شمعة ودمعة: بكائيات على سمعة الجزائر !

2013/08/23

شمعة ودمعة: بكائيات على سمعة الجزائر !

بقلم: أنور مالك

كانت سمعة الجزائر أكبر من الذهب يهتزّ لها العالم خصوصا في فترة الثورة وما بعد الاستقلال، فكل من يتحدث عنها لا يمكن أن يبقى جالسا لأنها تستحق الوقوف على الأقل احتراما وتوقيرا وتبجيلا لثورة المليون ونصف المليون شهيد. كانت الجزائر قبلة الأحرار والمضطهدين والمظلومين من مختلف الشعوب والديانات ومواقفها تزعزع أركان الدول، ولا أحد يستطيع أن يتجاوز موقفها والجميع يحسبون لها ألف حساب سواء في افريقيا أو في القارات الخمس. كل من استعمر يرى قدوته والهامه في التحرر يأتي من الجزائر. كل من اضطهد من قبل أنظمة مستبدّة يؤمم وجهه شطرها. كل من يريد الحق في قضايا الأمة العربية والإسلامية يسارع نحو الجزائر. كل من تنتابه لحظات ضعف من هوان ويأس يقرأ قصص أبطالها. كل من يشعر أن الأوطان العربية برمّتها ستكون محتلّة ومستعمرة وخيراتها ستنهب لكنه لما يتذكر أن من بينها دولة اسمها الجزائر يطمئن ويثق كل الثقة أن مصير من سيتحرش بأوطاننا مثلما كان عليه شأن الحلف الأطلسي.

هذه هي الجزائر التي تستشار وتأمر ويذعن لصوتها ولا يتجرأ أي كان مهما كبرت سطوته وقوته أن يتجاوزها ولو في جلسات مغلقة. فالجزائريون لا يزالون يذكرون لحظات دخول الرئيس هواري بومدين على الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث وقف الجميع تصفيقا واحتراما لدولة فرضت هيبتها بدماء الشهداء وليس بلعاب الفاسدين. الجزائريون لا يمكن أن ينسوا ابدا أنهم لما كانوا يسافرون من مطار إلى آخر يلقون كل التقدير لا لشيء إلا لأنهم يحملون الجواز الأخضر. الجزائريون يذكرون جيدا أنهم كانوا يسافرون لفرنسا من غير تأشيرة ولا تجدهم في طوابير على السفارات والمطارات كي يغادرون بلدهم التي يشمّون فيها عبق العزّة ورائحة دماء الشهداء. لقد فكّرت فرنسا في غزو السينغال ولما استشارت الرئيس بومدين أوقفها عند حدّها لأن الجزائر لا تسمح أن تمسّ أي دولة افريقية مهما كان الأمر. لو عدنا نحصي تلك المفاخر الكثيرة عن جزائر التاريخ والحضارة ودماء الشهداء ما كفتنا المجلدات.

الآن الجزائر لا تهزّ رأسها ولا تنش الذباب عن وجهها، يزورها الرئيس الفرنسي كأنها مقاطعة من بلاده، ويغزو دول الجوار مثل ليبيا ومالي ليخلط أمنها القومي ولا يسمع لها أدنى همس. الجزائر الآن رمز الفساد فكل من يتحدث عنها يضرب بها المثل بعدما تحول اللصوص إلى أمناء على مالها ومستقبلها. شبابها يتسكع على أبواب السفارات ومن لم يفلح في تأشيرة يغامر بحياته في قوارب الموت للهروب من جحيم الحياة في بلد غنيّ بالثروة والثورة. مع اندلاع الأزمات والثورات في العالم العربي وبدل أن هذه الشعوب الثائرة ضد الاستبداد والفساد والديكتاتورية تستلهم قيم الحرية والإباء والثورة من الجزائر صار يضرب بها المثل في التواطؤ والتآمر على حريات الشعوب. بل تتهم في كل مرة وتحرق رايتها التي مات لأجلها الشهداء وسالت الدماء كي ترفرف في ربوع البلاد والعالم برمته، فقد كان هذا العلم يتواجد في بيوت كل الأحرار من البشر بمختلف الديانات والألوان يعتزون به ويفتخرون بألوانه البهية وتاريخه الناصع.

مع الأزمة المصرية في كل مداخلة أو حديث اعلامي نجدهم يضربون المثل السيء بالجزائر وما عاشته في سنوات الدم بسبب ضباط الجيش الفرنسي وعلى رأسهم الجنرال خالد نزار الذي بدل أن يحاكم ليغدو عبرة لكل من يسيء للجزائر، تدافع عن جرائمه السلطة في القضاء الدولي. هكذا أساء العملاء إلى بلادنا وحولوها إلى مثل سيء لا تتمنى الشعوب تجربتها، رغم أن ثورة 5 أكتوبر 1988 كانت بحق ثورة شعبية ضد الظلم والفساد والاستبداد، غير أن التسيير المتواطئ والمؤامرات مع جهات أخرى حولها من ثورة شعبية كادت أن تكون بدورها مثالا تاريخيا للشعوب الحرة، إلى مجرد إرهاب يعافه ويتفادى سرطانه الكل.

البكائية طويلة والقلب يحترق كمدا على بلد قزّمه حكامه إلى أن صار لا يُرى حتى بعيون أبنائه فضلا عن أبناء الآخرين، ولم يقتصر الأمر على إختفاء الجزائر من المشهد بل صار يتطاول عليها الصغار ممن كانوا يتنافسون على رضاها حتى يكبر شأنهم لأن الذين تحترمهم وتستقبلهم بالسجاد الأحمر ينالون أوسمة المجد والفخر. انقلبت الآية وصارت الجزائر قبلة الطغاة والغزاة والبغاة وبفولهم وفلولهم على حساب قيم تاريخية وانسانية لا مثيل لها.. للأسف الشديد سمعة الجزائر كانت مثالا يحتذى به وتحوّلت إلى آخر يُنفر منه.

يومية جريدتي 22/08/2013

322232333

Be Sociable, Share!

????????? (1)

تعليق واحد على “شمعة ودمعة: بكائيات على سمعة الجزائر !”

  1. عبده on 23 أغسطس, 2013 7:53 م

    صدقت يا أستاذ. فهذا عصر البكاء والنحيب


Bottom