أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: هل العدالة الدولية ليست من حقّ المسلمين؟

2014/09/19

أنور مالك يكتب لـ

نواصل الحديث عن النفاق الدولي القائم في مجال حقوق الإنسان، وعن هذه الازدواجية المقيتة التي يمارسها المجتمع الدولي مع الإنسان العربي والمسلم بخلفية استعمارية بغيضة، وإن ذكرنا من قبل سوريا والعراق، فتوجد دول أخرى أيضاً جرى السكوت عنها، مثل الجزائر التي قتل فيها ربع مليون مواطن، وليومنا هذا لم يحاسب – محلياً أو دولياً- ولو شرطي مرور على مخالفة أودت بحياة شخص واحد. والأمر نفسه بالنسبة لممارسات المغرب في الصحراء الغربية منذ مسيرته التي سمّاها الخضراء عام 1975، وتوجد مقابر جماعية اكتشفت عن صحراويين قتلوا بطرق بشعة، وطبعاً المجتمع الدولي يتعامل مع هذه القضية بطريقة تجارية تخضع للابتزاز المصلحي فقط. كما لا يمكن أيضاً أن ننسى أو نتجاهل الجرائم التي اقترفها الجنرال السيسي في مصر من خلال مجازر رابعة العدوية وميدان النهضة وغيرهما.

حتى لا نتوه كثيراً في الماضي البعيد وبين أيدينا أمثلة قريبة وكثيرة لا تحصى ولا تعد، تفضح هذا النفاق الدولي البائس. فقد كثر الحديث في هذه الفترة عن انتهاكات حقوق الإنسان التي يقترفها تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، المعروف اختصاراً “داعش”، والعالم كلّه ما صار له حديث إلا عن هذا الأمر، وبين عشيّة وضحاها كأنهم تناسوا جرائم بشار الأسد ومجازره الجماعية التي يقترفها بأسلحة مختلفة؛ بدأت بالهاون ووصلت للكيماوي، وقد نسمع مستقبلاً عن استعمال الجرثومي، وهذه الجرائم هي الأصل، أما “داعش” فهي مجرد فرع أو رد فعل ووحشية مضادة.

مقاربات بين “داعش” و”حزب الله”

لسنا هنا بصدد تبرير جرائم “داعش”، فنحن أول من ناهضها، ولا نزال كذلك؛ لأننا لا نقبل الازدواجية في المعايير الأخلاقية والإنسانية، لكننا نحتاج إلى إرساء العدالة الدولية التي لا تستثني أحداً، ولا تكيل بمكيالين بين الضحايا ولا الجلادين. فما أرادوا تطبيقه على “داعش” ينطبق تماماً، وببشاعة أكبر في بعض المناطق، على تنظيم “حزب الله”؛ حيث هناك قواسم مشتركة تجمع بين البغدادي وحسن نصرالله، وإن كان الأول ظلمه جاء نتيجة الظلم المسلّط على السنّة، والثاني مجرّد جناح صنعته إيران لكي تمارس ظلماً يخدم مشروعها الصفوي في المنطقة العربية، يستغلّ مظلومية عمرها أكثر من عشرة قرون ووفق روايات موضوعة.

لقد استنفر العالم كل قواه للقضاء على تنظيم “داعش”، ولكنه لم يحرّك ساكناً ضد تنظيم “حزب الله” الذي بدوره قام بغزو سوريا وسيطر على مناطق، واقترف ما يندى له الجبين من جرائم ضد الإنسانية، بل أقدم على إبادة قرى يسكنها أهل السنّة ولأسباب طائفية بحتة.

إن كان تنظيم “داعش” قتل في الرقة ودير الزور فإن مليشيات “حزب الله” أيضاً ذبحت في القصير والقلمون ومناطق أخرى كثيرة. إن كان “داعش” أعدم أسرى فإن “حزب الله” بدوره فعل ذلك، والفرق بينهما أن الأول يتباهى بما يفعل علانية، والآخر يمارس تقيته حتى في الجريمة. وإن كان “داعش” أعلن عن دولة له تمتدّ من الموصل إلى الرقة، فإن “حزب الله” بدوره لديه دولة غير معلنة فقط تمتدّ من بيروت إلى حمص.

وإن كان “داعش” أدرج أممياً كتنظيم إرهابي، فإن “حزب الله” هناك من لم يدرجه كاملاً في قائمة الإرهاب مثل أمريكا، فقد أدرج جزء منه كالاتحاد الأوروبي وهو جناحه العسكري الذي يصول ويجول الآن في سوريا ويرتكب أفظع الجرائم بحق الإنسان والإنسانية. لا يقتصر ما ذكرنا على “حزب الله”، بل ينطبق على مليشيات إيرانية أخرى في العراق وسوريا ولبنان واليمن؛ مثل الحوثيين والحرس الثوري و”أبو الفضل العباس” وفيلق بدر وجيش المهدي وعصائب أهل الحق وغيرهم، وللأسف لم يتحرّك تجاهها المجتمع الدولي كما نراه يفعل مع تنظيم الدولة.

إن كانت منظمة “داعش” تمرّدت على دول العالم، وتريد تدمير كيانات الدولة في سوريا والعراق كما يقولون، فإن الحوثيين مثلاً تمرّدوا على الدولة اليمينة، ويختطفون المدنيين، ويقتلون الجيش الحكومي، ويريدون السيطرة على مقدرات البلاد، وهم مجرد مليشيات مسلحة تتحرك بمنظور طائفي وبدعم إيراني، ولحدّ الآن لم تلجأ الأمم المتحدة أو غيرها، باستثناء السعودية، إلى إدراج الحوثية كمنظمة إرهابية، ولا وضع قادتها في قوائم الإرهاب، رغم كل جرائمهم، بل إن أمريكا ترفض إدراج الحوثية في قائمة الإرهاب وطيرانها يقصف مواقع “القاعدة” في اليمن ويتجنّب الحوثيين، كأنهم ينشرون العدالة في كل ربوع العالم.

المليشيات المسلّحة الشيعية لا تتعرّض لأي حساب، حتى إن أجرمت بحق الإنسانية، في حين كل تنظيم مسلّح يخرج من أهل السنّة يجد نفسه في مواجهة الإرهاب، ولو كان يواجه الطغاة فقط ولم يهدّد السلم العالمي أصلاً، وهذا هو المنظار الذي ترى به أمريكا كل الكتائب الإسلامية في سوريا، رغم أن الكثير منها تشكّل للدفاع عن الشعب السوري أمام آلة إبادة جهنمية.

“أهل السنّة” خارج تغطية القوانين الدولية

يبدو أن ذنب الإنسان المسلم الوحيد أنه من أهل السنّة، وإن كان هذا الأمر لم تجرّمه القوانين، إلا أن أفعال القوى الكبرى خصوصاً جرّمته بأفعالها وبما يتنافى مع القوانين الدولية، حتى صار كل من يصير سنّياً كأنه سقطت عنه إنسانيته بصفة آلية، وهذا للأسف الشديد من الكوارث اللاإنسانية المعاصرة التي صارت صريحة وواضحة للعيان، فضحتها سوريا والعراق ولبنان وفلسطين وغيرهم.

المجتمع الدولي عندما يكون السنّة هم الأغلبية في بلد يركّز عبر وسائله الإعلامية والدبلوماسية على الأقليات، وتهديد وجودها، وحقّها في المواطنة والمشاركة في الحكم، وحين يكون السنّة أقلية في مكان ما تجد التركيز على الديمقراطية وأن الحكم للأغلبية. وهذا ما نراه مفضوحاً مثلاً في سوريا؛ إذ يشكّل السنّة الأغلبية الساحقة من المواطنين، ولا نسمع إلا الحديث عن الدروز والعلويين والمسيحيين وغيرهم، في حين أن العراق رغم التشكيك في الأرقام إلا أنه لا حديث عن سنّة يتعرضون للإبادة، ويجري الحديث فقط عن ديمقراطية جورج بوش التي أوصلت الشيعة للحكم، وحصدت أكثر من مليون عراقي دفعوا حياتهم ثمن هذا الوهم الأمريكي الذي وصل الأمر بالبيت الأبيض إلى حدّ تحصين جنوده من المتابعة القضائية، رغم أن جرائمهم تجعل مكانهم الطبيعي في السجون أكثر من غوانتانامو. والأمر نفسه بالنسبة للسنّة في إيران؛ حيث يشكلون أقلية مقارنة بعدد الشيعة، وكذلك بالنسبة للمسلمين في بورما وأفريقيا الوسطى، ولا تحركات رسمية دولية لإنقاذ الأقليات هناك كما يفعلون مع غيرهم مثل الإيزيديين والنصارى والدروز.

لقد ثبت النفاق على المجتمع الدولي في تطبيق القوانين والمواثيق، التي صارت تخضع لمصالح القوى الكبرى فقط، وهذا الذي سيبقى يصنع في العالم الإسلامي التطرف المضاد والغلو الذي بدوره صار يتّخذ ذريعة في قمع المظلومين من دون أي موقف يذكر تجاه ظالمين اقترفوا كل الجرائم التي خطرت على أذهان المشرّعين الدوليين وما لم يخطر أيضاً، ويحتاج لتشريعات قانونية جديدة.

حقوق الإنسان لا تقبل الكيل بمكيالين أبداً، ومن يميز بين الضحايا لأسباب عرقية أو دينية أو إثنية، فهو يجرم بحق القوانين، ويحتاج للحساب أمام المحاكم الدولية، سواء كانت أمريكا أو غيرها. كما أن تهمة “الإرهاب” التي توزّع حسب المصالح وبازدواجية ولا يوجد أي تعريف أو تكييف قانوني لها لحدّ الآن، لا يجب أن تكون مبرّراً، وبها تنتهك الحقوق والحريات العامة.

للأسف الشديد، غدت العدالة الدولية ليست من حق المسلمين، وأهل السنّة تحديداً، حسب ما نراه من سلوك القوى العظمى التي تتغنّى بشعارات ديمقراطية وحقوقية، والنفاق الدولي معالمه واضحة، وصار لا يهمّ إن كان الضحية مسلماً، وإن ثار هذه المسلم للدفاع عن نفسه فستلاحقه تهمة الإرهاب. أما إن كان الضحايا من غير المسلمين فإن العالم يكشّر عن أنيابه وتصير القوانين الدولية تلك الخطوط الحمراء التي لا يقبل تجاوزها أبداً، وحتماً سيزداد وحشية إن كان هذا الجلاّد مسلماً.

الخليج أونلاين – سبتمبر 2014

المصدر

Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom