أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: حدود اللعاب الإيراني!

2014/10/06

أنور مالك يكتب لـ

كتب الجنرال المتقاعد من المخابرات الأمريكية، رالف بيترز مقالاً في المجلة العسكرية المتخصّصة “آرمد فورسز جورنال” في عدد يونيو/حزيران 2006 جاء تحت عنوان “حدود الدم”، أظهر فيه تأثره البالغ بتصورات المستشرق برنارد لويس حول تقسيم العالم العربي والإسلامي مجدّداً.

مخطّطات التقسيم التي رافع لها الجنرال الأمريكي من أجل إنهاء العنف القائم في المنطقة جاءت عنصرية يناهضها الغرب في دياره ويدعمها في ديار غيره، حيث بناها على أسس دينية وعرقية بحتة، مما يفضح العقلية الغربية في تعاملها مع قضايا العرب والمسلمين، ويؤكد في الوقت نفسه مدى مساهمتها في إثارة هذه النعرات وفق رؤى مستقبلية لإنهاء الحدود على أسس جغرافية، لتبدأ مرحلة حدود العرق والدم.

إن ما جاء به الجنرال رالف لا يمكن أن نعدّه وثيقة رسمية تعبّر عن عقيدة “البنتاغون”، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن أن نتجاهل ذلك، وخصوصاً أن الرجل من أقطاب المخابرات الأمريكية، وبتصوراته هذا يعطي صورة عما يدور في أذهان دعاة الشرق الأوسط الجديد في دهاليز الاستخبارات التي تصنع السياسة الأمريكية في كل العالم مهما تغيّرت إدارات البيت الأبيض.

خريطة رالف للشرق الأوسط الجديد لا يمكن أن تتحقّق حسب رؤيته إلا بتفتيت السعودية إلى خمسة أقسام، أما عن مصير المقدسات الإسلامية في مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف، فيرى أنها موجودة تحت سيطرة الدولة السعودية التي وصفها بالقمعية و”يحكمها نظام يعتبر أحد أشد أنظمة العالم تطرفاً واضطهاداً” على حدّ تعبيره. وذهب أبعد من ذلك في مقاربته الغريبة جدّاً حيث دعا المسلمين لكي يتخيّلوا معه كم سيكون ملائماً حينما تدار شؤون مكة والمدينة من خلال مجلس تداولي يتكوّن من ممثّلين عن أكبر المدارس والحركات الإسلامية العالمية، ضمن دولة مقدّسة إسلامية كنموذج إسلامي ضخم على غرار الفاتيكان. أما بالنسبة للقدس الشريف فقد وصف القضية بأنها ذات التاريخ المخضّب بالدماء. وترك الحلّ في يد الأجيال القادمة، ودعا إلى صرف النظر عنها. السعودية التي محاها من الوجود لم يجرّدها من المقدسات الإسلامية فقط، بل ذهب إلى توزيع ثرواتها حيث منح حقول النفط الساحلية إلى الشيعة العرب؛ لأنها تقع في منطقتهم، والربع الجنوبي الغربي للسعودية سيذهب لليمن.

رغم تجاهله لمصير “المقدسات” الشيعية في العراق وإيران وحتى سوريا، إلا أنه تحدث عمّا سمّاه “الدولة الشيعية العربية” التي تشمل الجزء الجنوبي الغربي من إيران المعروف بالأحواز أو عربستان وأيضاً الجزء الشرقي من السعودية. والتي بدورها ستكسب المحافظات المحيطة بهرات في أفغانستان لأنها منطقة ترتبط بصلة وثيقة مع بلاد فارس تاريخيّاً ولغوياً، ومنه ستصبح إيران دولة للعرق الفارسي مجدّداً. كما أن الدولة الشيعية ستنضم لها بعض الإمارات من دولة الإمارات العربية المتحدة، مما يجعلها تسيطر على الخليج العربي. ورجّح الجنرال الأمريكي أن الدولة الشيعية العربية ستكون عامل توازن مقابل الدولة الفارسية، وهذا أكثر من احتمال أن تكون حليفاً لها.

هذا بعض مما جاء في هذا المقال المحشو بكثير من المغالطات والنيات القذرة لدى المحافظين الجدد، وما يهمّني في مقالي هي قضية “الدولة الشيعية العربية” وموقع إيران الاستراتيجي في ظل حدود الدم والعرق التي أراد الجنرال الأمريكي بسطها في مقالته التي صدرت عام 2006 قبل “الربيع العربي”.

إيران تنشر التشيّع لبسط نفوذها، ولن تقبل أبداً بوجود دولة شيعية عربية تكون مناكفة لها مهما كلّفها الأمر، كما أنه ليس من مخططاتها المستقبلية أن تكون دولة شيعية تسيطر على شيعة العالم. فهي تريد أن تحقق إمبراطورية فارسية تستعمل التشيّع مؤقتاً لتمدّدها وتدمير كيانات الدول العربية من خلال الحروب العرقية والدينية والطائفية التي تشعلها هنا وهناك، بدعم غربي واضح لتحطيم أي تطور إسلامي قد يهدّد النفوذ الغربي المتصاعد. وأجزم أن العالم الإسلامي لو كان شيعياً برمّته لاستعملت إيران السنّة لاختراقه، كما تفعل حالياً من خلال التشيّع الذي جعلته رأس الحربة في تمدّدها.

الملاحظ في تطوّرات المشروع الصفوي سيدرك حتماً أن السيطرة على المقدسات السنّية هي أهم هدف استراتيجي تعمل عليه إيران من خلال المدّ الشيعي القائم في العالم العربي، وهذا ما تلتقي فيه مع تصورات الجنرال الأمريكي الذي يريد أن تخرج المقدسات الإسلامية في مكة والمدينة من إطار الدولة السعودية، وأرادها تحت وصاية تداولية ستكون فاشلة حتماً مما يفرض تحويلها إلى الوصاية الدولية مستقبلاً.

تعمل إيران على أن يظل ولاء الشيعة العرب والمتشيّعين منهم لها وحدها فقط، وتبذل الكثير من الوقت والمال كي ترسّخ في المخيال الشيعي العربي أن طهران هي عاصمة الشيعة الوحيدة ولا يوجد غيرها حالياً أو لاحقاً في كل أرجاء العالم؛ وهذا من أجل تفادي نمو أي نزعة عربية بينهم للاستئثار ببناء دولة شيعية عربية تجرّدهم من سلاح التشيّع الذي يستعملونه لتفكيك اللحمة الدينية والقومية في العالم العربي والإسلامي، وهو الطريق الأقصر لإشعال الحروب الأهلية المدمّرة التي ستؤدي حتماً إلى تفتيت الأقطار العربية إلى كيانات على أسس عرقية ودينية، سيكون لها وافر الحظ ما دام الشيعة موجودين سواء كأقليات أو أعداد كبيرة، مما يتيح لهم صناعة كياناتهم المستقلة التي ستعود في النهاية إلى وصاية إيران، في إطار تقاسم الانتداب بين الصهاينة والصفويين والغرب.

أخطأ الجنرال الأمريكي عندما حاول أن يفرّق بين الدولة الفارسية والدولة الشيعية العربية؛ وذلك لما تجاهل أن اللعاب الإيراني بسط الأرضية التي تحول دون ميلاد أي دولة شيعية تكون مناكفة ومنافسة لها أو تخلق أي توازن مع إمبراطورية فارسية. حقيقة إيران تعمل على ميلاد كيانات شيعية في الدول العربية، ويخدمها لو تتحوّل هذه الكيانات إلى دويلات صغيرة لا تستطيع أن تقرّر مصيرها خارج إطار ولاية الفقيه التي رسمتها كخطّ ديني أحمر يحرّم تجاوزه في مشروعها التوسعي الفارسي.

ليس من صالح الدول العربية ميلاد دولة شيعية عربية والتي بذلك ستؤدي إلى تقسيم جديد للخريطة العربية، مما يعني اختفاء أنظمة وميلاد أخرى على أسس عرقية ودينية لا تملك أدنى مقومات القوة، ومرشحة لتقسيم آخر على أسس مذهبية وقبلية، وبذلك يتحقق ما تريده ثورة الخميني من تحطيم لقدرات الدول العربية وتفتيتها من الداخل.

المشروع الفارسي الصفوي يدرك يقيناً ويعمل لأجل ذلك، أنه لا يمكنه أن ينجح في بناء إمبراطوريته إلا بتمزيق كيانات الدول العربية، وأهم ما يدندن حوله هو تحطيم كيان الدولة السعودية ومحاولة الهيمنة على المقدسات الإسلامية سواء عبر تصور رالف على مقاس دولة الفاتيكان، أو بناء على مخططات إيران التي تريد بسط يدها على المقدسات الإسلامية سواء في مكة والمدينة أو حتى القدس، حيث إنها حضّرت نفسها لأجل ذلك من خلال شعار المقاومة والممانعة الذي تبنّته وصنعت له مليشيات مسلحة مثل “حزب الله” وغيره.

حدود الدم والعرق التي تعمل عليها إيران وفق منظور صهيوأمريكي في إطار تكامل الأدوار للحفاظ على المصالح القائمة، ليست سوى وسيلة عابرة لأجل تحقيق حدود اللعاب الذي يسيل من أفواه حكام إيران منذ انتصار ثورة الخميني عام 1979.

لن تمانع إيران في بناء دولة صهيونية تمتدّ من الفرات إلى النيل، بل تعمل لأجل ذلك من خلال مساهمتها في تدمير العراق وسوريا ولبنان، وستعمل على ذلك في مصر والأردن والسعودية أيضاً، ومقابل هذه المساهمة الكبيرة التي تقدّمها لتل أبيب ستمنح بدورها دولتها التي تمتدّ من طهران الإيرانية وتصل إلى وهران الجزائرية، مروراً ببيروت ودمشق والرياض والكويت وعمان والمنامة والقاهرة والرباط ونواكشوط وتونس وغيرها. لذلك ما يجري الآن في إطار الشرق الأوسط الجديد ليس كما نظّر له الجنرال الأمريكي عبر خريطته التي قسّم بها العالم الإسلامي، ودعا أمريكا إلى تبنّي ذلك حتى لا يكون الدم المسفوح في هذه المنطقة على حساب الأمريكيين على حدّ قوله. بل سيكون عبارة عن دولة إسرائيلية كبرى وفي المقابل دولة إيرانية فارسية عظمى، وأما العرب فسيتوزعون عبر كنتونات تحت وصاية أحد الطرفين. وهذا ليس مشروعاً إيرانياً فقط بل هو صهيوني أيضاً؛ حيث إنه في شهر فبراير/شباط 1982 نشرت مجلة “كيفونيم” وثيقة بعنوان “استراتيجية إسرائيلية للثمانينيات”، وفيها خطة كاملة لتفكيك العالم العربي وتقسيمه إلى دويلات صغيرة على أسس عرقية ودينية تلتقي في أمور كثيرة مع مقاربة الجنرال الأمريكي رالف.

كل المعطيات القائمة لحدّ الآن، من خلال ما يجري في سوريا والعراق ولبنان وليبيا، وما سيأتي لاحقاً في مصر والأردن، وما قد يأتي فيما بعد بالسعودية والجزائر لا قدّر الله، تؤكد أن الأمور لحدّ هذه اللحظة تسير في صالح دولة فارسية، رأت القوى الغربية أنها مصلحة استراتيجية تخدم الأمن الإسرائيلي، وتحافظ على مصالحها خصوصاً الاقتصادية إلى قرن آخر، يبدأ العدّ فيه سنة 2016 بعد مرور قرن كامل على اتفاقية سايس بيكو لعام 1916… وللحديث بقية.

الخليج أونلاين – أكتوبر 2014

المصدر

Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom