أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: مستنقعات استخباراتية لحرق شباب المسلمين!

2014/10/20

أنور مالك يكتب لـ

في كل فترة لا تتجاوز العشر سنوات –غالباً- تظهر بؤرة نزاع جديدة في العالم الإسلامي تكمّل دور البؤر التي سبقتها، وتؤدي دائماً إلى مقتل الآلاف من المسلمين وتدمّر وطناً من الأوطان. كما أنها تتحوّل إلى محرقة حقيقية للشباب الملتزم والمتدين خاصة الذي تحمله عواطفه الدينية والإنسانية الجياشة لنصرة مضطهدين تجاهلهم العالم متعمّداً، وتركهم بين مخالب وحشية لا تعرف من الحياة إلا مضغ لحوم البشر الأحياء عموماً والمسلمين بصفة أخص.

القضية ليست بريئة أبداً كما يخيّل للبعض ولا هي عابرة أو تخضع للصدفة كما يراها آخرون، بل هي معدّة سلفاً ومدروسة بمنتهى الدقّة في مراكز استراتيجية واستخباراتية، ومن طرف جهات لها سلطة صناعة القرار في العالم رأت من مصلحتها الأساسية والمصيرية وجود مثل هذه المستنقعات خارج جغرافيتها تغرق فيها أجيال من شباب المسلمين، وبذلك تكون جهود سنوات طويلة ومضنية من التربية الأسرية والتعليم الديني والوطني لأجل بناء الإنسان النافع لوطنه وأمته ذهبت أدراج الرياح في لحظات انتحارية أكثر من أيّ شيء آخر.

بحكم متابعتي لهذا الأمر والبحث في أغواره، وجدته مجرد مسلسل استخباراتي التقت على مائدته عدة أجهزة غربية وعربية، لأجل تحقيق أهداف بينها المعلنة وأخطرها تلك المبطنة التي تتعلق أساساً بمستقبل العالم الإسلامي صحوته الإسلامية، والتي صارت تهدّد المدّ الإيراني وفي الوقت نفسه تشكّل تهديداً واضح المعالم لمصالح القوى العظمى في البلاد العربية التي تستنزف خيراتها في وضح النهار على حساب شعوب ترزح تحت الفقر والتهميش.

ما وراء المستنقع الأفغاني

نذكر في هذا السياق أفغانستان التي تحوّلت إلى قبلة لشباب الصحوة الإسلامية من كل العالم العربي والإسلامي خلال الثمانينات، وجاء ذلك تحت الرعاية الأمريكية مباشرة وبدعم واضح لا التباس فيه ولا خلاف عليه بين اثنين، وقد أجمع حينها المحلّلون والباحثون أن الحرب في أفغانستان هي وجه ساخن للحرب الباردة بين الروس والأمريكان. وطبعاً جاء ذلك بمساعدة الكثير من أجهزة الاستخبارات العربية، وقد وجد الجميع ضالّتهم في تحرير أفغانستان من الاحتلال السوفييتي الذي أرادت أمريكا تفكيكه كي تنهي عهد الثنائية القطبية وتتوّج نفسها القوة العظمى ذات الهيمنة المطلقة في هذا العالم.

أذكر أن التبرعات للمجاهدين الأفغان كانت تجمع في المساجد العربية وبقلب كبرى عواصم ومدن العالم وعلى رأسها نيويورك وواشنطن، وكان الناشطون في هذا المجال يستقبلون بلا أدنى حرج في الولايات المتحدة الأمريكية وهم بلحاهم الكثّة وزيّهم الأفغاني، وكل صحف العالم تسمّيهم “المجاهدين” ولم نسمع حينها لا بالإسلام السياسي ولا المتطرفين ولا الإرهابيين ولا الخوارج ولا الغلاة. وكانت في كل الدول العربية تتواجد كالفطر مكاتب للتجنيد وأغلبها تابعة لجماعة الإخوان المسلمين وبعض التيارات الأخرى، وكل من يجري تجنيدهم يتلقون تدريبات في دول عربية أو غربية، ومنها يحملون على السريع إلى كراتشي وبيشاور الباكستانية ثم يلتحقون بكتائب الشيخ عبد الله عزام ومعه أسامة بن لادن.

التجربة الجزائرية مع الأفغان العرب

في 1997 أعددت دراسة أكاديمية عن الأفغان الجزائريين في إطار عملي كمحافظ سياسي بالجيش الوطني الشعبي، ومن خلال الوثائق والملفات السرية التي اطلعت عليها من أرشيف الجيش الجزائري، تفاجأت بهول ما قرأت، فقد كانت جهات من الحركة الإسلامية وبتسهيلات من المخابرات الجزائرية تقوم بالتجنيد لصالح أفغانستان بل وصل الحال حدّ المتاجرة بشباب ملتزم، حيث ينشطون في المساجد ويستغلّون كل من يرون عواطفه جيّاشة ومتحمّساً ومتأثراً بما يجري في أفغانستان. كما يجري توزيع منشورات ومجلات فيها صور فظيعة لضحايا الجيش السوفياتي، وأيضاً إغراءات أخرى تتحدّث عن بطولات وكرامات المجاهدين، وكان كتاب الشيخ عزام “آيات الرحمن في جهاد الأفغان” يدفع الشباب إلى بيع ما يملكون من أجل نيل تلك المكرمات التي أبدع عزام في تصويرها وساهمت جهات ما في الترويج إليها رغم أن وسائل التواصل كانت تقليدية وليست كما هو حالها الآن.

المخابرات الجزائرية التي كانت تتابع كل كبيرة وصغيرة في المساجد صارت لا تهتمّ بكل ذلك التحريض “الجهادي” الذي يمارسه أقطاب الحركات الإسلامية من أجل دعم الأفغان، بل كانت على علم تام أن كل شخص يجري تجنيده صار يباع لجهات ما بحوالي 3000 دولار أمريكي في ذلك الوقت، وجزء منه يدخل إلى حسابات المكلفين بالتجنيد من دعاة وناشطين. لكن الأمن الجزائري ومخابراته لم يتحرّكوا لوقف هذا النزيف الذي يستهدف الجزائريين ومنهم من لم يبلغوا حتى سن الرشد، وكل ما يهمّ حينها أن الحركة الإسلامية تنحصر في إطار دعم الجهاد الأفغاني ما دام السيّد الأمريكي أراد ذلك، رغم أن الجزائر تحسب على المعسكر الشرقي ولديها علاقات وثيقة مع السوفييت.

كما أنني اكتشفت أن الذين لعبوا دورهم في مهمّة دعم جهاد الأفغان بتجنيد الطاقات البشرية، بينهم من صارت لهم مناصبهم العليا كوزراء في عدة حكومات متعاقبة مثل وزير الدولة الأسبق بوقرة سلطاني، وهو أحد أقطاب إخوان الجزائر. أما رفيق دربه في مكتب قسنطينة “عاصمة الشرق الجزائري” لتجنيد الأفغان فريد عشّي المدعو “أبو ريحانة” فقد التحق بتنظيم الجماعة الإسلامية المسلحة “الجيا” وصار ضابطها الشرعي في عهد أميرها الدموي جمال زيتوني، وتمّ القضاء عليه لاحقاً من طرف قوات الأمن في الوقت الذي فيه زميله سلطاني عضواً في الحكومة برتبة كاتب دولة.

ضباط مخابرات صاروا رموز الجهاد!

وجدتُّ ضباط مخابرات أرسلوا بهويات مستعارة إلى باكستان وأفغانستان، بينهم من صار من أقطاب جماعة الهجرة والتكفير، وقد لعبوا أدواراً قذرة في توريط الشباب لاحقاً إبان الحرب الأهلية الجزائرية، ولما انتهت مهمتهم عادوا إلى ثكناتهم مجدّداً وبينهم من سهل لهم المغادرة للخارج والعيش في الظل بعيداً عن أي ظهور. كما أنه يوجد من اختفوا نهائياً مثل المدعو أحمد بوعمرة الذي كان يحمل رتبة نقيب في المخابرات وأرسل إلى أفغانستان ثم عاد عام 1991 للجزائر، فاعتقل ثم أطلق سراحه بأمر من الجنرال محمد مدين المدعو توفيق الرجل الأول في جهاز المخابرات الجزائري على مدار أكثر من عشرين عاماً. أصبح بوعمرة بعد الإفراج عنه أحد الناشطين البارزين في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وبعدها قبض عليه وأودع السجن العسكري في البليدة ثم اختفى منه عام 1995، ولم يظهر له أي أثر ليومنا هذا، وذهبت بعض المصادر إلى أنه تمت تصفيته بعد اختطافه من السجن الأكثر حصانة في الجزائر. حدث كل ذلك في حين لا يزال أتباعهم يعدونهم من شهداء الجهاد ولا يعلمون أنهم كانوا يقدسون ضباط مخابرات بهويات مزيفة فقط جرى تدريبهم تدريباً احترافياً واستخباراتياً في فرنسا ودول أخرى.

الأفغان العرب من مجاهدين إلى جهاديين

بعدما تحرّرت أفغانستان من الاحتلال السوفييتي عام 1989 وأرادت أن تكمل أمريكا مهمّتها الأساسية في السيطرة على نفط بحر قزوين وتضع يدها العسكرية على تلك المنطقة الاستراتيجية، تحوّل فجأة المجاهدون العرب إلى مجرّد جهاديين غير مرغوب فيهم، وتعمل الأجهزة الأمنية التي صنعتهم على مطاردتهم لتفكيك وجودهم نهائياً، غير أن المخابرات الأمريكية كانت بحاجة إلى مستنقع في دولة عربية يتورط فيه هؤلاء، فأوعزت إلى جنرالات الجزائر كي يعفّنوا وضع البلاد من خلال مواجهة دموية مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وكان لها ما تريد بسبب غباء من أنصار الجبهة وبعض قادتها ممن حسبوا أن خيوط اللعبة كلها بين أيديهم من خلال شعبيتهم الجارفة، ولا يعلمون أنهم مجرد بيادق في لعبة أكثر منهم بكثير. وهكذا ظهرت للوجود بؤرة نزاع جديدة، الطرف فيها مؤسسة عسكرية رسمية وجماعات من شباب الصحوة الإسلامية الذين بينهم من شاركوا في الحرب الأفغانية السوفييتية.

في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 1990 شهدت الجزائر أول عملية عسكرية استهدفت ثكنة قمار بولاية وادي سوف، أي قبل الانتخابات البرلمانية التي جرت في 26 ديسمبر/ كانون الأول 1991 وجرى توقيفها والانقلاب عليها في 11 يناير/ كانون الثاني 1992. وروجت حينها وسائل الإعلام الجزائرية والدولية لشخص يدعي الطيب الأفغاني واسمه الحقيقي مسعودي عيسى بصفته قائد العملية، ولم تكن المرة الأولى التي يجري الحديث فيها عن الأفغان فخلال نشاط الجبهة الإسلامية للإنقاذ كثر الحديث عنهم من خلال مظاهر اللباس الأفغاني الذي يتميز به عناصر الحزب وحتى ما سمّوها بـ “الشرطة الإسلامية” التي كانت تتحرّك خصوصاً في العاصمة وتحاول فرض الحياة الإسلامية بالعصا الغليظة والعنف. الغريب فيما يخص الطيب الأفغاني أنه في مطلع 1990 حضرت له محاضرة في الجامعة عن الجهاد الأفغاني وجمع التبرعات من الطلبة وحتى الطالبات اللواتي لم يترددن في التبرّع بحليهن الذهبية لمساعدة الجهاد الأفغاني، وحدث ذلك وجامعة أم البواقي “شرقي الجزائر” تحت عيون جهاز المخابرات.

بعد الطيب الأفغاني ظهر جعفر الأفغاني كأمير للجماعة الإسلامية المسلحة “الجيا” التي كانت أكثر دموية ولا يشبهها إلا تنظيم “داعش” حالياً، وتناولت وسائل الإعلام شأن الأفغان الجزائريين ونسبت لهم الكثير جداً من المجازر والتفجيرات والعمليات ضد العسكر والمدنيين، وكل عملية تحدث إلا وتسمع بأن فلان الأفغاني هو من يقف خلفها. وقد التقيت في السجن بعدة أسماء ذكرت في التسعينات بأنها تقف خلف عدة عمليات إرهابية وهي لم تدخل الجزائر أصلاً بل حتى لما عادت للبلاد كانت ضمن عملية تسليم من دول أجنبية، وتفاجأت أكثر أنهم ضد التوجهات التكفيرية والدموية لتنظيم “الجيا” وتعرضوا بسبب ذلك لمضايقات لا تحصى ولا تعد.

طاردت الجزائر كل من شارك في الجهاد الأفغاني الذي تجاوز عددهم 3500 شخصاً حسب إحصائيات جهاز المخابرات الجزائرية، في حين تجاهلت الرؤوس التي كانت تدير مكاتب التجنيد ممن صاروا وزراء وشركاء في نظام الحكم عبر أحزاب إسلامية معترف بها.

بعد حملة الجزائر التي أدت إلى قتل الكثيرين من الأفغان الجزائريين واعتقال آخرين في سجون العالم، واستمرت لعدة سنوات ركّز فيها الإعلام الدولي على الأفغان العرب وشبكاتهم وتشعباتهم، حتى غرسوا في المخيال العام أن هؤلاء مصدر كل الشرور التي تحدث، وأنهم يشكلون خطراً على البشرية وأبرزت صور المجازر القذرة التي حدثت في بعض المدن الجزائرية.

انتهت مهمة المستنقع الجزائري وبدأ النظام مرحلة مصالحة وطنية مع هذه التنظيمات المسلحة، وبعد قانون الرحمة في عهد الرئيس اليمين زروال، جاء قانون الوئام المدني وأصدر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عام 2000 أول، عفو حيث نزل من الجبال أكثر من 7000 مسلح وسلّموا أنفسهم لمصالح الأمن. وبعدها بأشهر معدودة حدثت عملية المدمرة كول في اليمن التي أدت إلى مقتل 17 جندياً أمريكياً، لتبدأ أمريكا مرحلة فعلية مع أسامة بن لادن بعد تراكم سلسلة من العمليات التي استهدفتها مثل فندق موفنبيك عام 1992 بعدن، وتفجير السفارات الأمريكية في نيروبي ودار السلام عام 1998. وبذلك افتتحت واشنطن بنفسها مرحلة أخرى مع من صارت تسميهم الجهاديين أو الإرهابيين بعدما كانوا مجاهدين ومتطوعين وناشطين يجمعون التبرعات أمام البيت الأبيض وينامون في فنادق فاخرة تحت رعاية المخابرات الأمريكية… فترى الدور على من بعد مستنقع أفغانستان؟

الجواب في المقال القادم.. ترقبوه.

المصدر

الخليج أونلاين – أكتوبر 2014

Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom