جريدة الوطن الكويتية: أنور مالك المراقب المنشق عن بعثة الجامعة العربية لسورية يكشف أسرارها

2014/05/28

جريدة الوطن الكويتية: أنور مالك المراقب المنشق عن بعثة الجامعة العربية لسورية يكشف أسرارها

في كتابه «ثورة أمة»: انسحبت حتى لا أكون «شبّيحاً» لذبح السوريين

كتب محمد دركوشي:

«انسحبت حتى لا أكون «شبيحاً جزائرياً» لذبح السوريين». بهذه الكلمات المؤثرة أعلن المراقب العربي أنور مالك صباح يوم الجمعة 2012/1/6 من فندق السفير بحمص استقالته من بعثة المراقبين العرب التي أرسلتها الجامعة العربية لتقصي الحقائق بعد توقيع بروتوكول بين الجامعة العربية والحكومة السورية، تعرّض على إثرها لتهديدات بالذبح، ومحاولة اغتيال فاشلة وحملات تشويه ممنهجة ونجح بعدها بمغادرة دمشق الى الدوحة وقدم شهادة تابعها العالم بأكمله. 


الكثير من الناشطين الفاعلين على الأرض شهدوا لأنور مالك بالصدق ومحاولته الحثيثة لتوخي الموضوعية واكتشاف الحقيقة من مصادرها من غير تحيّز لغير الإنسان وقضيته العادلة، لم تسقط مبادئه عند لمعان درهم أو رنة فلس، كان انشقاق أنور مالك عن البعثة زلزالاً اهتز له نظام دمشق وكان الخطوة الملموسة الوحيدة التي خدمت الشعب السوري وصبت في مصلحته في تلك الحقبة.

أسرار

بعد سنة ونصف السنة تقريباً، قرر أنور مالك الإفراج عن أسرار مهمته وخفايا بعثته في كتاب أسماه «ثورة أمة» صدر أخيراً عن «دار العبيكان» في السعودية، عندما تمسك كتاباً يقع في 600 صفحة من الحجم الكبير في عصر السرعة والانشغال لابد أنك ستشعر بالتوجس من قراءته، وتخشى أن ينتابك الملل سريعاً، ولكن الأمر يختلف مع كتاب «ثورة أمة» للمؤلف أنور مالك، فما إن تلج مقدمته وتطأ عيناك أولى فصوله حتى يتبدد احساسك بالتوجس وتشعر بالرغبة العارمة باقتحام عوالم الكتاب والاستمرار في قراءته حتى النهاية.
قد تظن أن الكتاب توثيق تاريخي سياسي لأحداث بعينها غصت بها وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمقروء ومواقع التواصل الاجتماعي، فتأنف منه وربما تعاف قراءته لتصور منك مسبق أن التقارير السياسية غالباً ما تكون مملة ذات لغة جافة تخلو من العبارة الرقيقة والتصوير الطريف، ولكنك ستفاجأ من السطور الأولى أنك أمام نفحات إنسانية صاغها المؤلف بتراكيب نابضة بالحياة، وعبارات تشي بإحساس كاتبها، وأخيلة توحي بآلام المعذبين، حتى ليخيل اليك أنّك تسمع أنات الثكالى وآهات اليتامى في مخارج الحروف وفواصل الجمل، صحيح ان غاية المؤلف كانت توثيق مشاهداته كمراقب للجامعة العربية في سورية، ينقل الأحداث ويصف الوقائع بموضوعية، إلا أنك تقع على مشاهد إنسانية غاية في الألم، حتى ان دموعك تنهمر من فظاعة المشهد وقسوته آمنت بالله أم آمنت بالحجر، فما يخيل اليك ان الإنسان يمكن ان يفعل هذا بأخيه الانسان، لم تمنع الموضوعية الكاتب من ان يكون إنساناً، فالموضوعية لا تعني مطلقاً ان تكون خارج الحدث انسانياً، فالجميل أن يكون الكاتب على الحياد في نقل الخبر وتحليله، والقبيح أن يقف على مسافة واحدة من القاتل والمقتول، والخير والشر، والطهارة والدعارة، والأجمل أن تسمّي الأشياء بمسمياتها والأقبح ان تلبس المجرم ثياب الضحيّة والداعر لبوس التقوى، والجمال ان تضع إصبعكَ في عين المخطئ والمسيء، والقبح أن تفقأ عين المحسن والمؤمن بحجة الموضوعية.

مخلوقات حضارية

ستكتشف بعد قراءتك للكتاب أن نظام الرئيس السوري بشار الأسد قد استطاع أن يصنع لمواليه كياناً قوياً لكنه لم يستطع أن يجعل منهم مخلوقات حضارية، واستطاع انتاج هياكل بشرية مفرغة من أي محتوى أخلاقي أو ديني ومترعة بالامتيازات الخاصة وهي أداته الحادة في قمع الثورة الشعبية وإجهاضها.
يحار القارئ للكتاب هل هو أمام توثيق تاريخي وسرد تفصيلي لأحداث؟ أهم ثورة شعبية في التاريخ المعاصر؟ أم أمام سيرة ذاتية برع الكاتب في تقديم تفاصيلها؟، أم أمام رواية انسانية نبيلة تجعلك تبكي حتى الألم، وتضحك حتى الفرح؟
كل ذلك قدمه بلغة أنيقة بسيطة قريبة من فهم العامة مشفوعة بالصور الحيّة من مواقع الأحداث، ستشعر أنك في رحلة انسانية دبلوماسية تعيش معاناتها ومآسيها لحظة في لحظة.
يقف بك المؤلف عند مشاهد انسانية مؤلمة حتى البكاء كمشهد الطفل اليتيم الذي أبكاه بمرارة: «لقد اندفع نحوي لعله يجد في يدي ما يسد رمقه، إلا أنني خيبت رغبته فقد فتّش كفي بيده الصغيرة والنحيلة المرتعشة ثم سحبها لفمه، وعندما لم يجد شيئاً بكى بصوت عال».
ومشهد الطفل محمد أحمد الراعي الذي تم قنصه بكل وقاحة أمام أعين المراقبين يقول: «دققت النظر في المكان الذي وقع فيه الرصاص فإذا بي أرى فتى يتخبط كالديك المذبوح يبدو أن الرصاصات التي أطلقها القناص قد طالته».

وصمة عار

وما مشهد تلك الأم العمياء التي تتفحص جثة ابنها المعذب بطريقة وحشية إلا وصمة عار في جبين الانسانية يقول: «بمجرد أن اقتربت من المكان الذي فيه الجثة، اندفعت نحوها وهي تبكي وتصرخ وتوَلوِل بصوت يهز الجبال، راحت تقبله وتحتضن رأسه اليابس لصدرها وتتحسس أنفه ورقبته بيديها لأنها ضريرة لا ترى شيئاً، وكنت على يقين في تلك اللحظات الصعبة والحزينة لو أن هذه الثكلى شاهدت ببصرها حال جثة ابنها لتوقف قلبها عن النبض فوراً».
ثم ينقل كل بعض المواقف غير الأخلاقية التي تدلل على انحطاط بعض المراقبين وانحرافهم عن مهمتهم الأساسية، يقول: «لفت انتباهي المراقب العراقي الموسوي وهو يقبل احدى الفتيات من فريق ما يسمى (المرصد السوري لضحايا العنف والإرهاب) أمام باب غرفتها وعندما سأله قال: تزوجتها متعة»، ثم يحدثك عن تحرش نسوي وفياغرا في طعام المراقبين، وفتح الفندق لبغايا يتحرشن علناً بالمراقبين عن لباسهن الفاضح والزينة التي يتحلين بها، أرسلن خصيصاً لتوريط البعثة في أمور غير أخلاقية ستستغل لاحقاً ضدهم، ويتحدث بعد ذلك عن مواقف مخزية مع وزير الداخلية محمد الشعار والعماد آصف شوكت واللواء هشام بختيار، واجتماعه مع محافظ حمص ومحاولات تضليل البعثة، وفضيحة اغتيال طال الطائفة المسيحية وثم التقرير المفبرك الذي قدمه الفريق الدابي للجامعة العربية.

تصنيف المراقبين

تستطيع من خلال قراءة الكتاب ان تصنف المراقبين الى فئات أربع:
– منهم مَن التزم الصمت الرهيب لأن غالبيتهم من الموظفين في الأجهزة الاستخباراتية والدبلوماسية العربية، جاؤوا للمهمة بأمر حكومي.
– منهم من استجاب للإغراءات التي قدمتها لهم حكومة دمشق من نساء وأموال -منهم من انتصر لطائفته كالمراقب العراقي الموسوي-، ومنهم من استجاب لاستغلال الصور الفاضحة التي التقطت في الفندق وغرف النوم والحانات وتلقي رشى.
عندما تغلق دفتي الكتاب منتهياً من قراءته تراودك الرغبة بمعاودة قراءة بعض فصوله التي تمس الوجدان، ولابد أن الكثير من قرّاء الكتاب سيصلون الى نتيجة مفادها ان هذا الكتاب سيكون مصدر إلهام للمؤرخين والباحثين عن الحقيقة والمحققين في مجازرها، ومرجعاً قانونياً وبلاغاً انسانياً لمحكمة العدل الدولية للاقتصاص من قتلة شعب بأكمله، وملهماً للشعراء والكتاب الباحثين عن أعمال أدبية خالدة، ومرجعاً تاريخياً للأجيال اللاحقة لتعرف ماذا حصل في سورية، وشهادة أمينة أمام الله والإنسان والتاريخ.

 

جريدة الوطن الكويتية 28/05/2014

المصدر

 

233222323

Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom