أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: الأسد يصنع الإرهاب ويريد مكافحته (1)

2014/09/06

أنور مالك يكتب لـ

منذ بداية الثورة السورية ونظام بشار الأسد يتحدّث عن إرهاب عابر للحدود ويهدّد أمن العالم. ولقد حذّر – بصيغة التهديد – مراراً وتكراراً أن ما يجري في بلاده سيفجّر المنطقة كلّها. بل إنه في أوّل خطاب ألقاه في البرلمان بتاريخ 30 مارس/آذار 2011 وصف الاحتجاجات التي اندلعت بأنها مجرّد مؤامرة من “أعداء” سوريا، وأشار ضمنياً إلى الثورات العربية التي سمّاها “التحولات الكبرى” وستكون تداعياتها على كل المنطقة بلا استثناء “الدول العربية وربما أبعد من ذلك” على حدّ تعبيره.

بين معمر القذافي وبشار الأسد

منطق بشار الأسد لا يختلف عن منطق معمر القذافي في عقلية المؤامرة، والفرق بينهما أن القذافي وجد في حلف الناتو ما يبرّر به اتهاماته بوجود مؤامرة استعمارية على بلاده. في حين أن الأسد لا يملك معطيات لتبرير المؤامرة على مقاومته وممانعته المزعومة سوى العمل على صناعتها بنفسه ولو أدّى ذلك لحرق الجميع.

لقد كان الديكتاتور الليبي يهدّد الليبيين وكل العالم بأن سقوط نظامه معناه انتصار تنظيم “القاعدة” وبناء أول دولة لبن لادن والزرقاوي في ليبيا. في حين أن طاغية سوريا لم يذكر هذه المسمّيات بصفة صريحة كما فعل القذافي، في حين تعامل معها واقعاً وبمنطق طائفي لتصفية الثورة الشعبية السلمية، حيث عامل المحتجّين منذ البداية على أنهم إرهابيون وشرع في دفعهم عبر منطق الإرهاب القذر الذي يصنع الإرهاب الأقذر.

القذافي لم يتمكّن من ممارسة الإرهاب على الثورة كما كان يريد فقد تصدّى له المجتمع الدولي بسرعة لأسباب استراتيجية متعدّدة وذلك بالحظر الجوي، وتدخّل الحلف الأطلسي حال دون نسف بنغازي من الوجود. في حين أن بشار الأسد لم يردعه أيّ رادع، فقد كان يصول ويجول بجيشه وأجهزة مخابراته وعصاباته ويمارس كل ما لا يمكن تخيّله من بطش ضد المتظاهرين والمطالبين في بداية الأمر بإصلاحات سياسية ومحاسبة المعتدين على أهل درعا، وتطوّر الأمر بسبب وحشية النظام إلى المطالبة بإسقاطه ورحيل بشار الأسد وحينها ازدادت وحشية الأجهزة الأمنية ضد المتظاهرين في درعا وحمص وإدلب وريف دمشق وصار شعارهم: “الأسد أو نحرق البلد”.

ما تعانيه ليبيا الآن من ممارسات وصلت تداعياتها إلى منطقة الساحل والصحراء يعود أساساً إلى علاقة مخابرات القذافي السابقة مع بعض التنظيمات بأساليب مختلفة. وحتى قبل سقوطه جعل من مخازن السلاح التي يملكها مصدراً لصناعة مليشيات أراد أن يعاقب بها المجتمع الدولي، وقد راهن القذافي على التحذير من مخاطر “الجماعة الليبية المقاتلة” المحسوبة على “القاعدة” والتي صار زعيمها عبد الحكيم بلحاج من قادة الثورة.

أما بشار الأسد فعكس ذلك تماماً فقد تمكّن من “لَبْيَنَة” سوريا قبل سقوط نظامه. كما أن نظام الأسد أيضاً كانت له علاقات مع تنظيمات متشدّدة، وقد اتّهم رسمياً من قبل رئيس وزراء العراق، نوري المالكي، بصناعة الإرهاب في العراق وأن تنظيمات بعثية وجهادية تتمركز على التراب السوري، وبعدها تحالف المالكي مع الأسد ضد الشعب السوري بمهماز إيراني وتمّ حتماً استثمار ذلك الماضي الاستخباراتي المتبادل مع هذه الجماعات ضد الثورة السورية.

إرهاب الأسد موثق في تقارير البعثات الدولية

كان أول تدخّل أجنبي في سوريا جاء عبر الجامعة العربية، من خلال بعثة “مراقبي جامعة الدول العربية” ورصد التزامات نظام بشار الأسد بالبروتوكول الذي أقرّته الجامعة في 12/ 11/ 2011 وكانت مهمة المراقبين تتمثل في:

– التأكّد والرصد لمدى التنفيذ الكامل لوقف جميع أعمال العنف ومن أيّ مصدر كان في المدن والأحياء السكنية السورية.

– التأكّد من عدم تعرّض أجهزة الأمن السورية فضلاً عما يسمّى “عصابات الشبّيحة” للمظاهرات السلمية.

– التأكّد من الإفراج عن المعتقلين بسبب الأحداث الراهنة.

– التأكّد من سحب وإخلاء جميع المظاهر المسلّحة من المدن والأحياء السكنية التي شهدت أو تشهد المظاهرات وحركات الاحتجاجات.

– التحقّق من منح الحكومة السورية رخص الاعتماد لوسائل الإعلام العربية والدولية، والتحقّق من فتح المجال أمامها للتنقل بحرية في جميع أنحاء سوريا، وعدم التعرّض لها.

بعد شدّ ومدّ بين الأمانة العامة لجامعة الدول العربية والحكومة السورية تمّ توقيع البروتوكول في 19 ديسمبر/كانون الأول 2011، ودخلت بعثة المراقبين في 25 ديسمبر/كانون الأول 2011.

قبول وجود مراقبين دوليين من الحقوقيين والخبراء العسكريين والدبلوماسيين بالنسبة لنظام بشار الأسد، كان الهدف منه ليس ما ورد في البروتوكول أو في القرار الدولي أو ما يصرّح به رسمياً، بل لاتخاذهم كشهود عيان أجانب على وجود مسلّحين و”إرهابيين” في المشهد السوري فقط، وهذا ما يبرّر العنف الذي يمارسه النظام ضدهم. أذكر أن أول سؤال طرحته وسائل الإعلام السورية علينا بعد نهاية أول زيارة للبعثة لحيّ باباعمرو في حمص بتاريخ 27/ 12/ 2011، حول وجود مسلّحين يسيطرون عليه. وقد تحدّث لبعثة الجامعة العربية محافظ حمص اللواء غسان عبد العال ووزير الداخلية محمد الشعار والعماد آصف شوكت واللواء هشام بختيار وغيرهم من الجنرالات والمسؤولين عن وجود مقاتلين أجانب ينتمون لتنظيم “القاعدة” تسلّلوا من العراق ودول أخرى بدعم تركي وسعودي وقطري.

لقد تعامل بشار الأسد مع الثورة منذ بدايتها على أنها مؤامرة أجنبية تستعمل الإرهاب والجماعات الإرهابية، بل وصل الحال إلى نفي وجود مظاهرات أصلاً، وأن الصور التي تنقلها الفضائيات ليست من داخل سوريا بل مسجّلة في استديوهات خاصة في الدوحة وغيرها!

لقد مارس الجيش السوري وشبّيحة النظام كل الإرهاب ضد المدنيين، حيث كانوا يهجمون على البيوت ويختطفون النساء ويغتصبون ويقتلون حتى الأطفال الرضّع، بل يجبرون الأب على اغتصاب ابنته والأخ لأخته والابن لأمه ومن يرفض يذبح من الوريد إلى الوريد.

أما في السجون فيحدث فيها ما يندى له الجبين، وشخصياً كنت شاهداً على حالات موثّقة، حيث تسلّمنا جثث مختطفين من مصالح الأمن في حمص، وعليها آثار التعذيب من كسر للضلوع وتهشيم للجمجمة وسلخ للجلد وبقر للبطن وتحطيم للفكّ وكيّ وحرق أماكن حساسة بوسائل مختلفة والصعق الكهربائي وقطع بعض أجزاء الجسم، وأذكر بهذا الخصوص جثة عبد الكريم الدرويش وفواز محيميد. كما وثّقت هيئات دولية من خلال صور مسرّبة عبر ضابط مسؤول عن تصوير جثث ضحايا التعذيب ونشر عدد منها في 20/ 01/ 2014 وكانت الصور صادمة للمجتمع الدولي.

كما زرنا المشفى العسكري في مدينة حمص التي كانت حينها عاصمة الثورة السورية ووجدنا جثثاً مقطّعة الأوصال كأنها مرّت على مسلخ، وقد كانت محدّدة بأسماء أصحابها، وحينها وجدت أكثر من عشرة أسماء مطلوبة في ملف عندنا من قبل أهاليهم، حيث اختطفتهم أجهزة أمنية وهم على قيد الحياة وفي كامل صحّتهم.

لقد مارس بشار الأسد كل أنواع الإرهاب عبر الجيش أو المخابرات أو عصابات الشبّيحة تتكوّن من مجرمين أخرجهم من السجون وصاروا يعملون لصالح النظام مقابل أموال يتلقّونها. كما كان يجنّد فتيات يستدرجن سوريات من الأسواق والمحلات لخطفهن واغتصابهن، وبينهن من لم يظهر عليهن أي خبر، والغريب أن هذا المخطّط يجري بطريقة طائفية حيث أن اللواتي يشتغلن مع النظام هن من الطائفة العلوية ويستهدفن فتيات من أهل السنّة فقط. وقد وثّقت بعثة الجامعة العربية في حمص حالة فتاة تدعى ألفت آصف فنتور كانت تشتغل في الاختطاف لصالح أحد المسؤولين في الأمن وقصّتها موجودة كاملة في كتابي “ثورة أمة” الصفحة 377.

كان بشار الأسد يستهدف المتظاهرين بالقناصة، ولم يسلم حتى الأطفال، وقد كنّا شهوداً كمراقبين برفقة الفريق أول الركن محمد مصطفى الدابي، رئيس بعثة مراقبي جامعة الدول العربية، على عملية قنص طفل يدعى أحمد محمد الراعي في حيّ بابا عمرو صباح يوم الأربعاء 28/ 12/ 2011، والقنّاص كان متمركزاً في بناية بها حاجز عسكري. وتطوّر الأمر إلى قذائف الهاون وسلاح الدبابات وقد حدث قصف الحيّ نفسه أثناء أول زيارة لبعثة المراقبين، وكان ذلك يوم الثلاثاء 27/ 12/ 2011. وتواصل على مدار وجود بعثة المراقبين في حمص وخاصة في الليل، وقد كنت شاهداً على ذلك مع مجموعة من المراقبين تتكون من عشرين مراقباً.

لم يقتصر الأمر على الاعتقالات والقصف، بل تطوّر إلى البراميل المتفجّرة ثم الطيران الحربي وصواريخ سكود ومجازر دموية بحقّ الأطفال تمّ قتلهم ذبحاً، مثلما حدث في مجزرة الحولة التي وقعت في 25 مايو/أيار 2012، ووثقتها بعثة مراقبي الأمم المتحدة.

وصل الحال بنظام بشار الأسد إلى استعمال السلاح الكيماوي والمواد السامّة ضد المدنيين عدة مرات، نذكر منها مجزرة الغوطة التي وقعت في 21 أغسطس/ آب 2013 أدى إلى إبادة أكثر من 1400 ضحية، بينهم أطفال ونساء، وحول المجزرة أصدرت لجنة التفتيش التابعة للأمم المتحدة تقريرها في 16 سبتمبر/ أيلول 2013 أكدت فيه استعمال غاز السارين.

كما تمّت سرقة أعضاء المعتقلين، ويجري تعذيب الجرحى بطرق بشعة تؤدي في غالبها إلى الموت، وقد وثقت بعثة مراقبي الجامعة العربية بعض الحالات من بينها حالة السجين رامز بكور من حمص الذي بترت رجله وسرق منه شريان مطلوب طبّياً وكان شاهداً على حالات عديدة من إعدام الجرحى في المشافي العسكرية.

يتبع..

الخليج أونلاين – سبتمبر 2014

المصدر

Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom