عندما يفضح العريف جلعاد شاليط جنرالات العرب

2011/10/15

عندما يفضح العريف جلعاد شاليط جنرالات العرب

بقلم: أنور مالك

بعد نهاية كل عملية يجب أن نناقشها من منطق ما لنا وما علينا، وبعدها نحكم على النجاح أو الخسارة بناء على النتائج التي خلفتها. فأسر العريف الإحتياطي جلعاد شاليط إعتبره الكثيرون إنجازا حققته كتائب القسام ذات يوم من 25 يونيو 2006. ثم عملية تبادل الأسرى وصفت أيضا بأنها أمر خارق وإنجاز كبير للغاية لم يحدث لها مثيل في الداخل الفلسطيني. بالرغم من أن هذا الجندي الذي رتبته عريف إحتياطي كلفنا الكثير، فقد ساوى 1027 أسير مقابل إتفاق الإفراج عنه، كما أدى إلى مقتل نحو 1400 شهيد في العدوان على غزّة من أجل تحريره، وطبعا أكثر من 5000 جريح وخراب في البنى التحتية لا نظير له. لقد كلفنا “الكابران” شاليط غاليا فترى ماذا لو كان يحمل رتبة عقيد أو جنرال؟ !

 

متى ترفع قيمة العربي في بورصة تبادل الأسرى؟

في كل عملية تبادل للأسرى سواء تلك التي جرت من قبل مع مصر أو سورية أو الأردن، أو هذه التي تجري مع حماس الفلسطينية أو مع “حزب الله” اللبناني، والتي دوما تسوّق على أنها انتصارات رهيبة، ولم يسبق لها مثيل مما يهزّ عرش الكيان الصهيوني المهدد -حسبهم- بالزوال والإبادة، نجد في أغلبها أن جثة إسرائيلي تساوي العدد الكبير من الأسرى العرب الذين لا تزال الروح تسري في أجسادهم المنهكة من السجون والأصفاد…

إنه بلا شك يوحي ذلك إلى مدى قيمة الإنسان اليهودي لدى الدولة العبرية، والتي هي مستوحاة من عقائدهم وتلمودهم الذي يحركهم ويضبط سلوكهم ويصنع أحلامهم في هذا العالم، ولكن قيمة الإنسان العربي لدى أنظمته أو لدى الكيان العبري المدسوس في قلب الأمة، والذي هو أبخس من النخالة عندما كانت تطعم للكلاب المشردة !!

نتحدث عن ذلك ولا يعني مطلقا أننا ضد تحرير الأسرى عن طريق التبادل المشروع من النواحي القانونية والدينية، ولا أننا ندعو إلى مقايضة أسير عربي مقابل إسرائيلي، وهذا الذي بلا شك لا يمكن تحقيقه، لأن سقوط الصهاينة في الأسر لا يحدث إلا في حالات تعد على الأصابع، في حين يوجد آلاف الأسرى في أقفاص من حديد لدى الكيان المحتل، كما أننا لا نسخر – معاذ الله – من تحرير أبرياء أنهكتهم السجون والمعتقلات، ولا أننا نستهين بجهود من حرروهم وبقدر الممكن والمستطاع.

طبعا من الواجب تحرير هؤلاء بكل الأثمان، فقد أسروا من أجل القضية ولا يعقل أبدا أن تتخلى عنهم القضية لأي اعتبار، فلا توجد أمة تحررت على مدار التاريخ من دون أن تدفع الثمن من الدم والدمع، ومن يزعم أن التحرير قد يهدى بمفاوضات السلام، أو نفوز به في ستار أكاديمي أو مسابقات من يربح المليون أو وزنك ذهب أو حفلات الرقص وهزّ البطن والخصر والنهد، أو من خلال فيديو كليب لمجموعة من الغانيات، فهو واهم وسيرتد عليه وهمه عندما يجد نفسه ضحية رصاصة طائشة أو أخرى مصوبة بإحكام، أو أن الأصفاد تسللت لزنديه برغم ما قدم لصالح الأعداء بهذا التصور المبتور والأحمق، لأن التحرير لا يأتي بدلع هيفاء وهبي ولا بعجرميات النانسي ولا بغنج أليسا ولا بقهقهات الشاب خالد، لأن الأصل في التاريخ ومنطق الأشياء أن من يريد السلام عليه أن يكون الأقوى في الحروب.

عندما أتساءل عن اليوم الذي سنبادل فيه أسير واحد بأسرى من الكيان الصهيوني الغاصب، فهذا يعني أننا استطعنا أن نأسر عددا كبيرا منهم، وأنه يتواجد في سجون رام الله أو حماس أو “حزب الله” المئات من الجنود الصهاينة المتعطشين لدماء أطفالنا وفق شرائع الحاخامات وصلوات التلمود.. وطبعا أنه ما دمنا تمكنّا من أسر المئات فهذا يؤكد على ضعف العدو وقوتنا، ولكن عندما نتحول إلى أسرى إما في سجون الاستعمار أو أوليائهم الطالحين بأرضنا، فهي أدلة بينة واضحة على أننا لا نصلح للبقاء أصلا ما دمنا نلوذ بالصمت والاستجداء والخنوع.

فترى هل من الممكن أن تحقق أي مقاومة عربية هذا الهدف الإستراتيجي المهم وتصل إلى حلم أسر فصائل أو كتائب من جيش الاحتلال الصهيوني؟

هل لدينا من الإمكانيات العسكرية التي تمكنا من الوصول إلى بوابات ثكنات جيش الاحتلال المحصّنة؟

هل بصواريخ القسام أو الأخرى التي يملكها “حزب الله” اللبناني ما يمكن تحقيق الهدف؟

ألا يحتاج ذلك إلى أسر كل الدولة العبرية حتى يمكن أن نحرر أسرانا بطريقة أن المواطن العربي أو المسلم يساوي العشرات أو المئات من مواطني بني صهيون؟

أليس في حال قدرتنا على أسر هذه الدولة المزروعة كالسرطان في وسطنا فالأفضل أن نحرر مقدسات أمتنا وأرض الشعب الفلسطيني المحاصر والمحتل؟

ألا يوجد عرب آخرون هم أسرى في سجون الاحتلال الأمريكي بالعراق وغوانتانامو وسجون أفغانستان وباكستان وتلك السرية في بعض الدول العربية، وقد تجاوز عددهم 20 ألفا حسب منظمة هيومن رايتس ووتش؟

ألم تغدو شعوبنا معتقلة وأسيرة في أوطانها وفي أقل الأحوال هي تحت ما يسمى الإفراج المؤقت؟

ما معنى أن تنتفض ضد أسرى في سجون الأمريكان ولا تنتفض ضد حكومة المالكي ومن سار في فلكها، وهي التي جاءت من على ظهر الدبابة تبشر بالدمار والرزية تحت عنوان مزيف اسمه الديمقراطية؟ !!

هل من المعقول أن نبكي دموعا على أسرانا أو قتلانا ونحن أصلا أسرى وأبناؤنا قتلى وأمهاتنا ثكالى وعلى أيدي حكامنا؟

هل يمكن أن نستبشر خيرا وأوطاننا بدأت تسقط تباعا سواء في شباك الحروب الأهلية أو بتدخل عسكري أجنبي وهو إحتلال مقنن بشعارات حقوق الإنسان؟

 

أرقام مهينة تكشف عوراتنا منذ ستين عاما

منذ نكبة العالم الإسلامي عام 1948 أي بأكثر من ستين عاما ونحن لا نزال نبادل أسرانا بطريقة، على كل حال لا يوجد سواها اليوم، ولكن هي في الأصل تبرز للعالم قيمة الإنسان اليهودي الذي جثته تساوي المئات من أحياء العرب والمسلمين، أما إن كان هذا الصهيوني حيا فهو يساوي مئات المئات ووصل بنا السقوط أن صار يساوي الآلاف.

فقد أجرت مصر والأردن وسوريا ولبنان في 21/07/1949 عملية تبادل مع إسرائيل، مع العلم أن الدول العربية كانت تحتجز 885 أسيرا إسرائيليا في حين يوجد 6306 أسيرا عربيا في الكيان العبري الذي كان يحارب بالعصابات مقابل جيوش نظامية زعم حكامها بشعارات القومية المزيفة والمزورة أنهم سيهزمون ويفتحون العالم، ولا نزال ندفع ثمن غرورهم وكذبهم لليوم.

أما في ديسمبر 1954 أعادت سورية 5 أسرى إسرائيليين مقابل 41 أسيرا سوريا أي أن الجندي يساوي على الأقل ثمانية من العرب. بل أن 5500 مصري كانوا أسرى في سجون الاحتلال  تم الإفراج عنهم عام 1957 مقابل 4 إسرائيليين كانوا محتجزين لدى الزعيم و”البطل” القومي العربي جمال عبدالناصر، وبطريقة حسابية أنه بعد أقل من عشر سنوات من النكبة صار الصهيوني يساوي 1375 مواطنا مصريا، ألا يوجد استخفاف أكثر من هذا وخاصة أن عبدالناصر كاد يقول أنه صلاح الدين الأيوبي المنتظر، وصفق له ولا يزال المخدوعون والمتوهمون في ظل واقع بائس.

تواصلت خيبات الجيوش العربية بقيادة “البطل” القومي العربي جمال عبدالناصر، حيث في حرب 1967 أسرت القوات العربية 15 عسكريا إسرائيليا، في حين القوات الإسرائيلية اعتقلت 6708 عربيا (4338 جنديا مصريا بالإضافة إلى 899 مدنياً، و533 جنديا أردنيا و366 مدنيا، و367 جنديا سوريا و205 مدنيين سوريين)، لتنتهي عملية مبادلتهم في 23/01/1968…

وتشير المصادر المختلفة إلى أنه منذ عام 1970 وحتى 20/05/1985 تمت صفقات تبادل الأسرى وقد اشتملت الإفراج عن 407 إسرائيليين مقابل 6684 معتقلا فلسطينيا وعربيا ومن مختلف الدول، أي أن الإسرائيلي الواحد يساوي 16 أسيرا عربيا في أقل الأحوال.

وربما لا يمكن أن نتجاهل عملية تبادل في 21/12/1963 التي جرت بين إسرائيل وسوريا وهي الحالة النادرة، حيث أفرج عن 11 إسرائيليا مقابل 15 أسيرا سوريا، وطبعا العملية كانت ثنائية في ظل مد وجزر بين الحكام العرب، ولكن يكفي أن الجولان لا يزال محتلا ليكشف الفرق الشاسع بين الطرفين والزمنين.

إن قيمة الإنسان العربي مقابل الصهيوني ظلت على مدار ستينية “الدولة العبرية” تراوح مكانها أحيانا وتحدث صعود قيمة الصهيوني في أغلب الأحيان، حتى خلال التسعينيات نجد أن الأمر لا يزال على حاله ولم تصعد قيمة العربي في سوق تبادل الأسرى التي كلما يحرر عشرة يعود العشرون إلى المحتشدات والسجون، والسبب واضح هو ضعف كياننا وتمسّخنا بالفشل والسقوط الحرّ والإنتصارات المزعومة والمزيفة.

ففي جويلية 1996 تمت مقايضة رفات الجنديين يوسف فينك ورحاميم اليشيخ برفات 123 لبنانيا، أما في جوان 1998 جرى تسليم جثة الجندي الإسرائيلي إيتمار إيليا مقابل رفات حوالي 40 لبنانيا وبينهم هادي نجل حسن نصرالله. أما جانفي 2004 سلم “حزب الله “العقيد الحنان تننباوم وجثث 3 جنود وهم عدي أفيطان وعمر سواعد وبيني أفراهام مقابل 23 أسيرا لبنانيا و12 أسيرا عربيا و400 فلسطيني…

مما تقدم يؤكد على أن الكيان العبري يحرص على جثث قتلاه وطبعا بناء على القداسة التي يتمتع بها اليهودي من خلال تلموده، سواء كان حيا أو ميتا، في حين أن الإنسان قدّس عندنا وفي أرقى صوره من خلال القرآن الكريم، ولكن لا قيمة له وهو حيّ وحرّ في أرض الواقع، أما عندما يكون سجينا سواء في الداخل العربي أو بالخارج فلا يمكن وصف مدى الإستخفاف به.

قد يزعم البعض أننا نسخر من الأسرى أو أننا ندعو إلى ضرورة مبادلة الند بالند وهذا بلا شك سيجعلنا لا نستطيع تحرير 1% من أسرانا، معاذ الله بل أنني أحرص على ضرورة استغلال قيمة الإنسان العبري لدى دولته، حتى نصل لتحقيق تحرير المساجين الذين قضوا السنوات الطوال وهم في معاناة لا يمكن وصفها، وإن كانت أرحم بكثير من سجون العرب ومحتشداتهم.

ولكن في الوقت نفسه يجب مراجعة الأخطاء التي عمرت في واقعنا على مدار عمر الكيان العبري المدسوس في عوراتنا، ولا نبقى نفرح ونسوق على أننا منتصرون مادمنا حررنا 19 أسيرة من شريفاتنا التي لم يكحلن عيونهن إلا بدخان المقاومة والكبرياء، مقابل أقل من دقيقة واحدة لشريط فيديو يظهر فيه جلعاد شاليط يقرأ ما كتب له لإثبات أنه على قيد الحياة، والآن يتم تحريره مقابل 1027 أسير، والذين لن تتأخر إسرائيل في إعادة آخرين بدلهم وتبقى سجونهم دوما محشوّة بالعرب بمختلف دياناتهم، والذين لا يساوون جميعا في معتقدات بني صهيون حفاظة بول إستعملها الجنود أثناء محرقة غزة !!

من ليس له قيمة في أرضه لن يحترم الأعداء عرضه

لو نظرنا بعين فاحصة وصادقة وحاسبنا أنفسنا لوجدنا أنه لا يمكن أن نطالب إسرائيل باحترام قيمة الإنسان العربي عموما والأسير بصفة أخص، وهو لا يساوي جناح بعوضة في أوطاننا، فإن كنّا نلوم الصهاينة على ما يقترفونه في حق الأسرى الفلسطينيين، فما كانوا يلاقونه مثلا في سجون سلطة رام الله يندى له الجبين، وهل من المعقول أن نتحدث عن ذلك وأطفال غزة ذبحوا على المباشر في حين محمود عباس لم يتجرأ على انتقاد الكيان العبري ولو بلوم العاشقة لعشيقها في لحظة شبق عارم. في حين يستنسر على المقاومة التي في عزّ الحرب والعدوان عليها كانت تحتاج إلى الدعم والمساندة ولو بطيب الكلام والدعاء، هذا من أجل حماية أرواح الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ والعزل، في حين ظل هذا العباس يتواطأ على غزة بالتجويع والحصار والتقتيل واعتبارها خارجة عن القانون، ثم التفريط في دماء الأبرياء والمتاجرة بهم في سوق النخاسة، تجلى مثلا في الوقوف ضد تقرير القاضي ريتشارد غولدستون بجنيف، الذي يدين إسرائيل على محرقة غزة، وهكذا صارت قيمة الضحايا الشهداء لا تساوي حتى حبر الورق الذي حرر به التقرير عند العباس والفياض في ما يسمى تجاوزا سلطة رام الله، التي دعمها نتنياهو وليبرمان وباراك وأولمرت…

ترى ماذا لو سقطت صواريخ على مستوطنة صهيونية وقتلت 5 أطفال ومزقت جثثهم، فهل من الممكن أن يطلع إيهود باراك أو بنيامين نتنياهو ويحمّل المتطرفين – إن صحّ التعبير – من ذلك الحي مسؤولية سقوط الضحايا، وهل من الممكن أن نتخيل أن أحد هؤلاء المجرمين القتلة سيمدون أيديهم ويصافحون عربيا ولو كان بائسا يظهر عليه ذقن يشبه رجال كتائب القسّام، في حين “حكام” رام الله لحسوا أصابع أولمرت الملطخة بدماء الأطفال الرضع؟ !!

بلا شك أن ذلك لن يتحقق لأن دم الصهيوني “السامي” في معتقداته وقيمته وشحمه ولحمه، يساوي الدنيا لدى سلطات الاحتلال السياسية والدينية، في حين الفلسطيني لا يساوي شيئا لا عند محمود عباس، ولا  حتى عند الحكام العرب بمختلف مشاربهم سواء كانوا في الحكم أو جرفتهم الإنتفاضات الشعبية.

من كل ما تقدم فإننا نؤكد على أن النصر لن يتحقق أبدا وقيمتنا في بورصات العالم ستبقى لا تساوي جناح بعوضة مهما تشدق الحكام ورقص المعارضون. لأن هذه القيمة يجب أن تظهر من خلال واقعنا في أوطاننا، حيث لا يصبح المواطن يفر من بلاده عبر زوارق موت، ولا يتحزم بالقنابل من أجل إبادة الآخرين انتقاما على احتقاره لذاته، لأنه لا يمكن أن يحترم الناس شخصا تهينه أسرته وإخوته وأقرب الناس إليه، بل تتركه يقتات من المزابل والملايير تبذر في الليالي الحمراء وكازينوهات القمار بلندن وباريس وشيكاغو..

عندما أردّ على من يزعمون أن إسرائيل مهددة بالزوال لأسباب إستراتيجية وأخرى عقدية، وهذا الذي قمت به في برنامج الإتجاه المعاكس الذي بث في 13/05/2008 على قناة الجزيرة، فلست أهرف بما لا أعرف، بل أؤمن يقينا أن الزوال يبدأ بفقدان هيبة الدولة ثم يصل إلى فقدان هيبة الإنسان وبعدها يأتي الانقراض، فإن أخذنا هذه المعايير بعين الاعتبار فإننا نحن المهددين بالزوال حتما، مادمنا لا نملك دولا بمفاهيمها وشروطها الحضارية التي أرست دعائمها قوانين الحياة، ولا نملك قيمة سوى تلك التي نتبجح بها من خلال النصوص الدينية، فالقيمة ليست شعارات براقة لكنها واقع ملموس نراه رأي العين لدى العدو قبل الصديق…

 الأمم التي تريد البقاء تصنع لنفسها وعرقها ودينها قيمة، عن طريق إرساء شروط القوة التي بينها العقدية والإنسانية والأخرى العسكرية، وباختصار جد شديد أقولها بصراحة لما نصل لليوم الذي يصير للإنسان المناهض للصهيونية قيمة سواء كان جنسه من العرب أو الفرس أو الأفغان أو الهندي أو باكستان أو حتى من بلاد الوقواق، حينها قد نستبشر بالنصر المؤزر، والقيمة لا تظهر في الشعارات الطنّانة والرنانة بل هي واقع ملموس، نتذوّقه ونكحّل به عيوننا لمّا يتجلى في أبسط الأشياء، وطبعا تبادل الأسرى من بينها..

لقد قلت في مطلع ماي 2009 بالحرف الواحد وأنا أتحدث عن عملية تبادل الأسرى التي جرت مع لبنان: “أؤكد أن حماس ستطلق سراح جلعاد شاليط قريبا مقابل ربما آلاف من الأسرى الذين سيحررون من سجون الاحتلال، ولكن أنا على يقين أن ذلك لن يغفر لها وسيسقط آلاف ضحايا غزو واعتداء آخر على قطاع غزّة في ظل تآمر من العرب قبل الغرب، وستعاد الزنازين التي أفرغت وتملأ من جديد بأسرى جدد، ليبقوا ينتظرون شاليطا آخرا، والذي سيصعب تحقيقه في ظل الانقسام والحرب الداخلية والمؤامرة والعمالة في حبات الزيتون المتوجعة في صحن البيت الفلسطيني”. وهاهي النبوءة تحققت فترى كيف سيسير الأمر مستقبلا مع ما تبقى من كلامي؟

لن يهزم التلمود ببوس الواوا أيها العرب

(من جاء ليقتلك بكّر فأقتله) هكذا تحدث التلمود ولا يزال يهمس في قلوب وآذان اليهود، وهكذا يردد حاخامات الكيان الصهيوني المتعطشون لدم غيرهم، في فتاويهم ودروسهم ومعابدهم وصلواتهم، وهم الذين يسيطرون كاملا على الحكم والدولة الصهيونية، فلا وزير ولا جنرال ولا رئيس حزب ولا عضو كنيست ولا سفير يمكنه أن يتجاوز فتاوى شموئيل الياهو التي تدعو إلى إبادة العرب تقربا لذلك الرب الذي أوحى لهم: (يقف القمر معاتبا للرب قائلا: لماذا خلقتني أصغر من الشمس؟ ويكررها حتى يبكي الرب ويجمع الملائكة قائلا لهم: كيف أكفر عن خطيئتي في حق القمر؟ فتقول الملائكة: أكرم اليهود، فيقول لهم: هم شعبي المختار، فتقول الملائكة: أكرم اليهود، فيقول: هم أسياد البشر، فيقولون له: أكرم اليهود، فيقول: هم أبنائي لا إثم عليهم في الدنيا والآخرة يفعلون ما يريدون)…

 أنصار رجال الدين اليهود صاروا يشكلون الأغلبية في “الدولة” العبرية، بسبب إنتشار دعواتهم الدموية وسط شبابهم الذين يعانون من أزمات نفسية وعقدية واجتماعية وأخلاقية، وكذلك بسبب التكاثر الذي تشهده عوائلهم والذي يرجع إلى أمر مقدس بينهم (كن خصبا وكثير النسل)، مقابل نقص الخصوبة لدى العلمانيين ومن يواليهم… والمتأمل في الفتاوى اليهودية التي تصدر سيجدها تدعو إلى القتل ومن دون مراعاة لأي ظرف ولا احترام لأي قانون أو دين آخر أو إنسانية، والمعيار والمهم في كل ذلك هو الحفاظ على حياة اليهودي التي لا تقدر بثمن، ولو كان ذلك يؤدي إلى قتل ملايين الأطفال من غير اليهود مقابل خدوش في الوجه… ولهذا فحروبهم على غزّة هي استجابة لذلك النص التلمودي الذي إفتتحنا به حديثنا، ونهبهم للأموال والممتلكات هو خضوع لنصّ آخر، حيث ينقلون حديثا لموسى بن ميمون: (ما يفقده الجوييم من أموال من حقك، ولو أعدته فقد إرتكبت ذنبا لا يغتفر)، والجوييم هم بقية الناس من غير اليهود الذين خلقوا لخدمة شعب الله المختار حسب عقائدهم.

الحاخامات يفتون بتحريم السلام مع العرب، وأن الأرض التي إنسحبوا منها – مثل غزة والجنوب اللبناني وسيناء – يجب أن ترجع إليهم لأن في ذلك خيانة للرب لا يمكن أن تغتفر إلا بالعودة. ويرون أيضا أن الأطفال العرب هم تلك المشاريع “الإرهابية” التي وجب نسفها قبل فوات الأوان، وكل جندي صهيوني يتردد في ذلك الفعل بينه وبين نفسه فقط، فهو ضحية وساوس شيطانية يجب عليه طردها فورا حتى لا تثنيه عن إنجاز مهمته المقدسة، لأن الحرب التي تجري مع العرب هي حرب دينية مقدسة… دماء اليهود مقدسة… الأرض مقدسة… كل شيء في صالحهم مقدس ولا يوجد مقدس سواهم، وما دونهم فهم عبيدهم الذين ليس لهم الحق في الحياة والتنفس.

هذه بعض الرؤية المختصرة جدا عما يتم تداوله بين حاخامات اليهود من تصورات، وهذه طبيعة حربهم على العرب، فليس ما يجري هو صراع سياسي أو عسكري بحت كما يخيل للبعض، بل هي حرب دينية ترسم أبعادها الروحية في المعابد وينفذها عسكريون ومسؤولون مقتنعون أن غضب رجال الدين من غضب الله، وأن سخطهم هو الموت بعينه، بل أن آرييل شارون ظل يردد في كل خطبه أحد النصوص التلمودية (لو نسيتك يا أورشليم… تقطع يميني)… في حين الحكام العرب تجدهم يقولون “لو نسيتك يا هيفاء تقطع أمعائي”؟ !

هل من الممكن أن يهزم – بضم الأول – المتدين الذي يرى حربه مقدسة تمليها عليه نصوص إقتنع لحد الهوس والجنون أنها من الله، ومن طرف آخر لا يملك سوى الشعارات الفارغة والطنّانة والفضفاضة؟ !!

هل من الممكن تحقيق سلام مع طرف يرى أن العرب ليسوا آدميين وقتلهم هو تطهير للأرض منهم؟ !!

هل من الممكن ردع جندي يبطش ويجهز على الأطفال لأنهم مشاريع “إرهابية” عن طريق المفاوضات ومبادرات سياسية أو قوانين صدرت في جنيف أو اتفاقات ثنائية وقعت في شرم الشيخ؟ !!

هل من الممكن الانتصار على جيش يتحرك بقوة عسكرية رهيبة ومعتقدات تلمودية دموية مرعبة، عن طريق الجيوش العربية التي تحولت ثكناتهم إلى أسوار للفساد والعدوان على الأبرياء، ولا يذكرون الله إلا في أعراض الزكام أو في أشياء أخرى تتعلق بالغرائز؟ !!

هل من الممكن الوقوف في وجه جيش ينطلق جنوده من فتاوى حاخاماتهم الذين يلوون نصوص التلمود حسب أهوائهم وبما يدغدغ مشاريعهم الدينية، ومن طرف من تساندهم راقصات وغانيات؟ !!

هل من الممكن أن يحرر بيت المقدس من يرى تدين حماس شرّا على الفلسطينيين، في حين إيهود باراك لا يتجرأ ولو في غرفة نومه على تجاوز تلك الخطوط التي رسمها له حاخامات غلاة؟ !!

إن الحقائق التاريخية والعلوم البشرية ومنطق زوال الإمبراطوريات وبنائها أكّد على أن حروب رجال الدين والعقائد لا تهزمها حروب رجال النهود والوسائد، لأن المحارب الذي يستمد قوته الروحية من نصوص يراها آتية من السماء ومن قوة أزلية يراها ببصره وبصيرته أنها تؤيده، لا يمكن أن ترده بمحارب يخرج لأجل عيون أنثى يعشقها أو غنيمة يرغب في حمايتها أو إمتيازات يبتغي تحصيلها، وهذا الذي وردت حوله نصوص دينية تحرم على المسلمين القتال لغير الله… فالحروب الصليبية خرجت من الكنائس ورعاها القسيسون والرهبان، والفتوحات الإسلامية صنعت في المساجد وقادها الأئمة والعلماء، وحتى الحروب القديمة التي عرفتها البشرية كان يقودها رجال الدين… لأن الذي يرى حربه على الآخر قدستها ديانته، سينتصر حتما على من لا يراها سوى مهمة فرضتها الظروف وأملتها أوامر القادة المغضوب عليهم في الغالب.

إن الصهاينة يهجمون على العرب والمسلمين والتلمود في قلوبهم وفوق رؤوسهم وفي جيوب بذلاتهم العسكرية، بل يرافقهم كما هو حال الرشاش والذخيرة، ومن يريد مقاومتهم يجب أن يكون لديه إلى جانب السلاح ماهو أقوى من تلمودهم وخرافات حاخاماتهم… فترى هل هو معاهدة كامب ديفيد أو إتفاق أوسلو؟ هل هو القانون الداخلي لحركة فتح؟ هل هو دستور الحكم الذاتي؟ هل هو خطابات الزعماء العرب؟ هل هو مراسيم الحكومات والملوك والرؤساء العرب؟ هل هو الكتاب الأخضر للقذافي الهارب بعد 42 عاما من الحكم؟ هل هي فتاوى السيستاني ورجال قم والنجف؟ …

للنصر طرق واضحة بينة لا يمكن تجاهلها أو القفز والتدليس عليها: – الطريق الأول وهو العقيدة ومن ينصر الله ولو برباط الخيل ينصره فهل نصر العرب والمسلمون الله؟ !! الواقع الذي عليه حالنا خير دليل. الطريق الثاني وهو القوة العسكرية فهل لنا من العتاد والسلاح ما يحقق ذلك؟ !!… إن الحرب الآن عقدية وستزداد أكثر وأكثر مع مرور الأيام لأنها سنة الله في خلقه، فترى ماذا أعددتم لها أيها المسلمون؟ هل سنهزم أبناء التلمود بالقبلات ومص الخدود بين حكام العرب وزعماء الغرب؟ !

لقد فضح العريف الإحتياطي جلعاد شاليط جنرالات الجيوش العربية الذين لا يتقنون إلا فنون الحرب على مظاهرات شعوبهم من أجل الكرامة والحرية ولقمة العيش، فقد استأسد الاسد على شعبه الأعزل وحتى على الحمير في حين لا يزال الجولان تحت أقدام رجال التلمود.  بل كشف هذا العريف عورات الأنظمة الحاكمة، فقد وعد حكام إسرائيل أن يحرروا فتاهم ونفذوا وعودهم، وبعد قتل الآلاف هاهم أهانوا الآلاف والعرب يصفقون !!

 

الشروق اليومي 15/10/2011

روابط:

– موقع الشروق أونلاين

– نسخة من الطبعة الشروق الورقية

Be Sociable, Share!

????????? 5 تعليقات

تعليقات 5 على “عندما يفضح العريف جلعاد شاليط جنرالات العرب”

  1. nadya on 15 أكتوبر, 2011 3:18 م

    دا ئما تصيب استاذ الهدف مباشرة بدون لف او دوران
    لن يهزم التلمود ببوس الواوا أيها العرب

    هل من الممكن الانتصار على جيش يتحرك بقوة عسكرية رهيبة ومعتقدات تلمودية دموية مرعبة، عن طريق الجيوش العربية التي تحولت ثكناتهم إلى أسوار للفساد والعدوان على الأبرياء، ولا يذكرون الله إلا في أعراض الزكام أو في أشياء أخرى تتعلق بالغرائز؟ !!

    لن اكتب اي رد فليس هناك ما يقال او يكتب فقد قلت كل شيء استاذ وطرحت كل شيء والعبرة لمن يعتبر
    كل التقدير لشخصك وبارك الله فيك استاذ ……….

  2. عبد الحفيظ on 16 أكتوبر, 2011 12:40 م

    و الله مقالك في القمة ، كتبت قبل ايام مقالا حول نفس الموضوع : صفقة شاليط : عندما يصبح الدم العربي أرخص ما في الوجود
    وصفتي الكثيرون اني انا الرخيص و دمي ليس عربيا و كذا و كذا ، و لكن ها انتم تؤكدون على ما جاء في كلامي ان دمنا اصبح الارخص و الأذل ، ننتظر يوما نبادل في اسيرا واحد منا بالف منهم …شكرا جزيلا لكم استاذ

  3. بدري on 19 أكتوبر, 2011 9:34 ص

    مقال أكثر من رائع والله كله حكم
    شكرا لك استاذنا القدير المفكر الجزائري أنور مالك
    انت مفخرة
    ربنا يحفظك

  4. ساسية on 19 أكتوبر, 2011 9:34 ص

    الله يبارك فيك أستاذ أنور

  5. علاء on 19 أكتوبر, 2011 9:35 ص

    لا فض فوك وتحية لك من غزة


Bottom