كيف ستنجو ليبيا من ألغام خلّفها سقوط القذّافي؟!

2011/08/27

كيف ستنجو ليبيا من ألغام خلّفها سقوط القذّافي؟!

بقلم: أنور مالك 

نعتقد جازمين أن ليبيا ما بعد العقيد معمّر القذافي مفتوحة على احتمالات كثيرة ومختلفة ومتناقضة ومتعددة وعشوائية، ولكن في أغلبيتها المطلقة لن تكون في صالح البلد ثم المنطقة المغاربية وحتى الحلفاء الذين لعبوا الدور الرئيس في التعجيل بتهديم باب العزيزية على رأس زعيمها، وبمعاول متنافرة سواء كانت بالحركات الجهادية أو الأخرى التي صنعت لأربعين عاما مجد القذافي وأسرته أو حتى قوات أجنبية تحركت في الميدان بسرية وتحت تعتيم إعلامي متعمّد ومشبوه.

السبب يعود لمخاطر جمّة تعتبر كالألغام الناسفة التي تتوزع على حلبة الصراع المفتوح في ليبيا، والتي في حال عدم أخذها بعين الإعتبار ستنسف حتما ما تبقى من كيان البلاد وتمتدّ شظاياها للمنطقة المغاربية والضفة الأخرى من المتوسط. ونجمل أهم هذا المخاطر في النقاط التالية:

1-  السلاح والعتاد:

حيث أنه صار متناثرا في كل مكان، فهناك الأسلحة القتالية التقليدية من رشاشات وأيضا مضادات للصواريخ والطائرات أو حتى الأخرى الخطيرة وربما بينها المحظورة دوليا كالمواد التي تستعمل في صناعة أسلحة فتاكة وكيماوية.

فقد انتشر السلاح عن طريق القذافي الذي فتح مخازنه لكل من هبّ ودبّ، المهم يظهر الولاء ويرفع صورة الزعيم الأوحد، ولو كان في مهمة اختراق وموالاة لجهات أخرى. أيضا جرى الاستيلاء على مخازن الأسلحة من قبل “الثوار” أو حتى العصابات. كما نجد عمليات التسليح التي قام بها حلف الناتو والدول الغربية وحتى قطر، ولم تكن هناك أي معايير أخلاقية أو أمنية في توزيعه على الغاضبين والناقمين والثائرين والمنتفعين والإجراميين. كذلك قيام فرنسا بإنزال الأسلحة جويا ورميها في الشعاب والغابات والشوارع من دون معرفة مصيرها ولا في أيّ طريق سيتم استغلالها، وهذا الذي يتنافى والقانون الدولي.

إستعادة هذه الأسلحة والمعدّات القتالية ما بعد القذافي ليس من السهل بمكان، فلكل تنظيم ولكل قبيلة حساباتها الخاصة التي لن تتنازل عنها في الدولة الجديدة ولا يمكن أن تغامر بتسليم نفسها قبل أن تفرض وجودها في ملامح العهد القادم. فأول خطر يهدد البلد والمنطقة كلها يتمثل في السلاح الذي لا يعرف نوعه ولا عدده ولا الأيادي التي تحصلت عليه ولا وجهات تهريبه وتخزينه، مما يشكل أكبر خطر على صيرورة الأمور.

2-  القاعدة والجماعات الجهادية الأخرى:

الخطر الآخر الذي سيهدد المجتمع الدولي قبل تهديده لليبيا هو تنظيم “القاعدة” من خلال “الجماعة الليبية المقاتلة” أو حتى جماعات أخرى متشدّدة وتكفيرية أكيد بينها التي تكوّنت وستظهر لاحقا ولا يمكن للظواهري وشبكاته تضييع هذه الفرصة الثمينة والمفيدة من كل الجوانب سواء إعلاميا أو عسكريا.

بالرغم من أن “الجماعة الليبية المقاتلة” قامت بإجراء مراجعات في السجن، وكانت سببا في الإفراج عن زعمائها ومن بينهم الأمير عبدالحكيم بلحاج الذي صار يترأس المجلس العسكري بالعاصمة طرابلس وهو القائد الميداني الفعلي الآن، إلا أن ذلك لا يعني مطلقا نهاية إيديولوجية التنظيم وخاصة أن مصلحة الإفراج والحرية تقتضي مثل هذه المراجعات التي قادها نجل القذافي ورجل الدين الصلابي، وتبررها من باب إعادة الهيكلة والتنظيم ومخادعة العدو، ولا يوجد أفضل من الوضع الراهن الذي سيجعل ما يسمى “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” قوة إقليمية أو حتى من أفضل الجيوش على حدّ تعبير الرئيس التشادي ادريس ايبي في مارس الماضي، وسيعود للواجهة ويفرض نفسه في ظل انفتاح ليبيا على الساحل والصحراء وتحصّن مجموعات جهادية على طول الحدود المصرية الليبية وتسلل عناصر تتكاثر مع مرور الأيام عبر مسارات ومسالك نحو شمال مالي ومجهزة بصواريخ من بينها سام7 واستنغر ورشاشات وصواريخ مضادة للمدرعات والطيران.

كذلك تمركز في اطار التشكيل لجماعات جهادية على طول الجبل الغربي “جبل نفوسة” على الحدود التونسية والليبية، كما سجل ظهور التنظيم مجددا وبقوة في غابة وغادو وبلغت حتى مدينة نارا المالية على 50 كم من حدود موريتانيا.

إن نيل “شرف” السيطرة على باب العزيزية الذي عاد لزعيم “الجماعة الليبية المقاتلة” عبدالفتاح بلحاج من دون غيره، ليس إعتباطيا وإرتجاليا ففيه ايحاءات كثيرة تحمل في جعبتها أسرارا غامضة، تداعياتها على الوضع الليبي قوية جدا شئنا أم أبينا.

3-  الإنقسام الجغرافي والقبلي والطعن في الظهر:

كما هو معلوم أن مقاتلي درنة لم يبايعوا المجلس الإنتقالي وأن القائد الفعلي القوي هناك هو أبوسفيان إبراهيم أحمد حمودة، وهو معتقل سابق في غوانتانامو وله أتباعه وتشكيلاته وشبكاته، كما لا تزال مناطق أخرى بينها سرت تحت سيطرة أنصار القذافي وقبيلته. ومما لا شكّ فيه أن التوزيع القبلي سيلعب دوره وسيكون وقود الإنقسام الذي ظهر جليا منذ اللحظات الأولى بعد سقوط باب العزيزية وفي ظل جيوب مناصرة للقذافي لا تزال تقوم بحرب عصابات بطرابلس.

لقد ظهرت ملامح تقسيمات جغرافية تأخذ بعين الإعتبار التوزيع القبلي الذي استعمله وغذّاه القذافي في توطيد حكمه لأكثر من أربعين عاما، وهذا ما سيكون عقبة كبيرة في إطار المسارعة للسيطرة على الوضع وتمكين الدولة إن وجدت من إستعادة أنفاسها. كما لا يمكن أن نتجاهل الحديث عن مخططات غربية من أجل تقسيم ليبيا في إطار مشروع المحافظين الجدد الذي يقضي بتقسيم المقسم إلى أجزاء وفتات حتى تفقد الدول العربية والإسلامية توازنها وقيمها مما يسهل تنفيذ مشروع الإحتواء.

4-  الإنتقامات وتصفية الحسابات:

كان أول ما حذّر منه رئيس المجلس الإنتقالي هو الإنتقام، وقد ظهر جليا من خلال الإعتداء على السفارة الجزائرية في طرابلس واستهداف بعض الجزائريين، كما حدثت أيضا عمليات قتل من غير تنظيم ولا تنسيق وبصفة معزولة، فالكلّ يحمل السلاح، والكل يقتل من يريد، ولا أحد يحسب لسلطة أو عدالة أو قيادة ثورية مسيطرة على زمام الأمور، فالإنفلات الأمني قائم في العاصمة وباقي المدن الأخرى، وحتى في بنغازي من خلال الجماعات المسلحة التي هي خارج نطاق سلطة المجلس الإنتقالي والذي إعترف به زعماء المجلس.

فالخشية الآن هي الإغتيالات التي لا يمكن أن تستبعد سواء بالسيارات المفخخة أو بالتصفية الداخلية وبأشياء أخرى تصبّ في إطار محاولة هيكلة كيان عسكري وسياسي بالتخلص من بعض الوجوه التي لا شكّ أن المرحلة السابقة فرضتهم لأجل التعجيل بتحقيق الهدف، وابرز ممن هم سيستهدفون بعض أعضاء المجلس الإنتقالي وقادة ميدانيين وخاصة المحسوبين على الحركات الجهادية من مثل عبدالحكيم بلحاج.

كما لا يمكن أن نستبعد دور بعض الجهات التي تريد تعكير الوضع أكثر عن طريق استهداف بعض القادة الذين لهم النفوذ القبلي لأجل إشعال فتيل المواجهة والحرب الأهلية، وسيتصاعد فتيل تغذية النعرات أكثر مادام القذافي لا يزال حرا طليقا وهو المستفيد الأول والأخير من كل ذلك، ولن يزول الخطر بنهاية الزعيم أسرا أو قتلا أو إغتيالا.

5-  الوجود الأجنبي استخباراتيا وعسكريا وسياسيا:

بلا شكّ أن الذي حسم طرابلس هو حلف الناتو من خلال قوات بريّة وإستخباراتية قامت بإنزال بحري وبرّي وربما جوي وهذا الذي بدأ يلوح من خلال إعتراف مصدر من الناتو لقناة سي أن أن الأمريكية في 24/08/2011 وحتى الصحف البريطانية.

 وتشير مصادر من داخل طرابلس أن مجزرة كبيرة حدثت وتتعرض للتعتيم الإعلامي حتى أن شاهد عيان تحدث إلينا شخصيا، من أن الضحايا بين الجرحى والقتلى تجاوز 10 آلاف أغلبهم من المدنيين الذين دكّت على رؤوسهم البيوت من خلال القصف الجوي المكثف والعشوائي أو من طرف حرب المدن والشوارع التي حدثت. وحتى من جانب “الثوار” تجاوز عدد القتلى 500 ضحية حسب مصادر غير رسمية في حين تمّ الإعتراف بـ 400 ضحية.

أعتقد أن القاعدة العسكرية للحلف الأطلسي صارت في عداد المؤكّد ولا يمكن أن تتراجع فيها في ظل وضع يشبه ما كان عليه شأن أفغانستان والصومال إن لم يتم تدارك الأمور الصعبة، وخاصة أن الحلف أكّد على إستمرار عملياته العسكرية، وهذا الذي سيدفعه لتجديد مهمته مرات أخرى.

كما أن فرنسا سيكون لها وجود عسكري واستخباراتي مكثف في ليبيا الجديدة ومنها ستجد منفذها نحو منطقة الساحل والصحراء، الذي راهنت عليه من قبل من خلال عملاء ظلت ترسلهم وبينهم من تعرض للإختطاف مثل كامات وفداه ساركوزي بأموال ضخمة. كما أنه لا يمكن تجاهل مخططات باريس للتواجد على الحدود الجزائرية، ورغبتها الملحة للسيطرة على النفط الليبي في ظل وضع إقتصادي عالمي مترهل ورئيس يحلم بعهدة جديدة ولو حساب أرواح شعوب أخرى.

وطبعا الوجود الأجنبي سيعطي مشروعية لخطاب المناهضين للإستعمار سواء من الجهاديين أو القذافيين أو العروبيين أو الإسلاميين أو حتى دول الجوار التي ترفض قواعد عسكرية أجنبية على حدودها وعلى رأسها الجزائر. نقول ذلك من دون أن نستبعد إمكانية دخول أمريكا على الخط من خلال قاعدتها العسكرية “أفريكوم’ التي لم تجد لها موطئ قدم في الشمال الإفريقي منذ سنوات. أو حتى قوات حفظ السلام الأممية التي ربما ستكون الغطاء الذي تفرضه الظروف على قوات الحلفاء.

6-  الثروة ولعنة النفط:

سواء تعلق الأمر بالبترول الليبي أو الأموال المجمدة التي تصل إلى 168 مليار دولار، أو تلك التي يكون القذافي قد قام بتهريبها أو تخزينها في أماكن مجهولة ستستعمل لاحقا في تنفيذ عمليات إرهابية دولية أو ستحرك القبائل في ليبيا وبعض الدول الإفريقية مما يخلّط الأوراق كثيرا. فالثروة الليبية طائلة جدا وستسيل لعاب الحلفاء والمترصدين وتكون محلّ اطماع الإنتهازيين الذين يريدون ركوب الموجة والتسلّل للحكم، وخاصة ممن كانوا بالأمس يصنعون مجد القذافي وإنشقّوا عنه سواء في اللحظات الأولى بناء على أوامر خارجية أو بينهم من أخذ العبرة من تجربتي تونس ومصر، وفيهم من لم يجد سوى اللحظات الأخيرة ليبحث عن ملاذ آمن لنفسه عن طريق تأييد “الثورة” والتصفيق لها.

7-  غياب مفهوم الدولة ومؤسساتها:

معمر القذافي على مدار حكمه الذي تجاوز الأربعين عاما غيّب مفهوم الدولة التقليدي فلا أحزاب ولا مؤسسات دستورية ولا قوانين تخضع للمعاهدات الدولية ولا تقاليد سياسية، فقد إختزل الجماهيرية في شخصه وعائلته وكتابه الأخضر ولجانه الشعبية وقبائل موالية له يتحكم فيها كبيادق الشطرنج، ولذلك من الصعب جدّا تحويل هذه الأجيال التي صنع تفكيرها وايديولوجيتها، من عقلية التسيّب والفوضى إلى الإنضباط المؤسساتي، فالعقلية الشعبوية التي توراثتها الأجيال عبر منطق القبيلة والعرف والتراث والدين والمشيخة والزعامة، لا يمكن إخضاعها بين عشيّة وضحاها إلى مفهوم ومنطق دولة تحتكم للديمقراطية وحكم الأغلبية ودستور ومنافسة سياسية وحزبية  نزيهة وعمل مدني جمعوي وفق منظور رسكلة القبائل والطوائف والجماعات المتشددة والمعتدلة والتي لن تتصارع فكريا فحسب بل الآن صارت مسلحة أيضا.

 ولهذا من الأولويات الآن تقريب وجهات النظر بين العسكري المتمثل في “الثوار” الميدانيين وبين السياسي الممثل في المجلس الإنتقالي، وهذا يفرض محاولة ايجاد قواسم مشتركة بعيدا عن منطق التصفيات والإغتيالات والسجون والإقصاء. خاصة أن بوادر الإنشقاق والهوة بين الميداني والسياسي ظهرت جليا في حادثة إعتقال سيف الإسلام القذافي وهروب شقيقه محمد إن صحّت الرواية، والذي أخلط الأوراق كثيرا وكشف أن ما يجري هو غير الذي نراه ونسمع عنه عبر الفضائيات. فإن أعتقل سيف فمن حرّره؟ وإن لم يعتقل فمن ورّط المجلس في كذبة تعصف بمصداقيته؟ وفي كلتا الحالتين فإن الهوّة ظهرت شاسعة ما بين العسكري والسياسي وهي في إتساع متواصل ودائم حتى إشعار آخر.

 

8-  قضية ايديولوجية الدولة ومنطق الصراع القائم:

بغض النظر عن الناتو فإن المجلس العسكري الذي يسيطر على الميدان هو محسوب على الإسلاميين مما يعني أن المطلب الذي لن يتنازلوا عنه هو “الدولة الإسلامية”، وإلا ستتحول فوهات بنادقهم من الطاغية القذافي إلى صدور “مرتدين” يرفضون تحكيم الشرع على حسب منطقهم. هذا من جهة ومن جهة أخرى نجد التيار الإسلامي المعتدل وعلى رأسهم رئيس المجلس الإنتقالي الذي سيراهن على الطريقة التركية في تأسيس الدولة وفق مقاربات دينية تأخذ بعين الإعتبار مبدأ العلمانية حتى لا يحرج الحلفاء، كما سيحاول توظيف الإخوان والجماعات الصوفية والدعوة والتبليغ والسلفية العلمية… الخ.

 ونجد أيضا من يراهن على دولة لائكية علمانية، وهؤلاء أغلبيتهم ممن عاشوا في الغرب ويحملون جنسيات مزدوجة ولديهم رعاية خاصة لدى فرنسا وبريطانيا وأمريكا ويتمتعون بالدعم من قبل هؤلاء.

 كما لا يمكن أن نتجاهل تيار آخر منفتح يريد تطبيع علاقاته مع الكيان الصهيوني والذي لعب المفكر الفرنسي برنارد ليفي دوره الرئيس في بلورته وتكوينه وتدعيمه سواء من قبل الإليزيه أو اللوبي اليهودي في الغرب…

 

9-   جدل العدالة والإفلات من العقاب:

لقد أكّد رئيس المجلس الإنتقالي مصطفى عبدالجليل على أن القضاء سيفتح كل الملفات التي تتعلق بأركان نظام القذافي وحتى بالنسبة له شخصيا، وكل من ثبت عليه شيء سينال عقابه، ولو يتمّ ذلك ستفتح جبهة جديدة، فهناك من ركب الموجة في بدايتها سواء ممّن كانوا في السلك الدبلوماسي أو الأمني أو العسكري أو السياسي وفي بطونهم التبن إن صحّ التعبير، من خلال ماضيهم سواء بالتورط في قضايا فساد أو إنتهاكات لحقوق الإنسان مع نظام دافعوا عنه لعهود، وبينهم من لديهم نفوذ الآن بل صاروا حصان طروادة بالنسبة لباريس ولندن من أجل الخروج من مأزق ليبي قد يؤدي إلى الكارثة في حال عدم الرهان على من يسهل توجيههم.

أيضا قد تفتح ملفات دولية أخرى وربما تؤدي إلى كشف بعض الزعماء الذين كانوا يتلقون دعما كبيرا من نظام القذافي وبينهم الرئيس ساركوزي نفسه. فالتلويح بالتسامح والمصالحة هو من أجل دفن كل هذه الملفات والقنابل السياسية والأمنية والحقوقية والدبلوماسية والإقتصادية، التي لن تكون لا في صالح المجلس ولا الحكومة القادمة ولا القوى الأجنبية ولا حتى بعض الجماعات المسلحة التي إرتكبت مجازر رهيبة سواء في طرابلس أو غيرها، وتعمل الآن من أجل إرساء دعائم الإفلات من العقاب عبر مصالحة وطنية.

 

10-  الأزمة مع دول الجوار والحصاد المرّ:

بلا شكّ أن إقصاء دول الجوار في بداية الأزمة الليبية لن يمرّ بسهولة وخاصة أن الكلّ يعرف دور الحدود في أمن الدول وإستقرارها، فالمجلس الإنتقالي إرتكب خطيئة جسيمة لما دخل في صراع إعلامي مع الجزائر عن طريق الإتهامات التي يروّج لها عبر الفضائيات فيما يخصّ دعم القذافي سواء بالمرتزقة أو السلاح، وطبعا كان الهدف منه إجبار الجزائر حينها على دعمهم، وهذا الذي لم يتحقق، والآن سيجد هذا المجلس نفسه أمام مفارقة إثبات مصداقيته عن طريق الكشف على أدلة الإدانة التي ظلّوا يتحدثون عنها وأشار لها حتى عبدالفتاح يونس قبل اغتياله، وهذا ما يزيد في شرخ العلاقة مع الجزائر، أو ربما يحاولون تجاوز تلك المرحلة عن طريق مصالحة دبلوماسية عابرة تلعب أطراف أخرى دورها فيها.

أما إن كانت تلك الاتهامات جزافية ومجرد مزايدات لا أساس لها – وهذا المؤكد – والجزائر ستلحّ حتما على التحقيق في ذلك أو الإعتذار في أقلّ الأحوال، وهو الذي لا يمكن استبعاده في ظل استمرار التهديدات التي يطلقها بعض أعضاء المجلس حتى بعد سقوط طرابلس، وأيضا لجوء الجزائر للأمم المتحدة حول قضية الاعتداء على سفارتها بالعاصمة الليبية، ما يوحي على التباين الشاسع بين الموقفين. مصداقية المجلس الإنتقالي على المحكّ الآن محليا ودوليا ولن يجد من خيار سوى التخلّص من تبعية العناصر التي كان لها الدور في زرع تلك الادعاءات والترويج لها، هذا من جهة سيفتح أبواب الصراع بين صقور وحمائم هذه الهيئة الإنتقالية، ومن جهة أخرى سيفقد القوى الغربية عناصر مهمة تراهن عليها في بناء الدولة الجديدة ومن بينها مصطفى عبدالجليل الذي تبنّى بدوره تلك التهم.

لا يمكن استقرار ليبيا إلا بدعم مغاربي وخاصة الجزائري ولن يتحقق هذا الدعم إلا بإعادة بناء علاقة على أساس ثقة تأخذ الجزائر بعين الاعتبار أمنها الحدودي وخاصة على الجهتين الشرقية والجنوبية، وهذه القناعة تؤمن بها القوى الغربية التي تسيطر على مجريات الأمور، ولهذا لا نستبعد تضحية المجلس ببعض الأشخاص ممن تورّطوا في إشعال فتيل الأزمة مع الجزائر، وهذا كحلّ أدنى لتجاوز ذلك من أجل المساعدة في العهد الجديد. كما أن الجزائر من مصلحتها إستقرار الوضع عن طريق تأسيس نظام معتدل يبعد شبح المتطرفين الجهاديين من الواجهة أو يحتويهم في أطر رسمية أخرى يصعب من تحوّلهم لأداة يجد فيها تنظيم درودكال ضالته التي يبحث عنها ليخرج من العزلة والحصار الأمني الكبير.

11- صفقات إعادة البناء وتسديد فاتورة الدعم الأجنبي:

بلا شكّ أن ليبيا تعرضت لتخريب كبير وتهديم البنى التحتية، ولذلك فإعادة البناء ستكون على حساب نفط ليبيا وثرواتها، وهي التي ستحرك الدول الغربية التي ساهمت في إسقاط نظام العقيد، للتنافس فيما بينها من أجل الظفر بصفقات خيالية لشركاتها وخاصة تلك التي أوشكت على الإفلاس بسبب الأزمة المالية العالمية، ونرى أن فرنسا تريد الإستحواذ على الجزء الكبير من الكعكة وخاصة أن وضعها الإقتصادي ليس مستقرّا دفعها إلى إعلان خطة تقشف لتجاوز تداعيات إقتصادية لقانونها المالي لعام 2012. في حين إيطاليا الحليف القديم للقذافي ستكون بالمرصاد للمخططات الساركوزية في ليبيا ولن تتنازل عن مكاسبها في العهد البائد، وهذا بلا شك سيحرك اللعبة الإستخباراتية لصناعة لوبي موالي داخل السلطة الجديدة يفتح الوضع على شتى الإحتمالات وأقلها ستعود بالوبال على إستقرار البلد.

ظهرت بوادر تسديد الفاتورة مباشرة بعد إسقاط طرابلس، حيث أن رئيس المجلس الإنتقالي أكّد أن الذين سيستفيدون من صفقات إعادة الإعمار هي الدول التي ساعدتهم في إنقلابهم على القذافي، وكل حسب ما قدّمه من سلاح وعتاد وأشياء أخرى، وهذا أمر واضح وجليّ، ولكن تبقى عملية توزيع تلك المشاريع الضخمة بين الدول تثير الصراعات الخفية التي ستظهر بوادرها لاحقا.

هذه بعض الأمور التي رأينا من الضروري الإشارة إليها بإختصار جدّ شديد، وإن كانت هناك أشياء كثيرة مختلفة ومهمة نتركها لمقام آخر، ويبقى السؤال قائما: من سينقذ ليبيا من السقوط الحرّ بعدما فرّ القذافي من باب العزيزية نحو وجهة تبدو حاليا مجهولة؟ !.

روابط:

– موقع الشروق أونلاين

– نسخة من الطبعة الورقية للشروق اليوميPDF

 

Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom