أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: “داعش” والاختراق الاستخباراتي!

2014/09/01

أنور مالك يكتب لـ

في هذه الفترة الحسّاسة للغاية التي تمرّ بها المنطقة العربية كثر الحديث عن تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، المُسمّى اختصاراً “داعش”، الذي تحوّل فجأة من تنظيم إلى دولة ثم خلافة تناطحت المواقف السياسية والإيديولوجية حولها، بل جعلت وسائل الإعلام الدولية الثقيلة من شأن التنظيم مادة دسمة ومثيرة للرأي العام في الشرق والغرب.

بلا شكّ أنه لا شيء مصيري يحدث في العالم العربي يبتعد عن عيون المخابرات الغربية المتغلغلة في كل الزوايا الرسمية وغير الرسمية، فإن لم تكن قد صنعت هذا الشيء فهي ساهمت بطرق مختلفة في التسهيل لوجوده وصناعة شهرته لاستغلاله فيما يخدم مصالحها طبعاً.

هل “داعش” مخترقة استخباراتياً؟

المناهضون لتنظيم “داعش” يتّهمونه كثيراً بأنه صناعة إيرانية أو صهيونية أو أمريكية، وهو يردّ على خصومه بالتوسّع والسيطرة على كثير من المناطق في العراق وسوريا مستغلاً كل الظروف لصالحه. أما أنصاره عبر شبكات التواصل الاجتماعي فيتّهمون خصومهم بالردّة والعمالة للصليبيين والصهاينة والمرتدّين! وتوسّع الاختلاف الإيديولوجي والسياسي القائم إلى التخندق ضد هذا أو مع ذاك بمنتهى الكراهية وإلغاء الآخر من دون أدنى قابلية للتعايش، وطبعاً كل طرف يصنع مبرّرات تخندقه سواء كانت حقيقية أو مجرّد ظنون أو حتى من وحي الخيال؛ لأجل توجيه الرأي العام وفق أجندته.

لقد تحوّلت “داعش” إلى كرة ثلج تتقاذفها التّهم والتّهم المضادة، وهي تكبر وتتوسّع وتصنع كيانها في الشرق الأوسط. ودارت أسئلة كثيرة حول ظهور “الدولة الإسلامية في العراق والشام” والجهات التي تقف خلفها وتدعّمها حتى بلغت هذه الدرجة من القوة والنفوذ، ولكن الذي نحن بصدد مناقشته في هذه الزاوية العابرة يتعلّق باختراق “داعش” من طرف أجهزة المخابرات كما يروّج كثيرون جداً.

لا يوجد جهاز استخباراتي عربي أو غربي لا يخطّط ولا يعمل على اختراق التنظيمات الجهادية في العالم الإسلامي، فأهم ما تعمل عليه هذه الأجهزة الآن هو اختراق “القاعدة” و”داعش” وغيرهما سواء عبر تجنيد عملاء بينهم أو بوسائل تقنية وتقليدية مختلفة. كما لا يوجد جهاز مخابرات يمكنه أن يقدّم بمحض إرادته أدلّة مادية عن عملياته السرّية، إلا في حالات التسريب أو الانشقاق أو تصريحات المتقاعدين التي تأتي متأخّرة بسنوات وفي الوقت غير المناسب. والتسريب الاستخباراتي معقّد جداً وله حسابات عميقة في الغرب، ولكنه يحدث في الشرق خصوصاً أثناء النزاعات والصراعات كما يجري في سوريا حالياً.

تُتّهم إيران والغرب بصناعة “داعش”، ويوجد من يوجه أصابع الاتهام إلى قطر وكذلك السعودية رغم مواقفها السياسية والدينية المعروفة من “القاعدة”. بل الخلاف المرجعي الديني لعب دوره أيضاً، فهذا يتّهم الفكر السلفي بصناعة “داعش”، وذاك يزعم أن جماعة الإخوان تقف خلف فكر تكفيري أدّى لظهور التنظيم، ولا يوجد لهذه اللحظة ما يثبت أن إيران أو أمريكا أو غيرهما من الأجهزة الاستخباراتية الغربية والعربية هي من صنعت هذا التنظيم المثير للجدل، والذي تحوّل من مجرّد جماعة مسلّحة في العراق إلى “دولة” ثم “خلافة” تسيطر على ما يعادل ثلاثة أضعاف لبنان.

بحثت كثيراً في نشأة هذا التنظيم المثير للجدل وماضي من أعرف من قادته ولم أعثر على ما يكشف عن بعض ملامح الجهة التي صنعته وتقف خلفه، وإن كانت المرجعية الفكرية الجهادية ثابتة وموجودة من قبل أن يظهر التنظيم على مسرح الأحداث. لذلك لا يمكن أن نثبت تهمة من دون أدلّة قوية، وكل ما قيل عن تأسيسه وصناعته من قبل إيران أو روسيا أو نظام بشار الأسد في سوريا أو إسرائيل أو أمريكا وغيرهم هي مجرّد تخمينات وتكهّنات أو اتهامات لا توجد عليها أدلّة يقينية ثابتة يعتدّ بها في البحث الأكاديمي الموضوعي والحيادي، وغالباً ما ترتبط هذه الاتهامات بالنتائج المترتّبة على وجود التنظيم.

حسن نصر الله و”داعش” في وثيقة استخباراتية مسرّبة

الحالة الوحيدة التي عثرت عليها في رحلة بحثي المضنية والمستمرّة هي وثيقة استخباراتية مسرّبة من حاسوب للفرع الخارجي (279) التابع للمخابرات العامة السورية. هذه الوثيقة الخطيرة حصلت عليها من مصادر موثوقة وحرّرت في 2012 قبل ظهور “داعش” على المسرح السوري أصلاً، وكان حينها مجرّد تنظيم يسمى “الدولة الإسلامية في العراق” خرج من رحم تنظيم “القاعدة” الذي أسسه الزرقاوي إبان الوجود العسكري الأمريكي في بلاد الرافدين.

الوثيقة هي عبارة عن تقرير فيه معلومات نقلها ضابط ارتباط في “حزب الله” اللبناني عام 2012، وتحدّث فيها عن لقاء هام عقد بين جهاز مخابرات الحزب ومسؤولين أمنيين من السفارة الإيرانية وضباط من المخابرات العراقية. وتكشف الوثيقة أنه “تمّت مناقشة الوضع في القطر (سوريا)، ومن أهم البنود أن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله اقترح ضرورة وجود جماعات تكفيرية في الساحة السورية حتى يسهّل حشد الرأي العام الإسلامي والعربي والغربي لصالح الحكومة في سورية”.

وأشارت الوثيقة إلى أن المجتمعين ناقشوا “كل السبل لتوصيل التكفيريين لداخل القطر (سوريا)، وتمّ الاتفاق على تسهيل مرورهم عبر العراق من خلال تنظيم الدولة الإسلامية في العراق الذين يتواجد أكثر من 2000 عنصر منهم في السجون العراقية”. وحسب المصدر الذي تحدث لمحطة المخابرات السورية في لبنان: “أن الجانب العراقي تعهّد بتسهيل خروجهم من السجون بأيّ وسيلة كانت، وأيضاً رفع الحراسة المشدّدة على الحدود. وأكّد ضباط المخابرات العراقية أنهم لديهم عناصرهم داخل التنظيم. أما الجانب الإيراني فتقدّم بحلول عملية أخرى في هذا الجانب”، وهذه الحلول كانت مرفقة في قرص مضغوط لم يتسرّب إلينا محتواه.

هذه الوثيقة أكّدت على بعض النقاط الخطيرة:

أولاً: وجود “داعش” في سوريا كانت فكرة مقترحة من حسن نصر الله، وحدث بتسهيل من حكومة نوري المالكي ومخابرات إيران.

ثانياً: المخابرات العراقية كانت تخترق قيادات تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق” قبل وصولها إلى سوريا.

ثالثاً: رفع الحراسة من الحدود والفرار من السجون العراقية من أبرز ما قدّمته حكومة المالكي لتنظيم “داعش”.

رابعاً: أن وجود “داعش” في المشهد السوري يسهّل حشد الرأي العام الإسلامي والعربي والغربي لصالح نظام بشار الأسد، وطبعاً يساعد “حزب الله” في المرافعة على خيار التدخّل في سوريا لمحاربة من يسمّيهم “التكفيريين”.

بلا شكّ أن هذه المعلومات التي جاءت بها الوثيقة يمكن الاستدلال بها لحدّ بعيد على مسألة وجود الاختراق الإيراني لتنظيم “الدولة الإسلامية” قبل دخوله سوريا، ولكن استمرار الاختراق بعد ذلك أو نهايته لا نملك ما يثبته أو ينفيه سوى بعض الأحداث التي يمكن أن نذكرها على سبيل الاستدلال، من بينها مثلاً ما ورد من معلومات عن إعدام التنظيم لأحد عناصره بتهمة العمالة لأحد أجهزة المخابرات، وذكرت وسائل إعلام أن الشخص يدعى “أبو عبيدة المغربي” والجهة التي كان يتعاون معها هي مخابرات بريطانيا، ولم نتمكن من التأكد من صحة هذه التفاصيل الإعلامية من مصادر مستقلة.

أمر آخر أن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وجّه أصابع الاتهام إلى نظام بشار الأسد بالوقوف خلف تفجيرات 2009/08/19 الدموية التي هزّت بغداد، واتّهم المالكي حينها حزب البعث و”القاعدة”، وقال إن تسعين بالمئة من “الإرهابيين” يتسلّلون من سوريا وإن “التكفيريين” يتّخذون من الأراضي السورية مقرّاً ومنطلقاً للعمليات الإرهابية. وردّ بشار الأسد حينها في ندوة صحفية جمعته بالرئيس القبرصي ديمترس خريستوفياس أن التّهمة بدعم الإرهاب غير أخلاقية وأن بلاده تكافحه ولا تدعّمه. وأوحى ما حدث حينها من أزمة بين دمشق وبغداد أن المالكي يتّهم مخابرات نظام بشار الأسد أن لها علاقة استخباراتية مع البعثيين و”القاعدة”.

مخططات اغتيال الثورة السورية باسم “الإرهاب”

اختراق التنظيمات الجهادية كان قائماً قبل ظهور “داعش” وقد ظهر جلياً في الجزائر خلال مرحلة التسعينات الدموية، وقد ثبت بأدلة اختراق عدة أجهزة استخباراتية من بينها المخابرات الجزائرية والفرنسية والإيرانية لتنظيم الجماعة الإسلامية المسلحة “الجيا”، وقد بدأ اختراق إيران عام 1995 عبر وصول الشيعي محفوظ طاجين لإمارة التنظيم، وأدى إلى تحوّل “الجيا” نحو المجازر الجماعية وتكفير عموم الشعب، وهذا ما سنتعرّض له في مقالاتنا اللاحقة.

المشكلة القائمة بخصوص “داعش” تتعلّق بعملية الاستخدام من قبل جهات وجدت مصلحتها في تحويل ما يجري في سوريا من ثورة ضد نظام مستبدّ إلى الحرب على “الإرهاب” التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية. صار الكلّ يعرف أن نظام بشار الأسد عمل الكثير من أجل أن يثبت للعالم أنه يواجه “الإرهاب” وجماعات متطرّفة تابعة للقاعدة، وحتى قبوله بدخول بعثة مراقبي الجامعة العربية كان من أجل التسويق لأطروحته حول مواجهة شبكات الإرهاب المنظّم والعابر للحدود، وقد فعل كل ما في وسعه من سيارات مفخّخة ومعلومات مضلّلة واغتيالات وأشياء أخرى كثيرة كي يدرج ذلك في تقارير البعثة الدولية. وهذا ما يؤكّد أن وجود شبهات الإرهاب فقط في مشهد الثورة سيكون في صالح النظام، فكيف سيكون الحال حينما يتعلّق الأمر بتنظيم يبايع أيمن الظواهري، أو آخر يعلن نفسه دولة ثم خلافة ويتمدّد ويسيطر على رقعة جغرافية واسعة النطاق؟

بحوزتي أكثر من 100 وثيقة من بين ما يقارب 15 ألف وثيقة استخباراتية مسرّبة كلّها تشير إلى جهات نصحت نظام بشار الأسد بضرورة وجود جماعات إرهابية في المشهد السوري، ومن بين الذين نصحوا الأسد بذلك نذكر مثلاً الكاتب المصري محمد حسنين هيكل واللواء أحمد سليمان مدير مكتب اللواء مراد موافي مدير جهاز المخابرات العامة المصرية، وأيضاً جاءت هذه النصائح من منتدب المخابرات السورية في العراق وهو “الكاتب” العراقي سمير عبيد وغيرهم.

ما قيل عن وجود ضبّاط من حزب البعث مع “داعش”، لا نملك عليه أدلّة ملموسة يمكن الاعتماد عليها كما لا نستبعد ذلك فيوجد الكثير من البعثيين في مختلف كتائب المعارضة، ولكن ما ثبت لدينا من خلال المعلومات التي سقناها أن “داعش” قبل وصولها إلى سوريا كانت مخترقة من مخابرات العراق وهذا يعني إيران بلا شك، وأن زحف التنظيم على سوريا كان بتسهيل من حكومة المالكي وباتفاق مع مخابرات إيران وقيادة ميليشيات “حزب الله”.

لقد كانت شعارات ومظاهرات الثورة في سوريا تزعزع أركان نظام بشار ومن خلفه إيران وروسيا، ولكن بمجرّد أن أعلنت جبهة النصرة مبايعتها للظواهري ووجود “داعش” في المشهد السوري، تنفّس أعداء ثورة السوريين الصعداء فقد تحقّق لهم ما يريدون أن يقدّموه للعالم، بل وصل حال نظام يدّعي التعرّض لـ”مؤامرة كونية” لاستجداء التحالف مع هذه القوى العظمى التي تآمرت عليه، على حدّ زعمه، لمحاربة “الإرهاب”. وهذا لا يعني أبداً أن ما جرى جاء بالاتفاق بين البغدادي وبشار وخامنئي والمالكي ولا يعدّ ذلك شرطاً في المعادلة كلها، فيكفي أن تنظيم “داعش” خرج من رحم “القاعدة” ويحلم ببناء دولته فجاءت الفرصة سواء بتسهيل أو تدبير كي يحقّق ما يريد. المشكلة الآن ليست في وجود “داعش” فقد وجد وانتهى الأمر لكن في مسار هذا الكيان المسمى “الخلافة” الذي سيتمدّد إلى شمال إفريقيا، والصعوبة قائمة في طريقة مجابهته دولياً، والذي سيأتي بلا شك على حساب ثورة سوريا والعراق وأقطار عربية أخرى، وسيؤدي لحرب استنزاف طويلة ربما على طريقة أوسع من حالة طالبان في أفغانستان.

ويبقى القول أخيراً وليس آخراً:

ليس شرطاً أن تكون عميلاً كي تخدم خصومك، لكن يكفي أن تتواجد في الزمن الخطأ والمكان الغلط سواء كان الأمر لغباء في التخطيط أو لغياب أفق استراتيجي للصراع القائم في العالم الإسلامي، وهذا ما يجري مع “داعش” والأيام القادمة ستكشف الكثير من الخفايا والتطورات.. وللحديث بقية.

الخليج أونلاين – أوت 2014

المصدر

Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom