أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: درس من اسكتلندا إلى المملكة المغربية

2014/10/20

أنور مالك يكتب لـ

مما لا شكّ فيه أن الهزيمة التي مني بها دعاة الانفصال باسكتلندا في استفتاء 18 سبتمبر/ أيلول الماضي، سيبقى درساً ديمقراطياً مهماً للغاية نجحت فيه بريطانيا إلى أبعد حدود. ولا شك أن أول من سيتلقّى هذا الدرس الديمقراطي والحقوقي والحضاري في العالم العربي هو النظام المغربي الذي ما يزال يهرب إلى الأمام في معالجة القضية الصحراوية التي يتواجد بسببها أكثر من 100 ألف مواطن بمخيمات لجوء في تندوف الجزائرية منذ أكثر من ثلاثين عاماً، في ظروف إنسانية صعبة للغاية لا يمكن وصفها.

(1)

توجد اختلافات عديدة بين الصحراء الغربية واسكتلندا، حيث إن الصحراويين ومن يعترفون بالجمهورية العربية الصحراوية، يرون أن الصحراء لم تكن يوماً مغربية، وإن المغرب سيطر عليها في إطار احتلال كامل الأركان عام 1975 عبر غزو عسكري سمّاه الملك الراحل الحسن الثاني بـ “المسيرة الخضراء”، كما أن القضية الصحراوية مطروحة منذ سنوات على لجنة تصفية الاستعمار في الأمم المتحدة. أما الشعب الاسكتلندي فعكس ذلك تماماً لأن بلاده كانت مملكة مستقلة حتى 01 مايو/ أيار 1707، حيث تمّ إقرار قانون اتّحدت بموجبه كل من إنجلترا واسكتلندا فيما يعرف حالياً بالمملكة البريطانية العظمى. إنجلترا لم تحتل اسكتلندا ولا العكس، بل حدثت بينهما وحدة بكل سيادة من الطرفين. في حين المغرب يرى نفسه أنه استعاد الصحراء الغربية، والصحراويون يرونه احتلالاً وحملوا السلاح ضده، كما أن الملك الراحل الحسن الثاني وصل به الحال إلى اقتسام الصحراء الغربية مع موريتانيا رغم أنه يراها أرضه، وعرض أن يعطي بعضاً منها للجزائر في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين الذي رفض ذلك رفضاً قاطعاً. وبعد ضربات الجيش الصحراوي اضطرت موريتانيا عام 1979 للتخلّي عن المناطق التي مُنحت لها، فلجأ المغرب مجدّداً إلى استعادة جزء منها والجزء الآخر تحت السيادة الصحراوية. ولذلك قضية اسكتلندا تتعلق بفك الوحدة بين بلدين، في حين أن القضية الصحراوية ليست كذلك رغم محاولات المغرب الالتفاف عليها بكل الوسائل المتاحة.

(2)

المغرب يرفض استفتاء تقرير المصير، وهو الأمر الذي قبلته بريطانيا في اسكتلندا وبروح ديمقراطية عالية أدّت إلى فشل دعاة الانفصال الذين اعترفوا بهزيمتهم، لتتواصل الوحدة تحت كيان مملكة بريطانيا العظمى.

السؤال المهم الذي يطرح نفسه بشدة:

لماذا لم يلجأ المغرب إلى استفتاء تقرير المصير حتى ينهي القضية بصفة نهائية ما دام يعتقد أن كل الصحراويين يؤمنون بمغربيتهم والقضية مجرد مؤامرة جزائرية؟

الجواب يتكون من ثلاثة أوجه:

الأول: المغرب يرفض الاستفتاء على أرض يراها أرضه التي لن يتنازل عنها رغم أنه اقتسمها من قبل مع موريتانيا في ظروف مشبوهة. وهنا السؤال يطرح نفسه بشدة، ترى لماذا قبل بمخطط التسوية لتنظيم استفتاء تقرير المصير والذي بدأ بوقف إطلاق النار الذي جرى في 06 سبتمبر/ أيلول 1991؟

في هذه الحالة يبدو أن المغرب كان لا يهمّه من مخطط التسوية سوى وقف إطلاق النار، حيث إن الجيش المغربي عانى أثناء الحرب مع البوليساريو، وقد حدّثني ضباط مغاربة أن اتفاقية توقيف القتال عام 1991 التي دعّمتها الجزائر قد أنقذت الجيش المغربي في الصحراء الغربية من الانهيار والتفكّك، حيث كان الجيش يتعرّض لضربات قاتلة أدّت إلى فرار العسكريين من وحداتهم. من المفروض أن معاهدة وقف إطلاق النار ستؤدّي إلى استفتاء تقرير المصير، غير أن المغرب تراجع في ذلك وراح يتلاعب بالقضية وحتى بالأمم المتحدة نفسها، ويشتري دعم كيانات دولية بثروات صحراوية.

الثاني: المغرب يريد ربح الوقت للاستفادة أكثر من خيرات الإقليم الصحراوي، وجعل عامل الزمن يفرض منطق الأمر الواقع، ولذلك تقدّم بمشروع الحكم الذاتي الذي لم يقبل به الصحراويون وأصرّوا على استفتاء تقرير المصير، لأن مبادرة الملك محمد السادس ليست واقعية ولا يمكن تنفيذها، ويرونها مجرّد محاولات بائسة للالتفاف على استفتاء تقرير المصير الذي تدعمه الأمم المتحدة من خلال بعثتها “المينورسو” التي جاءت لتنظيم استفتاء في الصحراء الغربية، وهو الأمر الذي يتخوّف منه المغرب كثيراً، رغم أنه قام بتوطين مغاربة في المناطق الصحراوية، وتلاعب بالوعاء السكاني والتراث التاريخي، وحاول بالمال شراء ذمم بعض الصحراويين من القبائل، وقد نجح مع بعضهم بلا شك وفشل مع الأغلبية الساحقة منهم.

الثالث: المغرب يتخوّف من نتائج الاستفتاء التي ستكون لصالح استقلال الصحراء الغربية، وأن النظام يمتلك معطيات جعلته يعرف النتيجة مسبقاً. وفي هذا السياق نذكر أن الصحراويين قبلوا أن يتكوّن سؤال تقرير مصيرهم من ثلاثة أجوبة، وهي الانضمام للمغرب، أو قبول الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، أو الاستقلال التام، ويظهر وجود احتمالين لصالح المغرب واحتمال واحد لصالح جبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب “البوليساريو” المعترف بها دولياً كممثل شرعي ووحيد للشعب الصحراوي. إلا أن المغرب رفض ذلك رفضاً قاطعاً، ويصرّ على رؤيته الأحادية القاضية بأن الصحراء الغربية هي مغربية ويجرّم أي طرح خارج هذه الإطار.

أذكر في هذه الحالة زيارتي التاريخية التي قمت بها إلى مدينة الداخلة في يوليو/ تموز 2010 والتقيت حينها بصحراويين من سكان المدينة والبدو الرحّل في الصحراء، تفاجأت بحجم الكذب الذي كانت تمارسه وسائل الإعلام المغربية وقد كنت أحد ضحاياها في بعض الأمور، لقد وجدت الصحراويين لا يؤمنون إلا بتقرير مصيرهم، ووقفت حينها على الفشل الذريع الذي مني به المغرب رغم ما بذله من مال وجهد لمسح الهوية الصحراوية واستبدالها بهوية مغربية. وأذكر في هذا السياق على سبيل المثال أنني زرت عائلة من البدو الرحّل، ولما دخلت الخيمة لم أجد عندهم إلا راديو ويستقبلون من خلاله القنوات الإذاعية المغربية فقط، ورغم أنني الجزائري الوحيد الذي التقوه في حياتهم كما أخبروني، وأنهم لا يطالعون الصحف وما دخلوا المدارس أصلاً، لكن عندما سألتهم عن هويتهم ردوا بأنهم من الصحراويين وليسوا مغاربة ولن يكونوا كذلك أبداً، وهذا يؤكد أن الهوية الصحراوية ليست مكتسبة أو أنها مؤامرة من المخابرات الجزائرية كما يدّعي المغرب، بل تجري في عروق الصحراويين كمجرى الدم.

المغرب يتفادى الاستفتاء لأنه على يقين أن الصحراويين سيرفضون الانضمام إليه، فكل المعطيات الاستخباراتية عنده تؤكد هذه الحقيقة، ومشروع الملك في الصحراء فشل فشلاً ذريعاً في شراء الذمم وتغيير منطق التفكير الصحراوي عبر الأجيال الصاعدة رغم أنه يمارس في المدارس كل ما يخدم أطروحته حول “مغربية” الصحراء.

(3)

لقد بذل المغرب الكثير لتشويه جبهة البوليساريو واتهمها بالإرهاب والارتزاق والعمالة والخيانة العظمى، ولكنني وجدت الصحراويين لما زرتهم في الداخلة وحتى آسا يلتفون من حولها ولا يختلفون مع هذه الجبهة، ومن يختلف معها ليس بسبب النزعة الانفصالية أو تهم الإرهاب كما يزعم المغرب، بل إنهم يطالبونها بالعودة مجدّداً إلى الكفاح المسلح من أجل تحرير أرضهم من الاحتلال المغربي الذي لا خلاف بينهم في شأنه. طبعاً لم يفلح المغرب في ذلك، والجبهة التي يتّهمها تعترف بها هيئات دولية كالأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وتعترف بها أيضاً عدة دول، كما أنها تفاوض المملكة المغربية تحت رعاية موفد الأمم المتحدة منذ سنوات. حتى صارت تهمة الإرهاب سخيفة جداً والاهتمام بها ومناقشتها من السخف أيضاً وهذا ما دفعني في آخر مشاركة لي ببرنامج “الاتجاه المعاكس” على قناة الجزيرة الفضائية إلى تجاهل ادعاءات المناظر المصري.

إن فقدان المغرب للصحراء الغربية يعني فقدان الكثير من الثروات المعدنية والنفطية والسمكية وغيرها، وإن لجأ إلى حلّها فهو بذلك سيفقد وسيلة يستغلّها في الداخل بعد فشل مشاريع النظام في تسيير الشأن العام، حتى بدأ يتصاعد في صمت شأن حلّ الملكية والذهاب لجمهورية جديدة ينتقل فيها المغاربة من مرحلة رعايا الملك إلى المواطنين الذين يتمتّعون بكامل حقوقهم في المواطنة والإنسانية أيضاً.

لو لجأ المغرب للاستفتاء وتمكّن من الفوز فيه وتتحوّل الصحراء الغربية إلى مغربية وفق آلية ديمقراطية ترعاها الأمم المتحدة، فإنه بذلك سينهي الصراع ويدخل مرحلة جديدة، ولكن النظام المغربي ليس غبيّاً فهو يدرك تمام الإدراك أن الاستفتاء لن يكون في صالحه، رغم أنه حكم الصحراويين منذ 1975 ولم يفلح في محو صحراويتهم، بل ظلوا يؤمنون بدولتهم التي ليست مغربية بل هي صحراوية، ومن حقهم أن يقرروا مصيرهم ككل شعوب العالم، وهذا ما لمسه الكثير من المتابعين المستقلّين للقضية.

(4)

الدرس الاسكتلندي سيكون مزعجاً في كل الحالات للنظام المغربي الذي لا يزال يواصل انتهاكاته الجسيمة لحقوق الإنسان في الصحراء الغربية، وصلت حدّ بناء جدار تمييز عنصري على الطريقة الصهيونية، رغم أن القضية تحت رعاية الأمم المتحدة التي فشلت في توسيع مهام بعثتها “المينورسو” بسبب الدعم الفرنسي خصوصاً للجانب المغربي. وللأسف الشديد، تحوّلت القضية الصحراوية إلى مصدر تجاري لأطراف كثيرة سواء كانت عربية أو غربية، ولذلك يجب تحقيق حلّ عادل لهذه القضية التي أرهقت كاهل دول المغرب العربي الكبير، وللأسف الشديد بدل أن تكون هناك وحدة حقيقية تواجه التحديات، لا يزال الشعب الصحراوي مضطهداً في حقوقه وإنسانيته من قبل دولة جارة تربطها بالصحراويين قواسم مشتركة كثيرة، لو تم استغلالها على الوجه الصحيح لكانت مصدر وحدة مغاربية فعالة وقوية.

(5)

النظام المغربي الذي يرفض استفتاء تقرير المصير في الصحراء الغربية خوفاً من النتيجة المؤكدة التي لن تكون في صالحه كما ذكرنا سابقاً، لم يتجرّأ أيضاً أن يطالب إسبانيا بإجراء استفتاء تقرير مصير في مدينتي سبتة ومليلة المحتلّتين. ومن خلال متابعتي للأمر وجدت أن المغرب يرفض المغامرة أيضاً لأن لديه معطيات من خلال عمليات سبر آراء سرية قامت بها أجهزته حسبما كشفته لي مصادر متعددة، حتى صار القصر الملكي على يقين تام أن المغاربة لو يخيّرهم المجتمع الدولي بين المغرب أو إسبانيا سيختارون إسبانيا بأغلبية كبيرة. وهذا الذي يدفع النظام المغربي إلى عدم التجرؤ على المطالبة بذلك، كما أنه لم يقم بأيّ مبادرة فعلية لتحرير أرضه الثابت تاريخياً أنها تحت الاحتلال، في حين تجد كل جهوده منصبّة حصرياً على الصحراء الغربية.

(6)

البعض سيتّهمنا بلا شكّ أننا نحلب في إناء النظام الجزائري وهذا غير صحيح، بل نحمّله كذلك مسؤولية استمرار المأساة الصحراوية لما استعمل قضيتها العادلة في صراعه مع النظام المغربي وحتى تخدير الجزائريين بمعارك خارجية. ويوجد من سيتّهمنا أيضاً أننا من دعاة التفتيت والتقسيم بسبب مفاهيم خاطئة وجهل مفضوح لحقيقة القضية الصحراوية التي ليست جزءاً من المملكة المغربية بل هي كيان مستقل حرّر نفسه من الاستعمار الإسباني ولم يساهم العرش العلوي في الرباط ولو بإطلاق رصاصة واحدة لأجل ذلك. كما أن الكثيرين لا يفرّقون تاريخياً بين حاضر دول المنطقة المغاربية التي تتكوّن من ست دول، وماضيها حيث كانت في القرون الوسطى تسمى بلاد المغرب وهي مقسمة إلى المغرب الأقصى الذي هو المملكة المغربية الحالية والمغرب الأوسط الذي هو الجزائر حالياً والمغرب الأدنى الذي هو تونس الحالية، وهذا هو الوتر الذي يعزف عليه النظام المغربي في تعامله مع الشأن الصحراوي أو حتى مع الجزائر حيث لديه أطماعه في ترابها أو ما يسمّيها بـ “الصحراء الشرقية”!

كما أن الوحدة المغاربية لا يمكن أن تأتي من دون حلّ جذري لهذه القضايا الخطيرة مثل الصحراء الغربية، التي تحوّلت إلى نزيف حقيقي في قلب منطقة شمالي أفريقيا، ولا من طرف أنظمة مستبدّة أو ظالمة، بل يجب أن تتحرّر كل الشعوب من هيمنة هؤلاء الحكام وتقرّر مصيرها، وبعدها ستتّجه الشعوب إلى الوحدة الحقيقية وليست الوهمية التي يتغنّى بها حكام فاسدون من أمثال الطغمة العسكرية في الجزائر أو نظام المخزن في المغرب.

للأسف، النظام المغربي يتغنّى بالوحدة المغاربية عندما يتعلّق الأمر بالصحراء الغربية فقط، وهو لن يتنازل عن عرشه لأجل هذه الوحدة المزعومة التي يريدها فقط تحت حكم العرش العلوي التوسّعي على حساب الدول المغاربية الأخرى التي بينها من اعتدى عليها. الأمر نفسه بالنسبة للجزائر التي تدّعي مساندة الشعب الصحراوي في تقرير مصيره والشعب الجزائري بحدّ ذاته يحتاج إلى هذا الأمر كي يتحرّر من طغمة فاسدة عاثت في البلاد فساداً واستبداداً… وللحديث بقية.

المصدر

الخليج أونلاين – أكتوبر 2014

Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom