أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: أمريكا تكافح الإرهاب أم تصنعه!

2014/09/24

أنور مالك يكتب لـ

المتابع للحروب الأمريكية والتحالفات الدولية التي صنعتها واشنطن تحت شعار مكافحة الإرهاب، يدرك بما لا يدع مجالاً للشكّ أنها فشلت تماماً في اجتثاثه ولم تفلح في القضاء عليه كما زعمت، بل بإرهابها صنعت الإرهاب وبوحشية تزداد تدريجياً مع مرور الأيام حسب المكان والزمان، ولم يدفع الثمن الباهظ سوى الأبرياء من المدنيين فقط.

حتى لا نذهب بعيداً ونغوص في التاريخ، ومن دون التفكير بعقلية المؤامرة التي صارت شمّاعة للكثيرين، علينا أن نقرأ حاضرنا فقط من خلال معطيات واقعية كثيرة، وسنجد أن أمريكا شنّت حملة عسكرية في أفغانستان كي تقضي على القاعدة التي هي أصلاً تكوّنت من الأفغان العرب الذين صنعتهم بنفسها لطرد السوفيات وتفتيت اتحادهم وهو ما نجحت فيه.

غير أن الحرب الأمريكية على أفغانستان لم تقضِ على القاعدة ولا طالبان، فالقاعدة أفرخت عدة قواعد أخرى، وساعدتها أمريكا لما فتحت جبهة جديدة في العراق، ونجحت في تحويلها إلى مستنقع دموي ساعد هذا التنظيم على فتح فرع آخر له عن طريق الزرقاوي، الذي يعدّ من المقاتلين العرب الذين تخرّجوا من مدرسة أمريكا “الجهادية” في أفغانستان.

لقد غزت أمريكا أفغانستان ولا أحد يستطيع أن يوقفها بعدما ظهرت كوحش كاسر وجريح بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، رغم أنها خططت لهذه الحرب بستة أشهر قبل الحادثة حسب ما صرّح به مصدر استخباراتي أمريكي لصحيفة “جاينز” البريطانية في مارس (آذار) 2001.

ولكنها بعدما نفذت ما أرادت، وبتكلفة باهظة بشرياً ومادياً، ومن دون أن تقضي على زعماء القاعدة وطالبان ولا أعادت الاستقرار للبلد، أمّمت وجهها شطر العراق، وحاولت أن تبرّر ذلك بأسلحة دمار شامل ظهرت بعد الحرب أنها مجرد كذبة كبرى أطلقتها المخابرات الأمريكية، وتسبّبت في مقتل وتشريد وجرح الملايين من الأبرياء العراقيين.

أمريكا التي دخلت العراق لتبشّر بالديمقراطية المثالية لم تصنع شيئاً للعراقيين، بل مكّنت عدوّهم الإيراني من السيطرة على مقدرات البلاد وثرواتها، عبر حكومات ملالية مارست أبشع أنواع القتل والتهجير والجرائم ضد الإنسانية بحق السنّة العراقيين.

ولا يزال الشعب العراقي يدفع ثمن الوهم الأمريكي من سيارات مفخخة وميليشيات إيرانية وشيعية إرهابية ومجازر جماعية وقصف للمدن والقرى، حتى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين تحول إلى الدولة الإسلامية في العراق، ولم تنجح أمريكا في القضاء على ما تسميه بالإرهاب، ولا أثبتت شيئاً عن دعواها بوجود أسلحة دمار شامل عند نظام صدام حسين الذي أعدمه الإيرانيون فجر عيد الأضحى المبارك من عام 2006.

سنوات قضتها أمريكا في العراق مارست فيه أبشع جرائم الحرب وقد تجلّى ذلك على سبيل المثال لا الحصر في فضائح سجن أبو غريب في 2004، وقنص المدنيين عبر الطائرات، واستعمال الفوسفور الأبيض في الفلوجة وغيره.

ولم يقتصر الأمر على العراق بل أن أمريكا قبل ذلك مارست شتى أنواع التعذيب في معتقلاتها السرية أو المعلنة في أفغانستان وكوبا وحتى بعض الدول العربية، وقد نشرت في هذا السياق صحيفة واشنطن بوست في عددها الصادر بتاريخ 26/12/2002 تقريراً مستنداً على أحد عناصر وكالة المخابرات الأمريكية، مفاده أنه هناك وسائل تعذيب تستعمل في التحقيق مع المشتبهين بهم في معتقل باغرام وغوانتانامو.

وصل أوباما للحكم بحملة انتخابية مناهضة لحروب سلفه جورج بوش الابن بأفغانستان والعراق، بل تخلّى في مايو/أيار 2010 عن مصطلح “الحرب على الإرهاب”، وقام بسحب تدريجي لقواته، غير أن ذلك لم يلبث طويلاً وتفّجرت الثورة في سوريا، وبدلاً من أن تمارس الأمم المتحدة دورها في حماية السوريين، ترك المجتمع الدولي نظام بشار الأسد يوغل في الدماء بسادية منقطعة النظير إلى درجة استعمال الكيماوي ضد الأطفال والمدنيين.

بل ذهب أبعد من ذلك حيث استجار بمنظمات إرهابية طائفية مثل “حزب الله” وغيره، التي دخلت سوريا ومارست أبشع الجرائم بحق السوريين وخصوصاً أهل السنّة منهم.

المستنقع السوري صار ملاذاً للقاعدة التي تجد ضالّتها في مناطق النزاع والحروب، وسكتت أمريكا عن تنظيمات جهادية هبّت نحو سوريا من كل حدب وصوب، ووجد النظام السوري فرصته كي يحوّل ما يجري من ثورة شعبية ضد نظامه المستبدّ إلى إرهاب يحاربه العالم، وذلك بتسهيل مرور المتشدّدين من تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق” نحو سوريا وبدعم من حكومة المالكي ومخابراته وبالاتفاق مع مخابرات إيران و”حزب الله”.

لم يفتحوا المجال فقط لهذا التنظيم كي يمرّ نحو الداخل السوري ويتحوّل إلى تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” المعروف اختصاراً بـ “داعش”، بل سهلوا له السيطرة على الموصل وتحصّل على أسلحة كبيرة وأموال بالمليارات وسيطر على مواقع النفط، وهكذا فجأة تحوّل من جماعة إلى أخطر تنظيم يهدّد العالم بل حتى الكواكب الأخرى في ظل المبالغات القائمة، وهذا طبعاً بفضل المالكي الذي صنعته أمريكا وبشار الذي صمتت عنه ودعمته روسيا.

إن أمريكا هي العدو الفعلي في المخيال العربي والإسلامي بسبب ممارسات كثيرة عبر تاريخها إضافة إلى أنها ظلت تدعم الصهاينة العدو الرئيسي، بل صارت تعمل من أجل تغيير حتى وجه الإسلام ذاته تحت شعار “الحرب على الإرهاب” حسب التقرير الذي نشره المحلل السياسي الأمريكي ديفيد كابلان ونشرته مجلة “يوإس نيوز آند ورلد ريبورت” ونقلته التايم والنيوزويك في 17/04/2005.

ولذلك لا يمكن أن تكون عدوّة للعرب والمسلمين في فلسطين وصديقة لهم في المغرب العربي أو تدافع عنهم في سوريا أو العراق، وبدل أن تدعم أمريكا ثوار سوريا وثوار العراق بحكم نفوذها في مجلس الأمن وبحكم أنها القوة الأولى في العالم، راحت تحشد التحالف لأجل التدخل العسكري للقضاء على دولة “داعش”، وتعيد التجربة الفاشلة التي خاضتها من قبل في أفغانستان والعراق والصومال وحتى اليمن أيضاً.

لقد أنشأت من قبل تحالفاً في أفغانستان غير أن الأمر انتهى بها إلى التفاوض مع طالبان بعد سنوات من الحرب الشاملة، وتتحدث مصادر مختلفة عن أن الملا عمر هو من يتماطل في التفاوض مع أمريكا وليس العكس كما هو معتاد.

أما القاعدة التي زعمت أنها قضت عليها وانتهت بمقتل أسامة بن لادن في باكستان، فقد خرج من رحمها تنظيم “داعش” الذي تحوّل إلى دولة لها خليفة يسيطر على منطقة تعادل ثلاثة أضعاف لبنان.

أما شأن القاعدة فقد تمدّدت في سوريا والظواهري أعلن مطلع سبتمبر/ أيلول الجاري حتى عن ميلاد فرع له في شبه الجزيرة الهندية.

أما في شمال أفريقيا فقد دعمت أمريكا النظام الجزائري في انقلابه عام 1992 الذي أدى إلى ظهور جماعات متشدّدة، وتحوّلت لاحقاً إلى تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” عام 2006، ثم أحيت هذا التنظيم الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة بفتح مستنقع جديد في ليبيا التي تعتبر معقلاً للمتشدّدين منذ سنوات طويلة، ووصل بها الحال للتحالف مع تنظيم “الجماعة الليبية المقاتلة” التي يتزعمها عبد الحكيم بلحاج المعروف من قبل بـ “عبد الله الصادق”، وهو أحد المتخرجين من سجون أمريكا، ومع آخرين كانوا مطلوبين أمريكياً بتهمة الإرهاب الدولي.

بل فتحت المجال لفرنسا بصفتها اللاعب الرئيس في شمال أفريقيا التي خاضت حرباً في شمال مالي بعد سيطرة تنظيم القاعدة عليه، وقبلها خاضت حرباً ضد القذافي التي صنعت ما هو أخطر من تنظيم القاعدة أصلاً، والآن تحضّر نفسها لحرب ثانية في ليبيا ضد تنظيمات متشدّدة صنعتها باريس بحربها تحت قبّة الناتو ضد الديكتاتور القذافي.

لا أحد طبعاً يمكنه أن يحاسب أمريكا على حروبها الفاشلة التي شنّتها في المنطقة لأجل اجتثاث الإرهاب، التي مكّنت له أكثر من ذي قبل، ليس لغباء كما قد يخيّل للبعض بل بسبق الإصرار والترصّد، وهذا لا يهمّها أصلاً مادامت جغرافيتها تبقى عذراء، وحتى حادثة 11 سبتمبر/ أيلول 2001 وما سبقها ولحقها من حوادث تحوم حولها شبهات كبيرة عن تسهيل استخباراتي من أجل أن تغزو أمريكا أفغانستان حتى تسيطر على نفط قزوين، وأيضاً كي تغزو العراق وتسيطر على خيراته.

وتصنع هذه الفوضى الطويلة الأمد في العالم الإسلامي المؤدية حتماً إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وفق ما خطّط له المحافظون الجدد.

الآن تستعدّ أمريكا لخوض حرب جديدة عبر تحالف دولي ضد “داعش” وطبعاً على حساب الدول العربية من حيث التكلفة المادية والبشرية التي ستكون باهظة، وبدل أن تساعد من قبلُ ثوار سوريا حاصرتهم ومنعت عنهم السلاح بأوامر للدول التي تسمي نفسها أصدقاء الشعب السوري، بل تدعم أنظمة مستبدة في العالم العربي والإسلامي التي تمارس شتى صنوف الظلم الذي لا ينتج غير التطرف والغلو ويساهم في صناعة الإرهاب، وعلى رأسهم نظام المالكي الذي صنعته ودعمته ووضعته فوق رؤوس العراقيين لخدمة طهران.

“داعش” لديها أنصارها بلا أدنى شك ويوجد من يكرهها في العالم الإسلامي بسبب منهجها التكفيري وتشدّدها وجرائمها أيضاً بحق المسلمين السنّة قبل غيرهم، ولكن بمجرد أن تحشد أمريكا قواتها ضدها سيتعاطف معها الكثيرون وبدل أن تنتهي ستتمدّد أفكارها، ولن نتأخر كثيراً ونرى “داعش” في ثوب جديد وبوحشية أكبر على رقعة جغرافية أوسع.

لقد كانت الجماعة الإسلامية الجهادية في مصر متشدّدة ويراها الناس في ذلك الوقت قد بلغت قمة الإجرام، ثم طوت صفحتها الجماعة الإسلامية المسلحة “الجيا” في الجزائر بوحشية أكبر، ولما ظهر تنظيم القاعدة صارت وحشية من سبقوه قليلة ورحيمة -إن صح التعبير -مقارنة مع ما تمارسه القاعدة.

ثم جاءت “داعش” حتى صار الكثيرون يتحدّثون عن اعتدال القاعدة والتي لم تصل وحشيتها إلى هذا الحدّ، وهكذا نرى أن الوحشية لدى الجماعات المتشدّدة تزداد ولا تنقص، كما أن عددهم يكبر ولا يتناقص رغم حروب أمريكا عليهم.

فإن كانت القاعدة لم تملك رقعة جغرافية سوى تلك التي كانت لها في ظل طالبان، فإن “داعش” صارت لديها بلاد تمتد من الموصل إلى الرقة ومساحة جغرافية كبيرة وقوات عسكرية ضخمة، وحتى عدد هائل من المقاتلين الذين قدموا من أوروبا والقارة الأمريكية من حيث تنطلق الحرب الاستخباراتية على “الإرهاب” وتتواجد مراكز القيادة العملياتية.

أين يا ترى حروب أمريكا وانتصاراتها المزعومة على الإرهاب؟

لقد نجحت الحركات الإسلامية المتتالية في جعل العداء الأمريكي للإسلام والمسلمين هو خبز الناس اليومي، وكلما تدخّلت أمريكا ضد جماعة ما ولو كانت ظالمة إلا وجعلت هذه النظرية تزداد شعبية وتتجذّر في العقول والقلوب، فبدل أن ينتهي المتشدّدون يزدادون تفريخاً وانتشاراً وقوة من خلال تغلغل فكرهم الذي لم يواجه بفكر مضاد.

وأكاد أجزم أن الولايات المتحدة لو تتدخّل ضد الشيطان لناصر المسلمون الشياطين عليها ليس حبّاً في الشيطان ولكن كرهاً لأمريكا، وهذا يتجلّى مع إيران التي رفعت شعارات وهمية معادية لها ولإسرائيل وبها اخترقت العالم الإسلامي ومكّنت لمشروعها الصفوي؛ لأنها أدركت طبيعة العداء القائم للأمريكان في المنطقة العربية.

وحتى جورج بوش نفسه عقب أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 طرح السؤال التالي: لماذا يكرهنا العالم؟ وجوابه أن الذين يكرهون أمريكا “يكرهون الحرية” وخاض لأجل هذه الحرية المزعومة حربين لا نهاية لهما لحد الآن.

إن المعالجة لقضية التشدّد في العالم الإسلامي يجب أن تكون فكرية وهو دور منوط بعلماء المسلمين والمفكرين والنخب الإسلامية والعربية وصنّاع القرار من خلال تجديد المنظومات التربوية خصوصاً.

ومحاربة هذه التنظيمات شأن داخلي فقط ويجب أن يبقى كذلك، وأي تدخل أجنبي سيخدم الغلاة والبغاة كثيراً.

والدول العظمى إن أرادت القضاء على الإرهاب بالفعل كما تدّعي فلتساعد شعوب المنطقة العربية في ذلك، من خلال تمكينها من تقرير مصيرها وفق ديمقراطية حقيقية تتماشى والقيم الإسلامية وليست تلك التي تأتي على ظهور الدبابات أو بغزو فكري للعقول، كما يجب ألا تتدخل في شؤونهم ولا تنهب ثرواتهم وتستبيح أرضهم وعرضهم لأجل مصالحها فقط، ولا تحوّل أنظمتهم إلى مجرّد بيادق تعبث بها كما تريد، مما يزيد في حجم الكراهية التي هي سبب هذه الحروب النجسة.

واهم من يعتقد أن أمريكا ستقضي على “داعش”، بل ستصنع بحربها الجديدة “دواعش” من طراز أبشع وبوحشية أكبر بكثير لن يتضرّر منها سوى العالم الإسلامي، مادام هناك هروب متعمّد وبسبق الإصرار والترصّد عن أصل القضية والمتمثّلة في الاستبداد والفساد الذي تمارسه الكثير من أنظمة الحكم العربية، فضلاً من دعم المجتمع الدولي للظالمين سواء في طهران أو تل أبيب على حساب مسلمين مستضعفين يقتلون ويبادون إن كانوا أقليات في بورما وأفريقيا الوسطى أو أغلبية في العراق وسوريا وفلسطين وغيرهم.

الخليج أونلاين – سبتمبر 2014

المصدر

Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom