أين سيدفن طغاة تونس ومصر واليمن وسورية؟

2011/10/24

أين سيدفن طغاة تونس ومصر واليمن وسورية؟

بقلم: أنور مالك

كل إنسان في هذه الدنيا سيفكّر في نهايته سواء علانية أو هو على فراش نومه ثم مرضه. غير أن الطغاة هم من طينة أخرى، فنهايتهم يرونها غير نهاية باقي البشر، فقد عاشوا بالسحب فوق رؤوس الناس ويعتقدون أنهم خلقوا ليُعبدوا ويَستخفوا ببني جلدتهم، وعندما يرحلون سيجدون عرشا آخر في انتظارهم بالفردوس الأعلى.  فالطاغية يؤمن بصواب منهجه وأنه لا يري الناس إلا ما يرى، وإذا خالفه أحد فقد ضلّ سواء السبيل، لأن الطاغية قد تألّه على البشرية حتى بلغ به الأمر إلى أن يخيل له خلافته لربه في الأرض ليس كإبن آدم بل من شيء آخر غير النطفة والعلقة والمضغة.

لقد رحل طغاة كثيرون من الدنيا ونساهم حتى التاريخ نفسه الذي ظنّوا أن مفاتيحه بين أيديهم، وفرعون الذي علا فوق الأرض وإستخفّ بقومه فأطاعوه وإستعبدهم واستحيى نساءهم، كانت نهايته على يدي موسى (ع) الذي ربّته زوجته ورعته في بيته الذي ما يحلم أحد بالإقتراب عشرات الأميال من أسواره. غرق فرعون وحفظ الله جثته لتكون آية للناس وعبرة ثم جاء القرآن الكريم ليسطّرّها في آيات تتلى أناء الليل وأطراف النهار، لتبقى خالدة محفوظة بحفظ الخالق لكتابه مدى الدهر.

عندما تطارد الشعوب قبور الحكّام

هرب الرئيس التونسي زين العابدين بن علي إلى المملكة السعودية، ليفتتح موسم سقوط حبات السبحة المسمومة التي كانت تلفّ أعناق الشعوب العربية بجبروتها وتسلّطها وعمالتها وبتآمرها على قضايا الأمة المصيرية، وبغضّ النظر عن التدخل الخارجي في إحتواء وتوجيه هبّة الشعوب للتحرر والإنعتاق نحو ما يخدم مصالح الغزاة المتربصين، إلا أن الأمر يدفعنا إلى هذه التأملات علّها تبقى آية للطغاة عبر العصور القادمة.

بالتأكيد أن بن علي يفكر في مكان دفنه وهو العليل، بقدر أساه على مآله في هذه الدنيا، وبقدر أنه صار يشاهد عاره وشناره تتناقله قنوات تلفزيونية والصحف التونسية نفسها التي كانت بالأمس لا تراه غير ذلك الزعيم الراشد الذي جاء من رحم أمه ليعيش كوكبا في السماء، وأنه المنقذ الذي لا يوجد سواه للشعب التونسي. غير أن الحقيقة فضحتها سيدي بوزيد وباقي المدن الأخرى المكتوية بالفقر والإقصاء والحرمان، والغصّة في الحلق وهم يشاهدون ثروات البلاد في يد عائلة مستهترة وفاسدة تبذرها على المكياج والمجون والشهوات والقمار والفجور…

بن علي الآن ربما عزاه الوحيد أن نهايته كانت أفضل بكثير، لأنه ربما سيدفن في المملكة العربية السعودية، ويخيل له أن سينال شرف الجوار بالصحابة الكرام ولكن بالتأكيد سيتغاضى عن قبر أبي لهب وابي جهل وأمية وابن سلول وغيرهم من كفار ومنافقي قريش.

الرئيس المصري حسني مبارك بدوره وهو على سرير مرضه ينقل من قفص لآخر، سيكون حاله في ثوب جديد، حيث سيموت وتتكفل إدارة السجون بدفنه ولن يعزّيه لا ملوك ولا رؤساء ولا زعماء ولا حتى أقاربه، وطبعا بطريقة ما تخيلها يوما سواء كان في قصره بالقاهرة أو في شرم الشيخ وهو يصافح تسيبي ليفني ويعانق نتنياهو ويبوس ايهود بارك، ليتآمر معهم على شعب غزّة المحاصر. لقد كان يعتقد أن مصر هي آل مبارك، وأن كفة آل سوزان ترجح على الشعب المصري برمّته. غير أن الأمر إنعكس تماما ولن يذكر التاريخ من قصة حسني غير صوره وهو على السرير في قفص الإتهام لم يجد بجنبه سوى متهمين من صلبه يسترونه عن كاميرات الصحفيين، ولم يسبق أن رأينا تلك المشاهد من قبل مع طغاة أو مجرمين.

العقيد معمر القذافي قتل بطريقة نشجبها وندينها لأنها لا تتماشى وقيمنا الإسلامية ومنطق العدالة والقوانين والمواثيق الدولية، كما تناقض أيضا أبجديات “الثورة الليبية” التي جاءت من أجل رفع الظلم والغبن، وإندلعت لإحقاق الحق وإرساء دعائم حقوق الإنسان، كما ظلوا يتبجّحون. وكنت أتمنى لو أن هؤلاء “الثوار” قبضوا على القذافي ولقنوه درسا في الانسانية والعدالة بعيدا عن الوحشية والهمجية التي كان يحكم بها، ولكن للأسف الشديد تبخرت أمنيتي أدراج الرياح وأنا أشاهد تصرفات أقل ما توصف به أنها صادرة من قبل لصوص وقطّاع طرق لا يمكن أن يحترمهم أي أحد، ومن المستحيل أن يعوّل عليهم في بناء دولة ثانية ولا حتى إعادة الجماهيرية الأولى في نسختها القذافية.

لقد حكم العقيد بالظلم وكان الأولى أن يذوق طعم الانصاف حتى يندم، وقد تسلط على الشعب بالباطل وكان الواجب أن يتركوه يرى لون الحق حتى يعتبر، كان هذا الرجل يرى نفسه قد فاق الأنبياء والرسل في مكانته وكان الصواب أن يتركوه يرى حكم البشر، حتى يعذبه ضميره مهما كان شكله.

على كل حال، أعدم القذافي وضاقت الدنيا عليه بما رحبت وقرّر قاتلوه أن يدفنوه في مكان مجهول، بعدما كان يعتقد أن قبره سيرصّع بالياقوت في باب العزيزية ويتحول لمزار يقرّه وريثه الذي هو من صلبه بصفته خليفته في بلاده العظمى. وهاهو قبره الآن مجهولا ليس مثل قبر الجندي المجهول بمدينة نصر المصرية طبعا، أو ربما سيتجاهله الكثيرون سواء خوفا من العهد الجديدة أو نكاية في الماضي الذي يؤرق. وإن كانت طريقة إعدامه جعلت الشعوب تتعاطف معه وهذا ديدنها، لأن شعوبنا العربية جبلت على الطيبة والتسامح والعفو والصفح عند المقدرة حتى على من ينكّل بهم ويقتلهم. وقد فوّت “الثوار” على أنفسهم فرصة ذهبية ليقنعوا شعوب العالم بعدالة مساعيهم، ولو فعلوها ومات القذافي في سجنه لدفنوه علانية ولا أحد قد يفكّر في يوم بطلب البركة منه أو جعله مزارا، ولكن إقترفوا خطيئة كبرى ستكون عواقبها وخيمة وإن غدا لناظره لقريب.

هذا القرن تحوّل إلى قرن يبدع فيه البشر بطرق الدفن وإختراع القبور، فهذا القذافي في قبر مجهول لا ندري هل في الثرى أم في الكرى. وذاك أسامة بن لادن الذي شغل الدنيا لسنوات يدفن بطريقة إبتدعتها أمريكا، وتمّ إغراقه في البحر على “الطريقة الإسلامية” وعلى مذهب “العلامة” باراك حسين أوباما!! وهي الفتوى نفسها لكن على مرجعية “سماحة الشيخ” نيكولا ساركوزي، التي قيل أن القذافي سيكرم بها بعدما عذّب وأعدم وهو أسير جريح وعجوز بما يخالف القيم الإسلامية النبيلة. وهكذا تواصل الطغيان مرة أخرى وفي أقذر صوره، وهذا ديدن الطغاة دوما فيعذبون الأحياء ويسحلونهم حتى ترفع الروح لخالقها ثم يعلنون أنهم سيحتكمون للشريعة في الدفن لأنهم مسلمون يتقون الله في موتاهم، وللأسف لا يرقبون في الأحياء إلاّ ولا ذمة.

سيموت بن علي ويدفن ربما في السعودية ولن ينل شرف إخراج رفاته من قصر قرطاج تحت مراسيم الجنائز الرسمية، ولن يحمل على أكتاف العسكر ولا تطلق المدافع نيرانها ولا ينكس العلم التونسي لأجله ولا يعزف النشيد الوطني، كما لن تعلن أيام الحداد طبعا. ودفن القذافي في قبر مجهول بعدما تناقلت الفضائيات وشاهد العالم جلده وبطنه وسرته وكادوا أن يروا حتى عورته لولا مقص الرقيب، بعدما كان الناس لا يرونه إلا بلباسه الذهبي عبر القنوات وربما الحلاق يجب أن يغمض عينيه حتى لا ينال شرف رؤية القذافي عن قرب، وإن أساء لشعرة بمقصه سيعدم بتهمة الإساءة لقيم ثورة الفاتح.

الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، لم يعتبر بعدما كاد أن يفقد حياته في تفجير، فقد شوّه وجهه وأستعاد ملامحه في أرض الحرمين بعد عمليات جراحية خطيرة، غير أنه لم يكفيه ذلك فقرر العودة إلى قصره ثم قبره لاحقا، فأكيد يريد ان يدفن في العاصمة اليمنية على الطريقة الرسمية ولا يهم أمر الشريعة. ولم يقبل أن يكون لا بجوار عمر بن الخطاب ولا بمقربة من أبي لهب. وهاهو يصارع من أجل أن يجد لنفسه مخرجا ويدفن على طريقة حلم بها لأكثر من ثلاثين عاما… فهيهات.

الرئيس السوري بشار الأسد لم يفكر مطلقا في نهايته وهذا أغلب الظن، لأنه يرى نفسه شابا يافعا وقويا وطبيبا يستطيع أن يطبب نفسه بنفسه. فهذا “الأسد” قد إستأسد على العزّل في درعا وحماه وغيرهما من القرى والمدن الجريحة، بل لم يسلم منه حتى الحمير الذين أعدموا وذنبهم أنهم يحملون أسفارا. ونراه لا يهتمّ بأمر دفنه لأنه ثمل بخيلاء يبسطها له رجال بلاطه ممن قضوا سنوات يزينون له سوء عمله.

الطغاة سيفكرون بقبور في المرّيخ

سيفكر الطغاة الآن حتما في طريقة موتهم، وعن المكان الذي سيدفنون فيه، وبالتأكيد أنه لن يكون في البحر لأنهم ليسوا من “القاعدة” وقد حاربوا بن لادن كثيرا ولديهم علاقات ناصعة مع البيت الأبيض. ولن يدفنوا في قبر مجهول لأن ذلك هو للقذافي فقط الذي رأى معارضيه جرذانا فمات على طريقة لم تحدث لأي جرذ عبر التاريخ عندما يسقط في شباك كلاب ضالة. كما لن يفكرّوا في السعودية فقد سبقهم بن علي وغادرها صالح، بالتأكيد سيكون قلبهم على كواكب أخرى وربما المرّيخ أو زحل أو المشتري أو القمر… الخ، لكن ذلك بعيد المنال فهم لم يمكنوا شعوبهم من التقدم والعلم حتى يخترعوا لهم مراكبا فضائية خاصة تكون مركونة في زاوية من قصورهم يلجئون إليها عندما تحتدم الخطوب.

السبب طبعا أن هؤلاء الطغاة لم يتصوروا أبدا أنه سيأتي عليهم اليوم الذي يرفسون فيه تحت أقدام المراهقين، ولا تخيلوا قط أن لا تخرج جنازاتهم غير رسمية من بوابات محكمة أبدعوا في أجهزة المراقبة والحرس الشخصي، في حين تجاهلوا الشعوب التي هي الأمان الحقيقي ولا يوجد سواها، لو حكموا بالعدل والحق لناموا قريري العين تحت شجرة من دون حرس ولا حماية. ولنا عبرة العبر في حكاية المرزبان رسول كسرى الذي جاء يبحث عن الفاروق عمر بن الخطّاب (ر) ووجده نائما في مكان لم يتخيل يوما أن الخليفة الذي فتح الدنيا وإمبراطوريته توقف الأرض عن الدوران بقيمها الراقية وحضارتها وإنسانيتها، سيكون رثّ الثياب يرعى ماعزا ومن دون قصر عاجي ولا كرسي ذهبي ولا جيش ينشّ عنه الذباب، فخاطبه قائلا: “حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر”… تذكروا جيدا أيها الطغاة في كل الأقطار، فالقبر أمر حتمي ولكم الخيار في عنوان الحفرة الأخيرة.

Be Sociable, Share!

????????? (1)

تعليق واحد على “أين سيدفن طغاة تونس ومصر واليمن وسورية؟”

  1. المكي on 24 أكتوبر, 2011 6:08 م

    الى الاستاذالفاضل انور مالك

    تحية خاصة وخالصة على ماتفضلت به من كلام وقول وخطاب هادف يصب كله في العمق اخي انور اصدق القول

    ان هذا الكلام بقدر ماهو هادف وصائب فهو عميق في جوهره وكنهه فكل من قرا قراءة موضوعية ليدرك حقا انك

    على صواب بحيث ان كل كلمة استعملت في هذا المقال بقدر ماهي تنبيه وتحذير فهي عظات وعبر لكل من يريد

    ان يتذكر او يعتبر وختاما واخرا وليس اخير لك مني الف تحية وشكر على هذا المقال الرائع فيالك من كاتب ومفكر

    تفتخر به الجزائر ودمت مفخرة للجزائر لانك والله بخق وليس من باب المجاملة عملاق في فن الكتابة ووضع

    النقاط على الحروف والى لقاء وتعليق اخر دمت ذخرا وفخرا لبلدك ووطنك الام الجزائر الحبيبة


Bottom