الجزائريون بين توفيق مخلوفي وأنور مالك

2012/11/12

 الجزائريون بين توفيق مخلوفي وأنور مالك

بقلم: سلطان بركاني

عندما فاز العدّاء الجزائريّ “توفيق مخلوفي”، بالميدالية الذهبية في أولمبياد لندن الأخيرة، تحرّكت وسائل الإعلام –الخفيفة منها والثقيلة- للحديث عن الإنجاز التاريخيّ الذي حقّقه البطل الصّاعد، وهتفت له الحناجر من شرق الجزائر إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، وتهاطلت عليه التّهاني والتبريكات، وتوالت عليه التّكريمات، وحظي في كلّ المحطّات التي حلّ بها باستقبال يليق بالهدية التي قدّمها لشعب أثقلت كاهله الهزائم والنّكسات.


يستحقّ البطل مخلوفي ما حظي به وأكثر، ولكنّ الذي يدعو إلى الحيرة والتّساؤل: لماذا تفيض وطنيتنا نحن الجزائريين كلّما تعلّق الأمر بالإنجازات الرياضية، وتتبلّد أحاسيسنا -في المقابل- عن الاهتمام بالإنجازات العلميّة والثقافية والحضارية والإنسانيّة.
لقد قدّم مخلوفي للجزائر في المجال الرياضيّ ما عجزت عنه فرق وأندية بأكملها، وحُقّ لكلّ جزائريّ أن يشكره، ولكنّ هذا الإنجاز في موازين المبادئ والمواقف التي يدوّنها التاريخ وتقرؤها الأجيال لا يقارَن بالموقف الإنسانيّ النّبيل الذي أبداه الصحفيّ الشّهم والمراقب الجزائريّ البطل “أنور مالك” خلال مهّمته التي قادته إلى سورية ضمن بعثة المراقبين الدّوليين.
لقد وقف أنور مالك موقفا عجزت عنه منظّمات وهيئات ودول بأكملها، ورفض أن يكون شاهد زور في قضية إنسانيّة لا تحتمل المواقف الرّمادية. لم يتحمّل ما رآه من جرائم مروّعة يتفتّت لها الحجر، ولم تطاوعه نفسه أن يلزم الصّمت حتى يخرج من سورية ويأمن على حياته، وخشي ألا يمهله الأجل ليقول كلمة حقّ في مواجهة ركام الباطل والكذب، فصدع بكلمته وهو في مرمى نيران الشبّيحة الذين يقتلون القتيل ويمشون في جنازته؛ كلمة زلزلت العالم، وأفقدت إعلام التشبيح توازنه، وأحرجت كثيرا من المراقبين الذين رضخوا للاستفزازات، وقبلوا الرشاوى والإغراءات، واختاروا أن يكونوا شهود زور، يوقّعون على تقارير معدّة سلفا، ويؤدّون دورا محددا يعطي الجلاد مزيدا من الوقت لنحر وسلخ ذبيحته وإخفاء معالم جريمته.
سمع أنور مالك صرخات الثكالى، ورأى دموع الأرامل واليتامى، وعاين أشلاء القتلى، وسمع شهادات ذوي الضّحايا وهم يتحدّثون عن المجرم وعن جرائمه، فقرّر أن يشهد بما رأته عيناه وأن يضرب بعرض الحائط تلك الشّهادات التي أعدّت في المكاتب المكيّفة، تحت ضغط الاستفزازات والمساومات.
شهد أنور مالك شهادة حقّ في أصعب المواقف. وصبر على ما لحقه من سيل الاتّهامات والسّفاسف، وأبى إلا أن يسدل السّتار على مسرحية أريد له أن يكون أحد ممثّليها.
تقدّم حين تأخّر مرافقوه، وتكلّم حين صمتوا، وتجرّأ حين جبنوا. رفض الإغراءات، واستعصى على المساومات، وتعالى على الاستفزازات، وتحدّى التّهديدات، وفضح تجّار الصّفقات ومزوّري الشّهادات.
لقد رفع أنور مالك رؤوسنا عاليا، وكان حقا علينا أن نشكره، فإذا كان توفيق مخلوفي قد رفع علم الجزائر في سماء لندن، فإنّ البطل أنور مالك قد نقش اسم الجزائر في قلوب أحرار العالم الذين هتفوا للمراقب الجزائريّ الشّهم، وفي قلوب آلاف المكلومات من الأمّهات السّوريات اللاتي رفعن أكفّ الضّراعة بالدّعاء لهذا البطل ولبلده الجزائر؛ دعوات اختلطت بالدّمعات، وارتفعت من حمص ودرعا ودير الزّور وحلب وحماة، إلى ربّ الأرض والسّماوات، ترجوه أن يرضى عن رجل مرّ بتلك الأماكن، وشهد شهادة حقّ هزّت العالم.
تكفي أنور مالك شهادة التاريخ، وهتافات الأحرار، وتغنيه دعوات المظلومين، عن كلّ تكريم يزول وينسى بتوالي السّنين. ولكنّ الذي يحزّ في النّفس أنّ التاريخ سيسجّل علينا نحن الجزائريين أنّنا تخلّينا عن جزائريّ شهم رفع رؤوسنا عاليا، وتركناه يواجه سيل الافتراءات والإساءات والتّهديدات بمفرده، بل وسكتنا عن الاعتداء الجسديّ الذي تعرّض له في فرنسا على يد رجل مغرّر به، تمّ استئجاره لإخماد صوته.
بعيدا عن الاتّهامات المتبادلة بين القنوات الفضائية، وبعيدا عمّا تنقله المحطّات الموالية لأنظمة بلدانها، فإنّ الذي شهد به أنور مالك هو عين ما شهد به كلّ الصّحفيين الأحرار الذين دخلوا سورية، ونقلوا للعالم صورا حية عن المجازر المروّعة التي اقترفها النّظام الطّائفيّ في حقّ الشّعب السّوريّ الأعزل.
لو كان أنور مالك قد أخطأ في حقّ وطنه لما ساغ لنا أن نتخلّى عنه في مواقف كهذه، فكيف وهو رجل وطنيّ ألّف عدّة كتب، وكتب العديد من المقالات يدافع فيها عن وطنه وشعبه؟.
فعذرا أنور مالك.

 

المصدر

دنيا الرأي 10/10/2012

Be Sociable, Share!

????????? 3 تعليقات

تعليقات 3 على “الجزائريون بين توفيق مخلوفي وأنور مالك”

  1. سعودي on 12 نوفمبر, 2012 9:15 م

    انور مالك ليس فخرا للجزائريين فقط بل للعرب والمسلمين
    ولكل من في قلبه انسانية
    هذا الرجل تفوق على منظمات حقوق الانسان الكاذبة التي تدعي الانسانية
    تحية له وتحية لكاتب المقال
    فهد العنزي

  2. عمر on 16 نوفمبر, 2012 7:03 م

    مش حنا اللي نجازي انور مالك بصح الله سبحانه و تعالى هو اللي يجازيه و الله يكثر من امثاله و ان شاء الله النصر قريب و لعنة الله على بشار و شيعته

  3. الباب العالي on 24 نوفمبر, 2012 7:19 م

    السلام عليكم

    يكفينا فخرا ان انور مالك جزائري

    رجل هزم دولة وهزم منظمات وكشف الذي لم يستطع كشفه المنافقون بكل صراحة وتحدي

    بارك الله في انور مالك

    هؤلاء رجال الخفاء

    وانا سألقب انور مالك

    راجل لبلاد


Bottom