادرته من طرف شرطة الحدود وجرى استنطاق حامله أستاذ جامعي مثلما يستنطق مروج المخدرات وكأنه أجرم في حق الجزائر لحمله وقراءته لهذا الكتاب. لا ألوم الشرطي الذي أهان الأستاذ لأنه نتاج نظام يهان فيه المثقف ويرفع فيه شأن الجاهل ويبعد منه الوطني المخلص ليدخله الخائن والعميل، ويذلّ فيه من خدمه ويعلق على صدر زين الدين زيدان وسام الاستحقاق الوطني لتفانيه في خدمة الألوان الفرنسية.

لا ألوم هذا الشرطي لأنه تغذّى بثقافة اللاتسامح وثقافة الحقد ورفض الرأي الآخر إلى درجة أنه أصبح لا يميز بين كتاب يخدم البلاد ومنشورات معادية له. لا ألومه لأنه ترعرع في مجتمع جعل من النسيان إحدى قيمه إلى درجة أن رشيد طابتي ذلك البطل الذي اخترق الإليزيه لتسجل الجزائر أروع صفحة في تاريخها بتأميم المحروقات، وهي اليوم تعيش على مداخيل هذه المحروقات ولكنها أحرقت ذاكرة بطلها بنسيانه. حيث غادر الحياة بعيدا عن الأضواء ومن دون أن تذكر خصاله ولو في كلمة تأبينيه عابرة يوم دفنه.

ليست هذه هي الجزائر التي ضحّى من أجلها مليون ونصف المليون شهيد وليست هذه هي الجزائر التي حلمنا بها وغرس في كياننا حبّها إلى درجة أننا صرنا نقشعر عندما نقرأ أن مليوني جزائري يحملون الجنسية الفرنسية ويتجنّس سنويا 20 ألفا مثلما جاءت به جريدة الشروق في عددها الصادر بتاريخ 10 جوان الجاري ويعيش فيها 30 ألف من مزدوجي الجنسية ويبعد منها جزائريون رفضوا أن يكون لهم وطن بديل عن الجزائر أو جواز سفر غير الجواز الجزائري حتى وإن حرموا منه. يحدث كل هذا ونحن على ابواب خمسينية الاستقلال. يالها من مفارقات يندى لها جبين كل مجاهد ويخجل منها شهداء بلادي لو عادوا هذا الأسبوع على حد تعبير فقيدنا البار الأديب الطاهر وطار.

 

الشروق اليومي 14/06/2011

 

روابط:

– موقع الشروق أونلاين

– نسخة من الطبعة الورقية PDF

Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom