جنرالات موريتانيا وديمقراطية برتبة عريف!!

2008/08/12

جنرالات موريتانيا وديمقراطية برتبة عريف !!

بقلم: أنور مالك – باريس

اعتقد الكثيرون أن موريتانيا صنعت نموذجا فريدا في الديمقراطية بالوطن العربي، وراحوا يتغنون لهذا الاستثناء في زمن الديكتاتوريات العربية والإسلامية، قرأنا ما كتب وظل يردد بشتى ألوان الحبر، زاده بلاغة تلك البصمات القادمة من بلد المليون شاعر… بالرغم من تاريخ الحكم في موريتانيا، الذي حطم أرقاما قياسية في الانقلابات العسكرية بأكثر من 10 لها تأثيراتها البالغة في تراجيديا الحكم، كنا نظن أن آخرها ما قام به العقيد أعلى ولد محمد فال الذي انقلب على الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، الذي بدوره أطاح بولد هيدالة في عام 1984، ولكن أقدار ضائعة لولد الطايع الذي يوصف بـ “الضابط الخجول” دفعته إلى أن يشرب من الأقداح نفسها في 03 أوت/أوغسطس 2005، وهو يشارك في جنازة الملك السعودي فهد بن عبدالعزيز..

لما أقدم العسكر بقيادة العقيد أعلى ولد محمد فال على تسليم الرئاسة إلى المدنيين في شهر مارس/آذار 2007 وفي انتخابات وصفت بالنزيهة وأشاد بها الصديق والعدو، جعلت بلد الشنقيط يصنع بجدارة الاستثناء الفريد اليتيم في العالم العربي، وألقيت الدروس والمحاضرات عن عسكري وضع بصماته في تاريخ الحكم العربي، فأن يقدم عسكري على التنحي طواعية وتحت انتخابات رئاسية أشرف عليها ولم يترشح لها، بل منع كل أعضاء مجلسه العسكري من الترشح، هي سابقة نوعية بلا شك ولكن أيضا ينخدع لها وتثير عواطف كل من لا يدقق في طبيعة منظومة الحكم ونفسيات العسكريين، وهذا لا يعني أننا نشكك في نوايا ولد فال بصفة ما، ولكن كنا نشكك في نوايا الذين شاركوا معه في الإطاحة بولد الطايع، لأن العسكر تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، ويكفي ما حدث الآن كدليل واضح، أنهم كانوا خصوما يترصدون للفرص من أجل الإطاحة بديمقراطية أبعدتهم عن الريع المستباح والمشهد المرهون.

في غمرة ما يحدث من تحولات، كان لي موقفي الذي يخالف التيار الجارف الطاغي على السطح والقاع والواقع، لأنني على يقين أن الديمقراطية التي يسلمها العسكر برضاهم، لا يمكن أن تصمد في لحظة إن عارضت هذه الديمقراطية مصالح الجيش والجنرالات، فنفسية القائد الذي تربى وصنعت ايديولجيته في الثكنات العسكرية، لا يقبل أبدا برأي يتعارض مع مصالحه حتى الشخصية الضيقة، فالضابط العربي يرى في تحية من دونه رتبة لا ترافقها ابتسامة عريضة وخشوع وتذلل، هي إهانة له ولأجداده ولأصوله وتاريخ والديه، و”صف الضابط” الذي يرى في التحية العسكرية التي يمليها الانضباط الداخلي هي عبودية ورق يجب أن يتخلص منها يوما ما مهما كلفه الثمن، والجندي الذي يقضي ساعات في مراكز الحراسة يتفجر بالأحقاد على القدر الذي خلقه برتبة جندي، فضلا من كل ذلك يستهين بمن هم أعلى منه رتبة، فهم لا يختلفون عنه بشيء لا في العلم ولا في الخلق ولا في العسكرية ولا في الانضباط، إنما القدر فقط له فعلته في تقرير مصائر الناس… أكثر من كل ذلك أن أي عسكري عندما يغادر ثكنته من اجل الراحة الأسبوعية أو الإجازات فتجده يتأهب إلى معاملة استثنائية من طرف المدنيين، لأنهم في عقيدته وتصوراته أقل شأنا منه، بل أنهم أقل إنسانية من عسكريته وإن كان عديم الرتبة، فتراه يفرض على الجميع احترامه وتبجيله وتقديسه والتبرك ببذلته والتودد له، ولا يمكنه أن يتعامل إلا مع من يراهم في مستواه، فإن كان برتبة رقيب ومستواه الدراسي الابتدائية، تجده لا يقبل إلا بأستاذ جامعي أو مهندس دولة يجالسه في مقهى لارتشاف القهوة وللحظات أهداها هذا العسكري المتواضع من وقته الثمين !! وإن كان ضابطا فلا يقبل إلا برؤساء المجالس الشعبية أو نواب البرلمان، وإن كان ضابطا ساميا فلا يقترب من أسواره إلا الوزراء والأثرياء والسفراء… فعلاقة المدني بالعسكري تحكمها عوامل نفسية لا يمكن أن نتغاضى عنها أبدا، لأن الواقع العربي الذي تحكمه عقلية المخابرات والنفوذ الأمني، جعل هذه الجدلية تسيرها مرتكزات طبقية لا يمكن تجاوزها أو التغاضي عنها أبدا، فالمدني يرى مستقبله في يد عسكري، والعسكري يرى المدني مجرد خادم وعبد مطيع يعيش تحت أمر سلطته العسكرية، ونفسية العسكري لا تقبل أن يقوده أو يتحكم فيه من لم يتخرج من كلياته، فالضابط الذي تخرج من الكلية الحربية مباشرة برتبة ملازم، تجده يعيش السخط في داخله، حينما يعين في مركز قيادي أي ضابط بدأ حياته العسكرية عريفا أو جنديا وتدرج بطريقته طبعا في الرتب كلها حتى وصل إلى أعلى المناصب، فضلا من أن يتم تعيين مسؤول مدني كقائد للجيش، فذلك لا يمكن تصور مدى السخط الذي يضرب عمق الثكنات وينخر في جدرانها ويرعش فوهات رشاشاتها… على كل أن الخوض في غمار نفسية العسكري والمدني في ظل مقاربات يمكن من خلالها، معرفة أبعاد الحكم في منظومة السلطة العربية، تحتاج إلى وقفات طويلة ومحطات مختلفة، والذي يمكن أن نجمله هنا في هذا المنحى، أن العسكري في الوطن العربي وليس الغربي الذي له توجه مخالف تماما، هو إنسان ليس كباقي الشعب يحمل مواصفات خاصة به، تبدأ من أن طينته تختلف عن الآخرين، وان الذي ألبسه البذلة العسكرية وقلده الرتبة قد وضع في كفه مقاليد الحكم ومفاتيح البلد، ومن يحاول أن يقترب من هذه المقدسات فقد فتح النار على نفسه…

لقد قلت من قبل أن الديمقراطية الموريتانية التي تخرجت من الثكنة العسكرية، لن تنجح أبدا ولا يمكن لها الوقوف في وجه أول إعصار قد يعصف بها، وخاصة أنها ديمقراطية تحت خطوط حمراء وضعت بإجماع في مراكز قيادة الجيش، وإن كان غيري حاول أن يعطي لهذه “الديمقراطية الفتية” طابعها المدني المطلق، وآخرون قلدوها رتبة جنرال أحيل على المعاش، بمعنى أنها ديمقراطية تربت في الثكنات وتخرجت من الكليات الحربية، وتدربت على كل أنواع الأسلحة، ولكن بفضل عقيد عسكري ووطني أحالها على المعاش لتبدأ حياتها المدنية بامتياز، ولكن كنت أراها أنا ديمقراطية لم تخرج من أسوار الثكنات بل هي تعيش داخلها، وليست ديمقراطية تؤدي واجب الخدمة العسكرية وقد تنهيها يوما وتعود إلى الحياة المدنية، ولكنها ديمقراطية عسكرية بحتة وبرتبة عريف، أي ضابط يمكنه وفي أي لحظة يريد أن يعاقبها ويضعها في زنزانات التأديب أو تجريدها حتى من هذه الرتبة المتدنية، بل قد تتعرض لشتى أنواع الإهانات من تنظيف المراحيض وغسل الصحون وكنس الأرصفة وجمع القمامات، ومفروض عليها أيضا الركوع لضابط تخرج حديثا من الكلية الحربية، فالعريف مهما طال به الزمن في الجيش فإنه لن يصل إلى رتبة ضابط أبدا، نتكلم على ذلك في زمننا هذا وليس من قبل لما حكم الجيش عرفاء وجنود، لا يحسنون حتى القراءة والكتابة كما هو الشأن في الجزائر وأغلب جنرالاتها لا يملكون حتى الشهادات الابتدائية، وسيظل هذا العريف “المحتقر” مدى خدمته وهو تحت الأوامر لكل ضابط أو صف ضابط يلتحق بالجيش، ويوما التقيت بعريف سابق رقي بعد ثلاثين عاما من الخدمة إلى درجة مساعد، يعمل في ثكنة قائدها ابنه برتبة عقيد حدثت بينهما المشاكل الكثيرة كادت أن توصل الأم إلى الطلاق !!

الآن صرت أرى الديمقراطية الموريتانية أنها بالفعل تحمل رتبة عريف لكنه “عريف العقوبات”، وهو ذلك الجندي البسيط الذي يقلد هذه الرتبة من أجل السهر على زنزانات التأديب الداخلي الموجودة في كل الثكنات، حيث يعاقب بالزج فيها أي عسكري يرتكب مخالفات ويتجاوز قوانين الانضباط، ولا يمكن لهذه الديمقراطية أبدا أن تقف ضد أي ضابط فضلا أن يكون برتبة جنرال وبمثل نفوذ محمد ولد عبدالعزيز الذي أطاح بالرئيس المنتخب سيدي ولد الشيخ عبدالله، وفي أول مواجهة سياسية بين الثكنة والرئاسة…

بغض النظر عن طبيعة حكم الرئيس المطاح به، أو عن واقع تسييره للأمور في البلاد، وبغض النظر عن الحملة التي استهدفته من خلال الهيئة التشريعية “البرلمان” وتمرد 48 من نواب الأغلبية، أو من خلال الهجوم على زوجته وقضايا الفساد التي حركت ضدها، إلا أنه لا يختلف اثنان في دستورية القرارات التي اتخذها في حق جنرالات وصفهم بأطيب الأوصاف في آخر حوار له مع قناة الجزيرة القطرية، والمتمثلة في مراسيم العزل التي جاءت بعد ترقيتهم من قبل وبمبررات مختلفة أهمها مدى تضحيتهم في سبيل الوطن، وهو – طبعا – من صلاحيات الرئيس الدستورية التي لا ينازعها فيه أحد، هذا في الدول التي تحترم نفسها ولا تستهين وتستخف بشعوبها، فكيف يمكن أن نسمي أي كان أنه “رئيس البلاد” ولا يستطيع أن يعزل جنرالا؟ كيف يمكن أن نصف ما جرى بموريتانيا أنه ديمقراطية حقة قل نظيرها، والرئيس الذي انتخبه الشعب لا يستطيع أن يعزل جنرالا وربما لا يستطيع ان يعزل عريفا أو يجرده من رتبته إلا برضا العسكر؟ هل من الممكن أن ننظر بعد اليوم إلى أي شيء يأتي من هذا البلد أو غيره من البلاد العربية، على أنه ديمقراطية أو يمكن أن نشيد به ونفتخر؟ ما جدوى الانتخابات والأموال التي تبذر على مواعيد واستحقاقات تجهض في لحظة تعنت أو شذوذ جنرال لتعود الأمور إلى بدايتها؟ لماذا لم يبق العقيد ولد فال في الحكم أفضل من انتخابات شكلية وصورية لا تفيد شيئا، سوى أنها تضيع وقت بناء الدولة وتبذر فيها الأموال الكبيرة لو وجهت للتنمية لحققت الكثير لشعبها الفقير البائس؟ !!

إن من يزعم بناء مجتمع ديمقراطي في الدول العربية هو واهم وكاذب، لأن الديمقراطية لا تعيش في الثكنات أبدا، وبتعبير أقرب للمخيال الشعبي أن الحرية لا تتعايش مع عقلية الكابرنات “العرفاء”، فالعسكر في كل الأقطار العربية صنعوا النموذج في قمع الشعوب واضطهادها، ففي كل انقلاب يحدث قد تسيل الدماء أو يسيل اللعاب وتسرق الأحلام وتنهب الأموال، فكيف يمكن أن نعطي للشعوب حريتها في اختيار السلطة التي تريد، وفي الوقت نفسه نحاصر هذه السلطة بقبعات وبحوافر ورتب تغدو قداستها أكثر من قيم الأمة ومبادئ البلد؟ ما جدوى وجود الجيوش والجنرالات والأسلحة في بلدان لا تحارب ولا تقاتل، بل لا قضية لها أصلا؟ أليس الأجدر هو إلغاء المؤسسة العسكرية في البلدان العربية مادامت صارت عبارة عن كيان لعصابات لا هم لها سوى التسلط والديكتاتورية؟ هل يوجد جيش عربي الآن شارك في حرب أو حرر شعب أو تصدى لظلم وضرب على يد ظالم؟ أليس مصائب الدول العربية كلها جاءت من الثكنات العسكرية أشعل فتيلها عسكريون؟…

بالتأكيد أن ما جرى في موريتانيا يكشف للعلن هشاشة الأمة العربية، التي تحكمها العقلية القبلية المقيتة وقد غرزت مخالبها ومدت نفوذها بإمتياز في الثكنات ومن وراء جدرانها، كموريتانيا التي تتصارع فيها أعراق بأصول ولغات مختلفة ومتناحرة بين المور والولوف والبيل والسوننكي والتوكلر، فضلا عن صراع النفوذ الأجنبي بين أمريكا وفرنسا… هذا إلى جانب هشاشة الأمة المهددة بالإثنيات والطوائف والتفتيت، فنجد الشعوب أيضا لا تكترث بما يهددها أو يتلاعب بوجودها، يكفي مثلا ونحن نتحدث عن موريتانيا أنه وقبل صدور البيان رقم واحد الذي أكد سخف ما قام به الجنرالات، وكأن مصير دولة يتوقف على عزل موظفين ولو كانوا برتبة جنرال… لقد خرج بعض المواطنون يرحبون ويرقصون وكأن ما حدث يشبه يوم سقوط بغداد في التسويق الإعلامي له، بالرغم من أن الانقلاب الذي علمت به باريس في دقائق تنفيذه، في بيانه الأول استخف بالإرادة الشعبية أيما استخفاف، وكأن الجنرالات خاطبوا الشعب بأنهم مستعدون لإحراق البلد من أجل مناصبهم وبقائهم في القيادة العسكرية، وقد يبيعونها للغزاة إن وجدوا ذلك كحل للحفاظ على مكاسبهم، ولم نسجل موقفا شهما كمسيرات أو اعتصامات أو احتجاجات، يمكن أن نجعل منها كدليل عن وعي سياسي ديمقراطي لدى شعوبنا، بل يجعلنا نعول عليها في مثل هذه المواقف الحرجة، ويمكن أن يدفعنا إلى الإشادة بالأمة عندما تصادر أصواتها وتجهض إرادتها ويسرق مصيرها، لذلك من يزعم أنه يملك أغلبية شعبية وأنه بها يمكن أن يصمد ويتحدى الأعاصير فهو واهم، فالشعوب التي تتخلى عن رجل أو سلطة نالت الرضا في صناديق الاقتراع، وفي أول موقف مضاد لخيارات جهات نافذة، تقدم على السطو العلني على هذه الشرعية، فلا تستحق هذه الشعوب سوى عقلية العسكر تسيرهم وتسوقهم كالدواب في زرائب يطلق عليها – تجاوزا – ثكنات، لأن الجندي أو العريف لا يمكن أبدا أن يعترض أو ينتخب على قائد له، وكل شيء يخضع للتعيين بقرارات فوقية تحكمها لعبة التوازنات بين الأطراف المتنازعة على النفوذ في الهيئة العسكرية… وإن كنا قد سجلنا مواقف سياسيين تدين الانقلاب، ولكنها في مجملها مواقف تبحث عن فضاء لنفسها في الوضع الجديد وتحت قبضة جنرالات “مجلس الدولة”، لأن الجميع يعرف تمام المعرفة مدى جدية العسكر في قراراتهم، فهل من الممكن أن يتراجع الجنرالات في انقلابهم وقد تمت السيطرة على كل شيء من دون إطلاق رصاصة واحدة وهو ما يثبت هشاشة الدولة وسذاجة مؤسساتها؟ هل من الممكن أن يطلق سراح الرئيس من زنزانته وتقدم له الورود والتحية العسكرية ليعود إلى بيته الذي عبث به الجنرالات وعرضه الذي استباحوه في جنح الظلام؟ ألا يوجد خيار آخر لعزل رئيس وبطرق شرعية ومؤسساتية غير الانقلاب؟ ما جدوى وجود الهيئات التشريعية التي تنهب المال العام مادام التغيير والحساب يأتي من على ظهر الدبابات؟ أليس الشعب هو صاحب الشأن في اختيار الحاكم أو عزله؟ !!

الجواب واضح ولا يحتاج لمزايدة، وهو أنه من المستحيلات السبع أن تعاد الأمور لمجاريها برغم التنديد الدولي والتردد العربي والصمت المغاربي المشبوه، ومن يزعم غير هذا فهو واهم ولا يفهم شيئا عن طبيعة فقه الثكنات وأدبياتها في الحياة العربية، والسياسيون الذين يطالبون بالعودة للمؤسسات وعلى رأسها رئاسة الجمهورية عن طريق إستعادة الرئيس المخلوع لمنصبه، هم يمارسون الإستحمار العلني على الشعب الموريتاني والشعوب ليس إلا، إن لم يكونوا أغبياء لهذا الحد، والعيب يكمن في هذه الطبقة السياسية لأنها لم تدفع ضريبة النضال من أجل تمكين السياسي المؤسساتي على حساب العسكري الانقلابي، فالذين يقبلون قدم كل جنرال وهو في أوج انتصاراته الانقلابية من أجل أن يمنحهم فضاء في ظل لعبته السياسية، لا يمكن أن نعول عليهم في تقديم البدائل أو إحداث تغيير يتجلى في مفهوم واضح وبين، يضع حدا فاصلا ما بين العسكري والمدني، ويعطي حصانة للمؤسسات والصلاحيات الدستورية المخولة للرئيس أو للوزير أو للنائب أو للجنرال، وفق رؤية حضارية تتجاوز الأنا والأنانية المفرطة التي صارت داء الأنظمة العربية بلا استثناء…

لقد جردت الديمقراطية من رتبتها ولم يبق لها في الوطن العربي سوى رتبة “جندي”، ففي زمن الجنرالات سواء في الجزائر أو موريتانيا أو تونس أو سوريا أو مصر أو ليبيا أو… الخ، لا يمكن أن تعيش الحرية وتنعم بأنوثتها وفحولتها ومروءتها، ولا يمكن للشعوب أن تتنفس الهواء النقي أبدا والثكنات تتفنن في إشعال النيران وإزكام الأنوف بالقنابل ودخان الموت الأسود والحروب ورماد المؤامرات… المغرب العربي في خطر هكذا أقول وأردد مادام الجنرالات يصنعون الموت والجوع والفرقة والتفتيت الهيكلي للبنية الوحدوية المغاربية من خلال تنظيمات مشبوهة، ويرسون دعائم الديكتاتورية من خلال مصادرة الخيارات الشعبية بينها التي أشعلت فتائل الحرب الأهلية، وأخرى قد تعيدنا إلى زمن الاستعباد، فمغربنا العربي ينام على براكين وقنابل موقوتة ستنفجر حتما إن لم يتم تدارك أمرها، وحينها لا يجدي الدمع ولا ينفع الندم ولا يداويها القضاء… في انتظار الانقلاب القادم سيبقى مصير موريتانيا تحت حوافر الجيش وإيعازات الانتباه والخلف دور، والانتخابات القادمة التي سيشرف عليها العسكر للمرة الأخرى وفي ظرف قياسي، لن تقدم شيئا لواقع الشعب الموريتاني الجائع الفقير الذي تنهب ثرواته من طرف عصابات تتصارع على ريع السلطة، وكل واحدة تولي وجهها شطر ما تريد وما ينفعها وفق عمالتها الخاصة، ووفق أجندة رسمت لها بين باريس وواشنطن، وإن زعموا أن استقلالها عن فرنسا قد حدث في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 1960… لك الله يا شعب موريتانيا وأنت تئن تحت مزنجرات لا ترحم ودبابات صارت بضاعات في مزادات القبلية النتنة والتبعية المتجلية.

Be Sociable, Share!

????????? (0)


Bottom