أنور مالك: مع آصف شوكت الذي إلتقيت في حمص

2012/06/23

أنور مالك: مع آصف شوكت الذي إلتقيت في حمص

ظل العماد آصف شوكت يصنع الجدل في مختلف المواقع التي يتردد فيه إسمه، فحتى ما نقل عن مقتله لا يزال غامضا ومثيرا، وهذا يرجع لعلاقة المصاهرة التي تربطه مع العائلة الحاكمة في سورية، إلى جانب المناصب الحساسة التي يتولاها، فهو رئيس المخابرات العسكرية منذ فبراير/شباط 2005، ثم نائب رئيس أركان الجيش منذ 2009. علاقة المصاهرة التي تربطه بعائلة الأسد بدورها عرفت منحنيات مختلفة، حيث تزوج فعليا من شقيقة بشار الكبرى عام 1995، وتشير معلومات متوفرة أن عائلة الأسد رفضت علاقة إبنتهم المدللة من آصف شوكت التي بدأت منتصف الثمانينات، وكان أبرز من عارض العلاقة باسل الأسد وهو شقيق بشرى الأكبر، حيث اعتبر أن الرجل يطمع في الجاه والنفوذ بتقربه من شقيقته.

بعض المتابعين للشأن السوري لا يستبعدون دورا ما لآصف شوكت في تدبير تصفية نجل الرئيس الذي كان مرشحا لوراثة الحكم، عن طريق حادث مرور عام 1994، لأنه وقف غصّة في حلقه ولم يتمكن في تلك الفترة من بلوغ مراكز القرار مع آل الأسد التي تسيطر على مقاليد الدولة الحساسة وفق هرم أسري يصعب إختراقه، ولم يعترف حافظ الأسد بالزواج السرّي لإبنته الكبرى والمدلّلة إلا بعد رحيل باسل وضغط الإشاعات.

كان أول لقاء جمعني بالعماد آصف شوكت مساء يوم الخميس 29 ديسمبر/كانون الأول 2011، وذلك في فندق السفير بوسط مدينة حمص، وقد كان يرافق وزير الداخلية اللواء محمد الشعار على مدار الفترة التي قضيتها هناك. لقد دار الحديث بيننا مرّات متعدّدة كمراقب عربي في إطار بعثة الجامعة العربية التي أرسلت لسورية لتنفيذ بروتوكول وقع بين الجامعة والحكومة بالقاهرة في 19 ديسمبر/كانون الأول 2011.

في اللقاء الأول لم أتعرّف على آصف شوكت لما إلتقيت به في بهو الفندق، غير أن ملامحه لم تكن غريبة عنّي، وقد تأكدت من شخصه لاحقا من اليوم نفسه. الرجل لم يتحدث حينها إلا بكلمات عابرة، وظلّ النقاش قائما مع وزير الداخلية عن عمل المراقبين وحيّ بابا عمرو، حيث كان يودّ إقناعنا بأطروحة “القاعدة” التي تنشط في سورية.

لقاء آخر حدث مساء يوم الجمعة 31 ديسمبر/كانون الأول 2011، وذلك بعد وجبة العشاء بمطعم الفندق، وقد نجحنا ذلك اليوم في سحب حاجز عسكري كان متمركزا في المؤسسة الإستهلاكية بحيّ بابا عمرو، وبالرغم من أنه خارج إطار مهمتنا المتمثلة أساسا في مراقبة إلتزام الحكومة بوقف إطلاق النار وسحب الآليات العسكرية وإطلاق سراح المعتقلين والسماح لوسائل الإعلام بالتحرك الحرّ عبر كامل التراب السوري، أما مسألة الوساطة والمعونات الإنسانية فقد كنا نقوم بها بأمر من الجنرال مصطفى الدابي، رئيس بعثة المراقبين، وخارج إطار المهمة المنوطة بنا، وكنت برفقة مراقبين آخرين نرى ذلك ورطة يريد النظام السوري الزجّ بنا فيها، وفي حال حدوث أي تجاوز أو مكروه سنتحمل مسؤوليته، وسنتهم بخرق بنود البروتوكول، الذي تمّ تحريره في قاعات مكيّفة ولم يراع أصلا البعد الإنساني والأمني الموجود على أرض الواقع، مما جعله بروتوكولا ميّتا لا يمكن تطبيقه حسب ما لمسناه ميدانيا.

نقل لنا وزير الداخلية محمد الشعار شكر الحكومة على ما قمنا به من عمل جبار لما سماه تحرير الحاجز من قبضة “الجماعات المسلحة”، وإن كنا نراه غير ذلك فهو بالفعل لا يمكنه الإنسحاب إلا بمواجهة مع عناصر الجيش الحر، مما سيسقط ضحايا من الطرفين. إلا أن بقاءه في وسط الحيّ ومع المظاهر المسلحة التي بحوزته وظاهرة للعيان سيسبب إحراجا للحكومة لمّا يتناقل الناشطون تلك الصور وبوجود البعثة.

المسارعة بذلك العمل سيفيد حقيقة أهالي بابا عمرو لأنهم كانوا محاصرين بسبب قناصة الحاجز الذي بحوزته دبابة وعربات نقل جنود وأسلحة مختلفة، فضلا من أن إنسحابهم يدخل في إطار بند سحب الآليات والمظاهر العسكرية من المدن. طبعا تسهيل سحب الحاجز كان مقابل الإفراج عن سيدتين تمّ إعتقالهما من قبل الأمن السياسي بتهم تتعلق بالأحداث الجارية في البلاد، وذلك بطلب من آهالي حيّ بابا عمرو الشهير شفقة على أولادهما الصغار وبينهم رضيع في الشهر الثامن من عمره.

أذكر في هذا السياق أنني سألت وزير الداخلية محمد الشعار عن العسكريين في المؤسسة الإستهلاكية: “كيف لم يتمّ سحبهم من قبل؟”، أجابني: “لا يمكن سحبهم فهم يحرسون مؤسسة ستتعرض للتخريب لو يتركوها”.

قلت له: “ولماذا تم سحبهم الآن ألا يهمكم أمر المؤسسة الغذائية؟”

أجاب: “نحن نلتزم بالبروتوكول ويجب سحب كل الآليات العسكرية، وبأنفسكم سترون كيف يخربون مؤسسات الدولة عندما يتركها الجيش”.

أما العماد آصف شوكت فعلق على ذلك بقوله: “سحبناهم حتى نثبت إلتزامنا كما أنهم هناك دائما يصورون عربات نقل الجنود ويبثونها عبر القنوات المغرضة على أساس أنها دبابات تريد مهاجمة المواطنين”.

فقلت له: “وجدنا دبابة معطلة يعني أنها كانت تقوم بعملها “.

فرد: “هذا صحيح ولكن لم تفعل ما يروجونه من كذب وإفتراءات وقد أمرنا بإخفائها تفاديا للصور التي تنقلها الفضائيات”.

ليضيف الوزير: “الدولة يجب أن تفرض على الجميع منطق القانون ويجب أن تحمي مؤسساتها”.

تأسفت لجثث عسكريين أعدموا في ظروف غامضة، والتي بدأت في التعفن وهي ملقاة في غرفة بالمؤسسة الغذائية وبظروف سيئة وغير لائقة، وأيضا يوجد جرحى بينهم من وضعهم في حاجة لعلاج سريع، وقد وقفنا على ذلك برفقة الجنرال الدابي اثناء زيارتنا الأولى لبابا عمرو في 27 ديسمبر/كانون الأول 2011. وقد حمدالله الوزير الشعار وأيضا العماد شوكت على ذلك وأرجعا الفضل للمراقبين ولما بذلوه من جهود.

أما عن عجزهم في سحب الحاجز برر ذلك العماد آصف شوكت بأن المشكلة ليست في سحبه الذي لا يكلفهم شيئا، وإنما في شيء آخر، حيث قال بالحرف الواحد: “نعرف أنه توجد جماعات مسلحة إرهابية يهرب لها السلاح من لبنان، تسيطر على بابا عمرو ونحن نحسب للمؤامرة التي تحاك ضد سورية، لدينا كل الإمكانيات للتدخل والقضاء على مسلحين يتحصنون بين السكان أو لسحب الحاجز أو تأمينه بالدعم اللوجستي، لكن نخاف من شيء خطير ومهم؟”، ليؤكد: “بإمكاننا نسف ومسح حي بابا عمرو في 15 دقيقة…”.

كنت أتوقع أن الشيء الذي يقصده يتعلق بالمدنيين، إلا أنه فاجأني بردّه: “أنتم رأيتم مسلحين كما يقومون بتصويركم، لديهم أجهزة متطورة تبث مباشرة مع قناتي الجزيرة والعربية، ولو يتدخل الجيش في إطار مهامه القانونية أو حتى لتأمين الأغذية للجيش الموجود هناك لبثت الصور مباشرة وقالوا أن الحكومة تبيد الشعب”.

فسألته متعجبا: “المدنيون من أطفال ونساء وشيوخ وعجزة لا يهم أمرهم”.

فقال بتعجرف لا نظير له: “هم رفضوا كل النداءات التي وجهت لهم بل يقومون بإيواء المسلحين والإرهابيين وحمايتهم”.

هكذا حمّلهم مسؤولية ما قد يتعرضون له من إبادة، وكنت سمعت من قبل أن النداءات التي يعنيها العماد آصف شوكت تتعلق بتسليم المسلحين والقبض عليهم أو مقاومتهم من قبل المواطنين، فقلت: “والله سيادة العماد لا يمكن أن نحمل مدنيا مسؤولية عسكري مسلح ولو يدخل معه للبيت”.

فقال: “ليست لديكم المعلومات الكافية فهم يحمونهم ويدافعون عنهم ويتظاهرون معهم وأشياء كثيرة لا يمكن التحدث عنها”.

كان كل مسؤول نتحدث معه في سورية يضربون الأمثلة بالبلد التي ينحدر منها المراقب الذي يكون أمامهم، وفي الحوارات التي جمعتني سواء مع وزير الداخلية أو العماد آصف شوكت أو محافظ حمص اللواء غسان عبدالعال، أو حتى ضباط المخابرات الذين كانوا يرافقوننا، دوما يحاولون تشبيه وضع سورية بما حدث في الجزائر خلال التسعينات.

ولهذا قال آصف شوكت معلقا على ما يجري حينها في بابا عمرو: “أنتم في الجزائر عشتم مثل هذه المرحلة وإضطر الجيش الجزائري إلى التدخل في حالات تشبه حيّ بابا عمرو وسقط ضحايا كثيرون في بن طلحة وأماكن أخرى”.

فقلت له: “أنا ضابط سابق وأعرف ما تحدثت عنه سيادة العماد، أما بالنسبة لحيّ بن طلحة فيختلف عن بابا عمرو، والجيش الجزائري أتهم بالتواطؤ لأنه لم يتدخل”.

فرد: “ليس كذلك هناك مناطق تدخل فيها الجيش وقتل المدنيين لأجل القبض على الجماعات الإرهابية، وبن طلحة مجرد مثال ولو كان صحيحا ما ترويه فأنا سمعت من مسؤولين أمنيين جزائريين يؤكدون لي أن الجيش تدخل في مناطق وقتل الكثيرين من المدنيين والإرهابيين”.

قلت: “أعطيني مثالا واحدا يشبه بابا عمرو في الجزائر”.

ردّ شوكت: “لا تحضرني الأسماء الآن لكن أؤكد أنني سمعت من مسؤولين كبار أمثلة تشبه كثيرا وضع بابا عمرو”.

وفي نهاية الحديث، قال: “… الجماعات الإرهابية واحدة وعقيدتها واحدة ومنهجها واحد، والدولة يجب أن تحافظ على هيبتها مهما كان الثمن”.

تجددت عدة لقاءات أخرى مع العماد آصف شوكت ودار الحديث بيننا في أمور كثيرة ومختلفة سوف أنشر تفاصيلها في كتابي “كنت مراقبا في سورية”، وقد طلبت منه ومن وزير الداخلية الإفراج عن المخرجة السينمائية ريم الغزي التي أعتقلت بسبب نشاطها على الفايس بوك ودعمها للثورة، بعدما إتصلت بي والدتها هاتفيا وطلبت المساعدة. غير أنه بعد يومين ردّ الجواب وأخبرني بأنها متهمة ومعتقلة في سجن النساء بدمشق وسوف تتم محاكمتها، ثم كتب لي ورقة بخطّ يده، فيها التهم التي تلاحق بها ريم، من بينها إنشاء جمعية بقصد تغيير كيان الدولة والنيل من هيبتها وإذاعة أنباء كاذبة والتحريض على التظاهر. وأن توقيفها تمّ بموجب مذكرة تحمل رقم 1752/2011.

الإجراءات الأمنية مشدّدة على الفندق، إلى جانب الحراسة الشخصية التي ترافق آصف شوكت كظله، أما الطعام فهو خاص جدا وتحت إشراف طبي، وقبل دخوله برفقة الشعار إلى المطعم تقوم أربع دوريات متتالية بالتفتيش وبأجهزة متطورة لكشف المتفجرات، وكل دورية تتكون على الأقل من أربعة ضباط مخابرات، ولهذا لا يمكن إختراق محيطه إلا بتجنيد على الأقل 16 ضابطا، وهذا من الصعب جدّا إن لم يكن من المستحيل.

 الطابق الخامس الذي يتواجد به الجناح الخاص لا يقيم فيه أحد سواه برفقة وزير الداخلية، والحراسة تتكون من أكثر من ثلاثين عنصرا يتمركزون في كل الطوابق، حتى خادمات الغرف يأتون بهن من دمشق مباشرة ويوميا.

آصف شوكت تغيرت ملامحه عن الصورة التي يتم تداولها في الأنترنيت، حيث غزاه الشيب ويبدو نحيفا بعض الشيء، ودوما تراه يلبس سروال “جينز” و”جاكيت” جلدية، ولا تراه بالبذلة وربطة العنق إلا نادرا، وقد أقام معنا بفندق السفير كل المدة التي قضيتها هناك من 29 ديسمبر/كانون الأول 2011 إلى أن غادرت حمص يوم الإثنين 09 يناير/كانون الثاني 2012.

يومية جريدتي 23/06/2012

روابط: 

– نسخة من الطبعة الورقية ليومية “جريدتي” PDF – الصفحة 1

– نسخة من الطبعة الورقية ليومية “جريدتي” PDF – الصفحة 2

Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom