أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: أنقذوا شباب المسلمين من المستنقعات الجهادية!

2014/11/14

أنور مالك يكتب لـ “الخليج أونلاين”: أنقذوا شباب المسلمين من المستنقعات الجهادية!

بعد أفغانستان التي كانت بداية تنفيذية لما سمي بالحرب على الإرهاب، جاء دور مستنقع جديد في الصومال، حيث هرب إليه بعض الأفغان العرب وشكلوا هناك تنظيمات صارت مطلوبة أمريكياً ودولياً، وتحول إلى مستنقع ما يزال يدفع ثمنه الشعب الصومالي إلى الآن. وهذا لا يعني مطلقاً أن هؤلاء الأفغان العرب مجرد ضحايا أو أنهم أبرياء، بل بينهم من تورط في أعمال إرهابية وآخرون كانوا مستعملين، وبينهم بلا شك من راحوا ضحية حسابات استخباراتية كانت أكبر من عقولهم.

ثم جاء دور البوسنة والهرسك، حيث هبّ الشباب الإسلامي باندفاع والتحقوا بهذا البلد المنكوب للدفاع عن مسلمين يذبحهم الصرب في مجازر وحشية لم يسبق لها مثيل في ذلك الوقت، ولكن أمراء المجاهدين العرب كانوا أذكياء فقد تعلموا من تجارب سابقة، ولم تفلح أمريكا إلى أن تحوّلهم إلى مجرد أدوات في مستنقع جديد، وهذا بفضل تفاديهم لتشكيل تنظيمات خاصة بهم، بل كانوا مجرد كتيبة في جيش البوسنة، ولما توقفت الحرب عادوا لحياتهم العادية.

رغم كل ذلك، إلا أنهم بعد رحيل الرئيس علي عزت بيغوفيتش حاولت الحكومة الجديدة أن تستعملهم كحصان طروادة أو كبش فداء في إطار تقاربها مع الولايات المتحدة، حيث طاردتهم بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 وبينهم من سلمتهم إلى أمريكا وقضوا سنوات في سجن غوانتانامو، وثبتت براءتهم مما نسب إليهم من اتهامات. كما يوجد من سلّمتهم السلطات البوسنية إلى بلادهم الأصلية، حيث عذّبوا وسجنوا عدة سنوات، وآخرون تمكّنوا من الفرار نحو أوروبا حيث صاروا لاجئين سياسيين.

من أفغانستان إلى “داعش”

غزت أمريكا أفغانستان في 2002 على خلفية أحداث منهاتن في 11 سبتمبر/ أيلول 2001 التي تبناها أسامة بن لادن، وبغباء كبير رفضه حسب بعض المصادر الملا عمر، الذي كان يريد ضرب إسرائيل في عقر دارها لكسب ودّ العالم الإسلامي بدل أمريكا التي ستتحول إلى غول لن يكون في صالح طالبان ولا القاعدة. والحقيقة أن هذه الحادثة التي هزّت العالم ما تزال تحيط بها الشبهات من كل جانب، وفي أقل الأحوال توجد حيثيات تفيد أن المخابرات الأمريكية سهّلت للمنفذين النجاح في عمليتهم والتي اتخذتها ذريعة في الحرب على العالمية على ما سمته بالإرهاب، طاردت فيها من صنعتهم بنفسها في أفغانستان، وهذا ما جاء على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلنتون، التي تحدثت قائلة: “إن الذين نقاتلهم اليوم نحن أوجدناهم منذ عشرين عاماً وفعلنا ذلك لأننا كنا عالقين في نضال ضد الاتحاد السوفييتي الذين غزوا أفغانستان ونحن لا نريد أن نراهم يسيطرون على آسيا الوسطى”، وهذا يكفي رسمياً على أن أمريكا تحارب من تصنعهم أو تستغلّهم لتحقيق مصالحها ولما ينتهي دورهم تشيطنهم، فكما طاردت الأفغان العرب ستطارد غيرهم بعد صناعتهم عبر مستنقعات تظهر عبر بؤر نزاع تأتي بالخراب على العالم الإسلامي.

بغزو أفغانستان، أكملت أمريكا الفصل الأول من سيناريو بدأته مع الاحتلال السوفياتي الذي تفكك بعد هزيمته وتحول إلى عدة دول، وهذا ما كانت تهدف له واشنطن. بعدها فتحت جبهة جديدة في العراق وبذلك قدمت خدمة كبيرة لتنظيم القاعدة الذي ذهبت إليه في جبال تورا بورا كي تقضي عليه، ولكن أحيته من جديد وفتحت له مستنقعاً باحتلال العراق الذي بدوره صار بؤرة نزاع جديدة التحق بها الكثيرون من شباب المسلمين للدفاع عن العراقيين ضد الاحتلال الأمريكي، وصاروا وقود تنظيمات مشبوهة.

في العراق عادت للواجهة بؤرة أخرى جمعت كل الشباب المتدين في تنظيمات جهادية بينها القاعدة، وكانت هذه المحرقة الجديدة لكل من تم إنقاذهم من محارق سابقة أو أعادت الصحوة الإسلامية إنتاجهم مجدداً. قضت أمريكا سنوات وهي تغذّي التطرّف عبر دعم الملالي في العراق، وكانت المخابرات الأمريكية تدرك أنه كلما تصاعد نفوذ إيران وتمددت ثورتها الخمينية عبر جرائم ضد الإنسانية كلما ظهرت في المقابل السنّي ما تريده من غلو وتطرف، فهي تساعد سرّياً التطرف الصفوي الإيراني لصناعة التطرف السنّي الذي تحاربه علانية.

قتل الكثيرون من شباب المسلمين في محرقة العراق، غير أن السنوات العشر أنتجت أجيالاً جديدة من الشباب الملتزم الذي لم يتورط في المستنقع العراقي، حيث كانوا في ذلك الوقت دون العاشرة من أعمارهم في أكثر الأحوال. بقي الترقب في احتوائهم والزجّ بهم في محرقة أخرى، حتى اندلعت الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد المستبد، وترك المجتمع الدولي هذا النظام بدعم من مليشيات إيرانية متطرفة يمارسون شتى الجرائم التي لم تخطر على عقل بشر.

المخابرات الإيرانية وبالتعاون مع أجهزة أخرى، أدركت أنه لا يمكن إنقاذ نظام الأسد من هذه الثورة الشعبية العارمة إلا بتحويلها إلى مستنقع حرب جديد مع تنظيمات جهادية لا علاقة لها بمقاصد الثورة وأهدافها، وبذلك يحققون ما يريد من حماية مصالحهم وهلالهم الشيعي وأيضاً يقدمون لأمريكا التي دأبوا على خدمتها، كل ما تريده من مستنقعات تتجدد كل عشر سنوات لذبح شباب الصحوة الإسلامية السنّية في العالم العربي، وأيضاً تستفيد منها شركات تصنيع الأسلحة العملاقة التي تتعامل بعقلية مافياوية للترويج لبضائعها وتسويقها وحتى تجريبها لمعرفة مدى نجاعتها، ولكن للأسف في أبرياء من المدنيين والعزّل في البلاد الإسلامية.

هبّ شباب المسلمين من كل حدب وصوب مرة أخرى نحو سوريا وفتحت لهم الحدود من دول الجوار وبإيعاز أمريكي، وبدؤوا في إعادة التجربة الأفغانية حيث شكلوا تنظيمات جهادية، وبينهم من بايع الظواهري، وآخرون بايعوا البغدادي الذي خرج من رحم القاعدة وصار خصيمها الأول بسبب الولاءات والصراع على زعامة الإرهاب الدولي وليس بسبب الفكر والمرجعية الدينية. وبعد فترة ظهرت للوجود محرقة اسمها “الدولة الإسلامية في العراق والشام” وتعرف اختصاراً بتنظيم “داعش” التي صارت أخطر محرقة في العصر الحديث، وأظهرت أن مشاريع أمريكا في محاربة الإرهاب كانت غير ذلك، فهي تجدد لنا فقط هذه التنظيمات المشبوهة بواسطة صناعة بؤر نزاع قذرة لا يدفع ثمنها إلا شباب المسلمين.

محرقة للشباب السعودي

من خلال المستنقعات التي مرّت ثبت بالدليل القاطع أن الشباب السعودي هو أول المستهدفين، حيث تجري محاولات جرّه نحو كل بؤرة حرب نجسة، وذلك لتوريط هذا البلد في صراعات خارجية كما يجري تحويل هؤلاء إلى قنابل موقوتة لا تستهدف إلا بلاد الحرمين عند عودتهم إليها بأي طريقة كانت، حيث ينفذون عمليات إرهابية أو ينشرون الكراهية من خلال فكرهم التكفيري. وهذا المخطط القذر يضاف إلى مخططات أخرى تهدف أساساً إلى تحقيق أبرز ما يدندن حوله المشروع الصفوي الإيراني والذي غايته أن يرفرف علم إيران في الرياض كما قال من قبل الخميني صاحب الثورة الجديدة التي تريد إعادة إمبراطورية فارسية حديثة.

يجب الإشارة في هذا السياق إلى أن إيران لم تنجح في أن تصل بشيعة السعودية إلى غايتها، ولهذا عملت ما في وسعها أن تنقل مدّها الشيعي من المنطقة الشرقية إلى مناطق أخرى عبر تشييع الشباب خصوصاً، ووجدت أن ذلك صعب للغاية إن لم يكن مستحيلاً، بسبب طبيعة التربية الدينية التي يتمتع بها هؤلاء، لذلك تعاونت مع أجهزة استخباراتية ومنها الموساد الإسرائيلي والمخابرات الأمريكية ووجدت ضالتها في مستنقعات الحروب التي تستغل فيها العاطفة الدينية للشباب السعودي، حيث يساقون إلى الموت أو يتحولون إلى أدوات تخريب لوطنهم. ولهذا فإن اختيار 15 اسماً ممن يحملون الجنسية السعودية ضمن مجموعة تتكون من 19 عنصراً قيل إنها نفذت عملية 11 سبتمبر/ أيلول 2001، أي بنسبة تقارب 79 بالمئة. وهذه ليست صدفة أبداً سواء من طرف الجهات التي تبنّت العملية مثل أسامة بن لادن أو حتى الجهات الرسمية الأمريكية التي أعلنت عن أسماء المنفذين.

ثروة الشباب في خطر

لن يتوقف الأمر في إطار سياسة صناعة محارق للشباب المسلم عند “داعش”، بل سيأتي دور مكان جديد لاحقاً وطبعاً بعد مرور عشر سنوات على الأقل، حيث إن هذه المدة كفيلة بصناعة جيل آخر من الشباب الواعي والملتزم الذي يعتبر غصّة في حلق كل المشاريع الأجنبية المعادية للأمة العربية والإسلامية وعلى رأسها المشروع الصفوي وتوأمه الصهيوني. وللأسف كل ما يحدث يأتي بدعم من أغلب الأنظمة العربية التي وجدت مصلحتها في التخلص من هذه الأجيال الواعية والمتعلّمة والمتدينة التي ستشكل خطراً على وجودها، وبالقضاء عليهم في مستنقعات الحروب النجسة لا يبقى لديهم إلا من نجح الحكام في تجهيلهم وإشغالهم بالتفاهات على حساب أوطان تقاد نحو التدمير الداخلي قبل العابر للحدود.

رغم أننا في العشرية الثالثة وفي تجربة المستنقع الخامس على الأقل، إلا أنه للأسف نجد الكثير من الدعاة ورواد الحركات الإسلامية وشباب الصحوة لم يعتبروا مما حدث لغيرهم من قبل، وكلما نتحدث لهم عن مخاطر المستنقعات القذرة التي تحولت إلى محرقة حقيقية لهم، بينهم من يستخف برؤيتنا وآخرون يتجاهلونها، ومنهم أيضاً من يرون أن الذين قتلوا شهداء في الجنة ومن العار العقدي علينا أن نتحدث عليهم بهذه الطريقة.

على الآباء والأمهات في كل العالم الإسلامي أن يحفظوا أبناءهم ويحمونهم بكل ما يقدرون عليه، كما على الحكام الذين لا يزال فيهم بعض الأمل أن يستفيقوا لحماية هذه النخب التي تصنعها مدارسهم ولكن لا تقدم شيئاً لأوطانها بل تساق كالخرفان نحو مسالخ ترعاها أجهزة مخابرات معادية، حتى تفرغ العالم الإسلامي من أي أمل في التغيير البناء والراشد، ويبقى أمن الكيان العبري ونظيره الصفوي في مأمن دائم. حذار.. حذار.. حذار أيها المسلمون.

المصدر

الخليج أونلاين – أكتوبر 2014

Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom