الجزائر من العلبة السوداء إلى الدفتر العائلي!

2013/09/18

الجزائر من العلبة السوداء إلى الدفتر العائلي!

بقلم: أنور مالك – 

حكمت الجزائر لعدة سنوات سلطة خفية وموازية عرفت بالعلبة السوداء، التي أوصلت البلاد إلى حرب أهلية سقط فيها عدد كبير من الضحايا. هذه العلبة تتكون من مجموعة من الجنرالات الفارين من الجيش الفرنسي في الفترة الأخيرة من عمر الثورة الجزائرية وقبل وقت قصير من استقلال الجزائر. من بين هؤلاء الجنرالات النافذين نجد خالد نزار ومحمد التواتي ومحمد العماري والعربي بلخير وفضيل الشريف ابراهيم والسعيد باي وآيت عبدالسلام..

المهام القذرة للعلبة السوداء 
بدأت العلبة السوداء تتواجد في عهد بومدين لكنها خفية لا تستطيع الظهور، نظرا لما كان يتمتع به الرئيس حينها من كاريزما قوية. وإن كان ضباط الجيش الفرنسي قد بدأوا يرتقون في المناصب العسكرية لكنهم لم يحقّقوا المخطط الذين يرغبون في الوصول إليه. غير أنها بدأت تطفو على السطح مع بداية الصراع على السلطة وما رافقها عشية رحيل الرئيس هواري بومدين.
مع بداية حكم الرئيس الشاذلي بن جديد بدأت العلبة السوداء تتحكم في دواليب الدولة، وقد تغوّلت في عهده وصارت صاحبة السلطة والقرار مع الضعف الذي شاب مؤسسة الرئاسة وباقي مؤسسات الدولة حتى الجيش الوطني الشعبي بدوره صار في قبضة جنرالات هذه العلبة. ومع انتشار الفساد والضعف والهوان في هياكل الدولة خلال الفترة الشاذلية تشكّلت قوة السلطة الموازية التي صار محرّما تجاوز قراراتها. وكان الجنرال خالد نزار يتمتع بنفوذ كبير أوصله إلى أعلى هرم الجيش، حيث صار وزيرا للدفاع. وهو الذي كان مجرد ضابط لدى الاستعمار ووالده من الحركى الذين عملوا لدى الجيش الفرنسي كما أقرّ بنفسه في مذكراته. أما العربي بلخير فتحوّل إلى صانع الرؤساء بامتياز وصار محمد تواتي “مخّ” المؤسسة العسكرية وهكذا مع بقية الجنرالات.
من بين أخطر قرارات العلبة السوداء هو توقيف المسار الانتخابي عام 1992 الذي أدخل الجزائر في دوامة من العنف الدموي. ثم راحت تخيط السلطة على مقاسها، حيث جاءت بعضو 22 المفجرين للثورة محمد بوضياف من المغرب ليصير رئيسا للمجلس الأعلى للدولة الذي تم تشكيله بعد “استقالة” الشاذلي التي تقف خلفها هذه العلبة السوداء. وبعد اغتياله الغامض أوصلت علي كافي لرئاسة هذا المجلس. ثم بعدها جاءت بالجنرال المتقاعد اليمين زروال ليقود وزارة الدفاع وبعدها جرى تعيينه كرئيس للدولة ثم رئيسا للجمهورية في نوفمبر 1995. غير أن استقالة اليمين زروال وإعلانه عن انتخابات رئاسية مسبقة كادت أن تخلط أوراق العلبة السوداء إلا أنه حال دون ذلك نفوذها القوي الذي بلغ ذروته مع تلك الفترة الدموية والحرب مع الجماعات المسلحة وغياب كلي لمؤسسات الدولة. بعدها قرّرت أن تأتي بوزير خارجية بومدين ليكون خليفة اليمين زروال، ونجحت في ذلك بعدما أخفقت معه عام 1994 وطبعا بشروط متبادلة بين الطرفين. عبدالعزيز بوتفليقة الذي عاش لسنوات في دهاليز السلطة البومدينية وتدرّب على الكثير من المناورات، وصل للحكم عام 1999 ونجح تدريجيا في تحييد العلبة السوداء ثم وصل لاحقا إلى تفكيكها والقضاء عليها نهائيا.
علبة آل بوتفليقة تستولي على الدولة
في حكم بوتفليقة تفكّكت العلبة السوداء وانتهت مع وفاة العربي بلخير ومحمد العماري وفضيل الشريف ابراهيم واحتواء محمد تواتي والسعيد باي في مناصب رسمية وإبعاد خالد نزار وبقية الجنرالات. غير أنه ظهرت علبة أخرى جديدة يقودها شقيقه السعيد بوتفليقة الذي لا يملك أي منصب معلن سوى أنه مستشار رئيس الجمهورية وبمرسوم لم يصدر في الجريدة الرسمية وفقا للقوانين المعمول بها. نجح شقيق الرئيس بتكوين علبة فيها رجال أعمال ووزراء وسياسيين وعسكريين وجنرالات فاسدين. وقد أعطاه الرئيس الصلاحيات المطلقة فصار يبعد من يريد ويعين في المناصب الحساسة من يشاء ويحطم أي طرف تلاحقه مجرد شبهة التفكير في الخروج عن بيت الطاعة العائلية. فلم يقتصر الأمر على الشخصيات بل وصل للأحزاب، حيث نجح في مؤامرات إسقاط وتفكيك بعض التشكيلات السياسية مثل ما حدث مع بن فليس الذي كان مدير الحملة الانتخابية الأولى لبوتفليقة ثم مدير ديوانه ثم رئيسا لحكومته وأمينا عاما للأفلان. وأيضا ما حدث مع حركة الإصلاح ورئيسها عبدالله جاب الله وغيرهما من الأحزاب التي بينها من لعبت أدورا قذرة لصالح آل بوتفليقة كحركة “حمس”.
السعيد بوتفليقة الذي ولد عام 1957 وعمل كأستاذ ولم يسبق له أن تولى منصبا إداريا، صار الحاكم الفعلي في الظل على خطى العلبة السوداء، حيث يتحكم في كل دواليب الدولة وهو من يوقع المراسيم بدل شقيقه المريض منذ عمليته الجراحية في فال دوغراس صيف 2005. وقويت شوكته في العهدة الثالثة حيث صار الرئيس عاجزا في أداء مهمته وبقي مجرد رئيس شكلي دستوريا يهتم بوضعه الصحي فقط.
شقيق الرئيس صار يملك ثروة طائلة قدّرتها بعض المصادر بأنها تجاوزت 10 مليارات دولار ويوجد من يراها أكثر من ذلك وتتوزّع عبر بنوك منتشرة في العالم. وقد شكّل علبته من دفتره العائلي كشقيق للرئيس الذي نال من خلاله كل الامتيازات في الرئاسة. اعتمد على مجموعة من رجال الأعمال المشبوهين وبينهم من صنعهم بنفسه وصاروا أصحاب ثروات طائلة بعدما كانوا لا يملكون شيئا. كما أصبح يُعين في المناصب السامية اللاهثين عن الريع ممن لا يملكون أدنى شخصية لمواجهته أو التمرد عليه. ونجح في إفراغ السلطة من الرجال الأقوياء الذين قد يتصدون له. ورد اسم السعيد بوتفليقة كرأس حربة في قضايا فساد كبيرة مثل قضية شكيب خليل التي تشير بعض المصادر إلى أنه نهب أكثر من 60 مليار دولار. وأيضا في قضية الطريق السيار التي تورّط فيها الوزير عمار غول ولا يزال في منصبه يمارس مهامه وتمكّن حتى من تشكيل حزب سياسي رغم أن القضية مفتوحة لدى القضاء الذي بدوره دجّنه شقيق الرئيس وجعله يتحرك وفق أوامر هاتفية عليا. وطبعا توجد فضائح فساد كثيرة ترتبط بشقيق الرئيس مثل شركة سونلغاز وألستوم وقضية البارون زنجبيل وحتى الخليفة وغيرهما.
الجيش تحت نيران السعيد بوتفليقة
كما فعلت من قبل العلبة السوداء التي عبثت بالمؤسسة العسكرية بعدما استولت عليها، فعلبة الدفتر العائلي بدورها وعلى مقربة من الانتخابات الرئاسية في 2013 بدأت تتحرك تجاهها من جديد كي تتمكن من تدجينها. حيث أن السعيد بوتفليقة الذي رفض من قبل أداء الخدمة الوطنية شرع في تنفيذ مخططه باستهداف الجيش وضرب استقراره الذي هو من استقرار البلاد. حتى يحافظ على نفسه ويحمي علبته العائلية مستقبلا خاصة مع نهاية شقيقه معاقا على كرسي متحرك. وكانت البداية بجهاز المخابرات الذي هو روح الدولة وجيشها ولعب أدورا أساسية في مكافحة الإرهاب والآن الفساد. فقد قرّر السعيد بوتفليقة تحويل مصلحة الشرطة القضائية التابعة لجهاز الأمن والاستعلامات، إلى مصلحة تابعة للقضاء العسكري. والمعلوم أن هذه المصلحة تحقق في قضايا فساد كبرى وتحت رعاية الجنرال توفيق المعروف بمناهضته للفساد وحزب فرنسا رغم انتقادنا له في أشياء أخرى متعددة.
كما يجري الحديث عن تحويل كل من مصلحة الإعلام ومصلحة أمن الجيش إلى قيادة أركان الجيش الوطني الشعبي. وبذلك يكون السعيد بوتفليقة قد شرع في استهداف جهاز المخابرات لأجل إفراغه من مصالح ذات أهمية بالغة ودورها مفصلي في مصير آل بوتفليقة. فالشرطة القضائية تحقق في فضائح الفساد الذي يلاحق السعيد بوتفليقة ومصلحة الإعلام لها دورها في ظهور فضائح مسؤولين ينتمون إلى علبة الدفتر العائلي وأيضا ما حدث في فترة مرض الرئيس المزمنة. أما أمن الجيش فهو بدوره الركيزة الأساسية لاستقراره وحمايته من أي توجهات خارج الإطار الدستوري للعسكر. وبذلك يكون السعيد بوتفليقة قد شرع في فصل خطير حيث وضع نصب عينيه كل من لا يرغب الدخول في بيت طاعة آل بوتفليقة. والأكثر أنه طال الجنرال توفيق الذي لم يحدث معه وجهازه مثلما يجري له الآن بيد أحد أباطرة الفساد النافذين في الجزائر بلا أدنى منصب رسمي. ويبقى السؤال معلقا والأيام القادمة كفيلة بالجواب: ترى هل سيبقى الجيش صامتا أمام ما يفعله السعيد بوتفليقة من تجاوزات خطيرة في حق الدولة ومؤسساتها؟ !
جريدتي 12/09/2013
المصدر
Capture
Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom