إسماعيل خلف الله يكتب: بورما وحقوقُ الإنسانِ بين التَّناسي والنسيانِ

2015/08/03

إسماعيل خلف الله يكتب: بورما وحقوقُ الإنسانِ بين التَّناسي والنسيانِ

إنّه من المؤسف ونحن في منتصف العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين أن نرى أعمال الإبادة في حق مسلمي بورما بجميع صورها من قتل وإحراق وتعذيب وتشريد وتصفية عرقية وترحيل قسري على أيدي البوذيين والسلطة البورمانية، وبالمقابل لا نلمس رد فعل إيجابي من طرف أفراد المجتمع الدّولي، فكل هذه الإنتهاكات تواجه بصمت غريب، سواء ما تعلّق برُدود أفعال الدول التي تدّعي أنّها تُنظِّر للديمقراطية ولحقوق الإنسان وتعمل على تصديرها، أو تلك المنظمات الدولية التي أصمّت آذننا من جرّاء صراخها الفارغ هنا وهناك، وحتى الإعلام العالمي أضحى وكأنه لا يرى ما يحدث من جرائم تقشعرّ لها الأبدان وتذهل منها العقول للطائفة المسلمة في بورما، ولم نجد لها ذكرا  ولو في الأخبار الخاطفة.

وقبل التّطرّق والتّعرّض لهذه الإنتهاكات الحاصلة في حق الإنسان البورماني المسلم، لابد أن نتعرّف أولا على هذا البلد من حيث الموقع والسكان ونظام الحكم السائد والديانات المنتشرة فيه.

الموقع:

001

هذه الدولة كانت تسمى سابقا بـــــــ ( بورما )، والآن تسمى (ميانمار)، وهي واقعة في الجنوب الشرقي للقارة الأسيوية، يحدها من الشمال الهند والصين، ومن الجنوب خليج البنغال وتايلاندا، ومن الشرق لاووس وتايلاندا والصين، ومن الغرب نغلاديش والهند وخليج البنغال.

وتتمركز الأغلبية المسلمة في اقليم أراكان، والذي يقع في الجنوب الغربي لميانمار، يحدّه الشريط الحدودي مع بنغلاديش وساحل خليج البنغال.

مساحة ميانمار (بورما):

تبلغ المساحة الإجمالية لها بحوالي 676.578 كم2، ومساحة إقليم أراكان حوالي 51.845 كلم2.

عدد سكان ميانمار (بورما):

يبلغ عدد سكان بورما حوالي 55 مليون نسمة، ونسبة المسلمين فيها تفوق أيضا 15%، ويتمركز أغلبها كما أشرنا سابقا في إقليم أراكان.

وهناك إحصائيات تشير إلى أنّ أكثر من 70% من سكان أراكان يدينون بالإسلام ويُعرفون بــــــ (الروهينغا)، والنّسبة المتبقية هي من البوذيين والماغ وطوائف أخرى.

نظام الحكم السائد الآن:

نظام جمهوري وتسمى رسميا بجمهورية إتحاد ميانمار.

الديانات الموجودة في بورما:

البوذية وهي الغالبية العظمى، والإسلام والمسيحية والوثنية وبعض الديانات الأخرى.

متى دخل المسلمون أراكان؟:

0002

تشير معظم الدراسات التاريخية أنّ التجار العرب وصلوا في عصر الخليفة العباسي هارون الرّشيد في القرن السّابع الميلادي إلى المناطق التي تسمى الآن أراكان، ومن خلال ممارستهم لمهنة التجارة إستطاع هؤلاء التجار أن يؤثّروا في السكان المحليين من خلال المعاملات والأخلاق الإسلامية التي كانوا يتحلّون بها، مما جعل هؤلاء السكان يدخلون في دين الإسلام أفواجا وجماعات إلى أن انتشر من أراكان إلى باقي أقاليم بورما وبنغلاديش.

وفي عام 1430م تأسست أول دولة إسلامية في أراكان على يد سليمان شاه، وقد دام حكمها إلى أكثر من ثلاثة قرون ونصف، إلى أن استولى الملك البوذي الذي يدعى (بوداباي) على اقليم أراكان وضمّه الى باقي الدولة البورمية وهذا في سنة 1784م.

ويذكر المؤرخون أن سبب إحتلال هذا الملك لأراكان هو خشيته من إنتشار الإسلام الى باقي المناطق، وإبتداءً من هذه الحقبة بدأت معاناة المسلمين من قتل واضطهاد ونهب لخيراتهم وتدمير مساجدهم ومدارسهم، إلى أن جاء الإستعمار البريطاني في سنة 1824م، حيث ضمّ الدولة البورمية إلى حكومة الهند البرياطانية.

وفي سنة 1937م قامت بريطانيا بفصل بورما مع أراكان عن حكومة الهند البريطانية وجعلتها مستعمرة مستقلة، وقامت بتنصيب حكومة جديدة عليها عرفت بحكومة بورما البريطانية.

كما شهد عام 1942 قيام البوذيون الماغ بمذبحة وحشية ضد الطائفة المسلمة من الروهينغا خلّفت أكثر من مائة ألف ضحية كانت غالبيتها من الأطفال والنساء والشيوخ، كما تعرّض مئات الآلاف للتشرّد كنتيجة حتمية لما خلّفته تلك المجزرة من فظاعة وبشاعة.

وكانت بريطانيا قد اشترطت على بورما إذا منحتها الإستقلال أن تمنح الإستقلال هي أيضا لكل العرقيات بعد عشر سنوات إذا كانت هذه العرقيات راغبة في ذلك.

وبالفعل منحت بريطانيا الإستقلال لبورما سنة 1948م، وبعد انقضاء مدة العشر سنوات قدّم سكان الأراكان طلب منحهم الإستقلال، ولكن للأسف لم يف البورمان بما عاهدوا الإنجليز عليه.

وفي عام 1962م قام الجنرال ((ني وين )) بإنقلاب عسكري واستولى على الحكم في بورما، حيث بقيت بورما تحت الحكم العسكري إلى غاية 2011م.

والمعروف على هذا الجنرال أنّه كان يُكنُّ عداءً شديدا للطائفة المسلمة مما جعلها تذوق في فترة حكمه كل أنواع الظلم والإضطهاد وكان من بين قراراته المجحفة ضدهم طرد كل  روهينغي مسلم من كل الوظائف الحكومية والجيش.

ماهي الإنتهاكات المرتكبة ضد الروهينغا؟

0003

هذه الصورة توضح بشاعة الإنتهاكات التي تقوم بها العصابات البوذية المتطرفة وعناصر الجيش والشرطة البورمانية في حق المواطنين الروهينغا بإيعاز من حكومة ميانمار على مرأى ومسمع كل المجتمع الدولي.

فإنتهاكات حقوق الانسان في أراكان متعددة الأساليب والأشكال، فمن التقتيل بأبشع الصور إلى التطهير العرقي والتهجير والطرد الجماعي والترحيل القسري إلى خارج أراكان وبورما، وطمس الهوية الإسلامية وهدم كل الآثار والتراث الإسلامي للمنطقة، وحرمان أبناء المسلمين الروهينغا من مواصلة التعليم في الكليات والمدارس العليا والجامعات، والعمل القسري في بناء الثكنات والمنشآت العسكرية والحكومية بدون مقابل، والحرمان من الوظائف الحكومية مهما كانت المؤهلات العلمية، والمنع من السفر الى الخارج مهما كانت المبررات ولو لأداء فريضة الحج.

ومن القوانين الظالمة والمجحفة في حق المواطن الروهينغي المسلم والسالبة لأبسط مظاهر الحرية،  أنّه لا يجوز له أن يستضيف أحدا في بيته حتى وإن كان من أفراد عائلته، إلا بإذن مسبق، وأما المبيت فهو جريمة كبرى عقوبتها هدم المنزل والسجن والطرد من البلاد.

كذلك من صور الإنتهاكات الحاصلة في حق المواطنين الروهنغيين، المبالغة في فرض الضرائب والغرامات المالية على كل شيء، خاصة إذا تعلّق الأمر بالزواج والإنجاب، كما يُجبر من لديه محصول زراعي أن يبيعه للمؤسسة العسكرية بأرخس الأثمان.

وكل هذه القوانين المجحفة في حق مسلمي الروهينغا لإجبارهم على الرحيل وإخلاء أراكان.

كما كشفت التقارير الدورية التي يُصدرها المركز الروهينغي العالمي GRC  أنّ انتهاكات حقوق الإنسان في تزايد مرتفع من طرف الشرطة المحلية البورمانية ضد الروهينغا في إقليم أراكان، منها الإعتقال التعسفي والتعذيب.

وقد صرّح مسؤول قسم الرّصد والتوثيق بقطاع حقوق الإنسان بالمركز الروهنغي العالمي لوكالة أنباء أراكان (ANA)، أنّ المواطن الرُّوهنغي في أراكان مسلوب ومحروم من كل الحقوق الانسانية المتعارف عليها في التشريعات والنصوص الدولية هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهو يعاني من كل أنواع الإنتهاكات المحرمة دوليا.

وقال أيضا:(إنّه ما من جريمة إنسانية يُمكن أو لا يُمكن تخيُّلها، إلا وارتكبت بحق الرُّوهنغيين في أراكان من قبل الطائفة البوذية بالتواطؤ مع السلطات الحكومية).

كما ذكرت وكالة أنباء أراكان (ANA) أنّ العصابات البوذية المتطرفة حاولت خلال شهر مارس 2013م هدم إحدى أعرق الجامعات الإسلامية الواقعة في مدينة ((ميها جانبور)) شمال أراكان، وذلك بهدف توطين البوذيين المهاجرين إلى أراكان.

وذكرت أيضا أنّ المتحدث الرّسمي باسم المفوضية العليا للّاجئين في الأمم المتحدة قد كشف أنّ أعداد الهاربين من مسلمي الرُّوهينغا بالقوارب عبر الأنهار المطلة على البلاد في إزدياد مستمر مضيفا أن ّ أكثر من ألفي شخص غادروا أراكان متجهين إلى دول الجوار، كما أشار المتحدث إلى أنّ أكثر من ثلاثة عشر ألفا (13ألف) هربوا خلال عام 2012م متجهين إلى بغلاديش في رحلات خطرة عبر خليج البنغال، وأنّ خمسمائة منهم لقوا مصرعهم نتيجة غرق قواربهم، ويُتوقع أن يكون عدد الهالكين أكثر من ذلك بكثير.

كما ذكرت الوكالة أيضا أنّ سكان منطقة ((كورابيل)) شمال ((موندو)) بأراكان قد تفاجأوا بأكثر من خمسة وثمانين جثة طافحة في أحد التجمعات المائية، وأكّد مراسل وكالة أنباء أراكان بأنّ هذه الجثث تعود لمجموعة من الشباب الرُّوهينغا تمّ اعتقالهم في أوقات سابقة، مضيفا أنّ هنالك آثار للتعذيب والضرب في أنحاء مختلفة من أجسادهم.

0004

ومن بين الإنتهاكات أيضا أنّ هناك عددًا كبيرًا من أبناء الرُّوهينغا محرمون من الجنسية وهذا منذ عام 1982، بحجة أنّهم مُسلمون بنغال بلا جنسية جاؤوا من بنغلاديش، وتمارس عليهم جميع أشكال  الإضطهاد وسوء المعاملة والتمييز العنصري.

بالإضافة إلى كل ما ذكرناه من انتهاكات، توجد انتهاكات أخرى تتمثل في المضايقات اليومية

و المداهمات اللّيلية من طرف قوات الأمن البورمانية مصحوبين  بالعصابات البوذية المسلّحة، ومنع كل التجمعات لأداء الصلاة أو الخروج في الطرقات، كل هذه العوامل دفعت بالكثير من الرُّوهينغا إلى هجر منازلهم والهروب إلى الغابات والجبال والكهوف.

وفي عام 2012م قامت عصابة من البوذيين المتطرفين وبمساعدة الجيش البورماني بإنزال 11 مسلما من إقليم أراكان بدون أي سبب من حافلة كانت تُقلّهم وانهالوا عليهم بالضرب حتى الموت، فكانت هذه الحادثة سببا في قيام احتجاجات عنيفة في إقليم أراكان ذو الغالبية المسلمة، فقامت قوات الجيش والبوذيون المتطرفون بالرّد على هذه المظاهرات السّلمية بقتل 20 ألف مسلم حسب الإحصائيات الرّسمية، وهناك إحصائيات غير رسمية تشير إلى حوالي 50 ألف مسلم، بالرّصاص الحي وبالحرق المتعمّد وبكل الوسائل، بالإضافة إلى حالات اغتصاب النّساء والفتيات، كما تعرّض أكثر من ألفين (2000) منزلا للحرق، وتدمير سبعين (70) مسجدا.

0005

وأخيرًا وبعد سكوت دام طويلا تمت مصادقة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، يوم الجمعة 03 جويلية 2015م في جلسته الـــــــ28 على مشروع قرار يُدين انتهاكات حقوق الإنسان للحكومة الميانمارية ضد مسلمي الرُّوهينغا والأقليات الأخرى في البلاد.


في الأخير نقول أنّ ما يحدث للطائفة المسلمة من الرُّوهينغا من مجازر ضدّهم ومن تطهير عرقي لهم، ومن أبشع صور القتل المرتكبة في حقهم، وعمليات الإغتصاب والأشكال المتنوعة للإبعاد القسري والتهجير وتدمير المباني السكنية والتجارية وإتلاف الممتلكات والمحاصيل الزراعية والحيوانية، وهدم المساجد والمدارس والأثار الإسلامية وطمسها، على يد الشرطة المحلية البورمانية والجماعات البوذية المتطرفة ((الماغ)) بإيعاز ودعم وتواطؤ الحكومة البورمانية في جمهورية ميانمار، أنّ كل هذا يُعتبر جرائم ضد الإنسانية تندرج تحت المادة السابعة من نظام رُوما الأساسي للمحكمة الجنائية الدّولية، والتي تنص على أنّ:

((ارتكاب هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين أو إضطهاد ضد أي جماعة محددة أو مجموعة محددة من السكان لأسباب سياسية أو عرقية أو قومية أو إثنية أو ثقافية أو دينية تعد جريمة ضد الإنسانية)).

فإلى متى سيجتمع مجلس الأمن الدّولي لينظر في هذه الجرائم المرتكبة في حق مسلمي الرُّوهينغا؟!

 

بقلم أ/ إسماعيل خلف الله

Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom