شمعة ودمعة : الجزائر في غرفة الإنعاش !

2013/02/18

شمعة ودمعة : الجزائر في غرفة الإنعاش !

بقلم: أنور مالك

ليس عيبا أن يمرض الإنسان أو يهرم ويعجز في القيام بأعمال معيّنة أو تتوقف بعض وظائفه الجسدية، وهذا أمر طبيعي وسنّة الله في خلقه. ولا يخجل من مرضه أو شيخوخته إلا من فقد الإيمان بالله أو أنه لا يملك ما يجعله راضيا بما آل إليه حاله ككل المخلوقات على الأرض.

لكن الشنار أن يتحوّل هذا المرض إن كان يتعلّق برئيس دولة إلى سرّ من أسرارها التي لا يجب أن تكشف للشعب الذي يحكمه، ويزداد الأمر سوءا لما ينقل سرّ الدولة إلى جهة أجنبية لتتابعه وتشرف عليه وتتحكم في مصيره. أما قمّة الأسف أن هذه الجهة هي استعمار الأمس الذي يُتغنّى بالانتصار عليه ويتبجّح كثيرون بشعارات الاعتذار والتعويض.
المافيا فقط هي التي لا تكشف عن مرض زعيمها أو مكان وجوده حرصا على أمنه وسلامته، بل يعملون دوما على أن يظل في نظر الآخرين قويا ولو كان يحتضر في فراشه. لكن دولة المؤسسات التي يحكمها دستور وتسيرها قوانين لا يجب أن تتصرف بهذه الطريقة. فما الذي يمنع الدولة الجزائرية من كشف كل تطورات صحة الرئيس إلى الرأي العام إن كان بالفعل يهمّها أمره كما نسمعهم في خرجاتهم الرسمية؟ هل يعقل أن الشعب الجزائري الذي حكمه بوتفليقة 14 عاما صار يفتّش هنا وهناك علّه يجد جوابا شافيا عن مصير رئيسه الذي خرج ولم يعد؟ هل يعقل أن الاستخفاف بالشعب الذي هو مصدر السلطات قد وصل إلى هذه الدرجة؟ !
للأسف الكبير والمبكي أن الرئيس بوتفليقة الذي يتغنّى شيعته بإنجازاته الكبيرة في الدولة الجزائرية لم يجد مشفى واحدا يعالجه واضطر أن يسلّم نفسه إلى مشفى عسكري فرنسي ظل يتردد عليه منذ سنوات، وفي الوقت الذي ذهب فيه أيضا أمين عام المركزية النقابية للعلاج في سويسرا والوزير المنتدب عبدالقادر مساهل إلى ألمانيا، في حين يوجد من المواطنين من يتمنّون حقنة تخفّف عليهم آلام أيامهم الأخيرة. بل أكثر من ذلك ما حدث جاء في مرحلة تعاني فيها المستشفيات وقطاع الصحة من مظاهرات واحتجاجات على الوضع المزري، ووجد المواطنون أنفسهم أما مآس جديدة تضاف للأخرى التي ظلّت في تفاقم مستمر.
للأسف أن الجزائر التي تحيط بها الأزمات الأمنية المعقدة من كل حدودها وتتخبّط في وضع اجتماعي يلتهب في زمن ثورات “الربيع العربي”، نرى حكامها يتعاملون بـ “عقلية مافياوية” وهم يعيشون العدّ التنازلي على الانتخابات الرئاسية التي في كل مرّة توصف على أنها موعد لدخول الجزائريين إلى الجنة وبها ستتحول البلاد بمعجزة إلى مصاف الكبار وهو ما لم ولن يحدث إن بقي الحال على هذا الحال.
الآن الجزائر مريضة ورئيسها مريض والجزائريون أتعبتهم السياسات الفاشلة وفقأت مراراتهم إشاعات تهدّد حتى أمن بلادهم. ولا أحد فهم الأسباب التي منعت المسؤولين من الشفافية مع الشعب إلا إذا كانوا يخشون فضح أمر ما. الرئيس ليس بإنسان عادي بل رجل يحكم بلد بوزن الجزائر، فإن تعافى فهو في منصبه وإن أصيب بالمانع الصحّي فلن تتوقف الحياة معه كما أن الجزائر أكبر من أن ترهن تحت أقدام فلان أو علان مهما كانت خدماتهم وتاريخهم.
إذا كان الرئيس تعافى ما المانع الذي يجعلهم يخافون من ظهوره ولو صوتيا أو الحديث عن مكان تواجده إن غادر فعلا مشفاه. وإن كان مريضا في وضع حرج لا يسمح بإظهاره ففي هذه الحالة أن مصالح الرئاسة والحكومة يمارسون الكذب الموثٌّق على الشعب أو الاحتيال فقط من أجل ترتيب وحبك خيوط “لعبة” تتعلق بمرحلة ما بعد بوتفليقة.
أعتقد أن وعكة الرئيس بوتفليقة فضحت ما تعانيه الدولة من وعكات خطيرة ومزمنة ومعدية، وإذا لم تتم مراجعتها وفق منطق تقديم مصلحة الوطن ووضعها فوق كل الاعتبارات فإن الجزائر بالفعل قد آثر حكامها مع سبق الإصرار والترصّد أن يحكموا عليها بالمؤبد في غرفة الإنعاش بمصطفى باشا وليس فال دوغراس.
يومية “جريدتي” 16/05/2013
المصدر
Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom